المحتوى الرئيسى

في الميـزان

06/23 23:48

تري هل يغفر الغجر‏?!‏

ربما تعود أغنياتهم و موسيقاهم إلي مئات من قرون سالفة, لم تتخل يوما عن تمردها وعنفوان ثورتها.. وكثير من الانكسار! تلتف الساق بالساق أحيانا و تتطاير حين الرقص في الهواء أحيانا أخر, ولكن الحزن الدفين يعتصر القلوب;فهم دائما علي هامش الحياة في أي مكان وطأته أقدامهم,غير مرغوب فيهم إلا في ثنايا أبحاث علماء الإثنيات,يرصدون عرقهم و أصولهم و طوائفهم و فنونهم و أزياءهم وحرفهم.. إنهم أقرب دائما إلي فكرة فولكلورية تستحق البحث.. إنهم مأثور شعبي في حد ذاته ليس أكثر و لا أقل ـــ إنهم الغجر!! ذلك اللغز المحير المنكفئ علي ذاته, المتشعب في ثنايا مجتمعات عدة دون أدني حق دائما في الانتماء!!

نحو ألفي أوروبي من هؤلاء غجر أوروبا يمثلون طوائف عدة من تلك الجحافل التي يعتقد في أنها قد نزحت إلي القارة( المتحضرة) إبان القرن الرابع عشر, قادمين من شمال الهند لا مرحبا بهم منذ ذلك الحين و حتي أيام قلائل, بالرغم من أنهم تناسلوا و لم يدخروا جهدا من أجل الانصهار, وقف هؤلاء الممثلون عن الغجر منذ أيام قلائل في حضرة بابا الفاتيكان البابا بنيدكت السادس عشر لا لشيء إلا لكي يمنحهم صك غفران اجتماعي يرفع عن كاهلهم أوزارا عرقية لا يد لهم فيها و يهبهم ضوءا أخضر للاندماج في النسيج الأوروبي!!

سبعة قرون متصلة, أي نحو700 عام من عدم الاعتراف و تجرع لمذاقات الذل والهوان كانت كفيلة في حد ذاتها بأن تجيز لهؤلاء تنفس عبير الاحترام و الكينونة أخيرا. و في ذلك لم يجد هؤلاء شيئا أثمن كي يقدمونه امتنانا لهذا الصفح التاريخي, فراحوا ينشدون من الأغنيات ما ينشدون, و قدمت أطفالهم رقصات الثناء علي نغمات غجرية إثنية المذاق, تؤكد في حد ذاتها اختلاف هؤلاء عن بني أوطانهم الجديدة وهم لا يعلمون, و تنذر بأن الطريق لا يزال طويلا أمامهم من أجل الاندماج, حتي و إن كان الفاتيكان قد مرر ذلك المبدأ و أقره!!

وأنظر إلي شخص بابا الفاتيكان الجالس علي كرسيه المهيب يشاهد الاحتفال الذي تسبب فيه, ثم أمعن النظر في وجهه الكريم فأجد نظرات عينيه نصف شاردة ما بين متابعة الحدث وبين أطياف ذكريات لابد وأنها قد أطلت من ذاكرة عقله الألماني المنبت; فالرجل من قبل تبوئه لهذه المكانة الرفيعة هو في الأصل المواطن الألماني جوزيف ألويس راتسينجر ذلك العضو اليافت الذي تم( إرغامه)علي الانخراط في صفوف'حركة شباب هتلر' بموجب القانون الألماني آنذاك,والذي أرغم كل شاب بلغ الرابعة عشرة من عمره علي الانضمام إلي هذه الحركة!! فلما يجتمع عنصري معادلة( ألمانيا) و( الغجر), لابد و أن تكون النتيجة برائحة الدماء إنه رصيد لا بأس به من الجرائم التاريخية التي ارتكبتها ألمانيا النازية في حق الغجر.. جرائم لا تقل بشاعة عن تلك التي قيل إنهم ارتكبوها في حق اليهود, فيما تكبدنا نحن خسارته!!

يا إلهي, لقد امتزج صوت أغنيات الغجر لتوه بصوت آخر في عقل الرجل أكاد أسمعه..صوت قادم من برلين رأسا راح يعلو ويعلو في أذنيه حتي انه طمس صوت الغناء الدائر أمامه ـــ إنه صوت جوزيف جوبلز وزير الدعاية في جوقة الزعيم أدلوف هتلر:

التاريخ14 سبتمبر عام1942

المناسبة: اجتماع عقد في برلين لتحديد مجموعات السجناء في معسكرات الاعتقال الذين ينبغي القضاء عليهم عن طريق العمل الشاق المضني حيث جاء رد جوبلز قاطعا:

' هم اليهود والغجر بلا منازع, والبولنديون الذين حكم عليهم بالسجن والأشغال الشاقة لمدة ثلاثة أو أربعة أعوام,والتشيكيون,والألمان المحكوم عليهم بالإعدام أو الأشغال الشاقة مدي الحياة, أو المحجوزون لدي سلطات الأمن مدي الحياة. إن فكرة إبادتهم عن طريق العمل الشاق هي أفضل شيء لهم'!

هكذا تحدث جوبلز و أقر المبدأ, إنه أغرب مبدأ مساواة شهده التاريخ.. مبدأ ساوي مابين اليهود والغجر من ناحية, وبين الاثنين و أصناف المجرمين من ناحية أخري, فلما تساوي الثلاثة حق العذاب!

وأترك البابا جالسا علي كرسيه و أذهب بخيالي إلي أشهر معسكر اعتقال عرفه العالم إنه معسكر أوشفيتز ومعسكرات أخري علي شاكلته اكتظت بأمثال هؤلاء:

الصباح يتنفس بهواء قارس البرودة تملأه شبورة مائية تنذر بالمزيد,والثلوج تتساقط من حول ألسنة بخار الماء تخرج من الأفواه لتكشف للناظرين من الحراس بأن حديثا يدور بين سجين و زميل له خلسة!

طعم النهار هناك يأتي مختلفا, فهو ليس دليلا علي أي نوع من أنواع الأمل, و إنما هو دليل علي الشقاء; فالوجوه ترتسم عليها خطوط التعب من بعد ليلة طويلة شأنها شأن ليال أخري كثيرة يملأ دقات ساعاتها العجاف عمل شاق قصد منه الموت وليس فقط الإنتاج تحت مظلة المجهود الحربي... فماذا لو أن سجينا قد فارق الحياة؟ لا شيء سيحرك ساكنا! ثم ماذا لو أن سجينا لم يمت أصلا وإنما بدت عليه بعض معالم الوهن؟

إن مكانه الوحيد هو إحدي الغابات القريبة, يقتاده نفر من الجنود فيطلقون عليه وابلا من الرصاص, أو ربما رصاصة واحدة.. فيردوه قتيلا!

إن الناس هناك ترتعد فرائصها ليس فقط من الموت, وإنما من عقاب شديد علي أتفه الأسباب: فذاك الرجل ــ أو قل شبه الرجل ــ الذي يقف أمامي الآن قد نجا لتوه من تنكيل تعرض له زملاؤه حينما فكروا في أن يتغلبوا علي شدة البرد بتصنيع قمصان يرتدونها من قماش أجولة الأسمنت الخشنة غير المستعملة للإفلات من مرض وشيك أو موت, ولكن الحراس من رجالات الـSS( وحدة البوليس الخاصة) لديهم تعليمات صارمة بألا يرتدي هؤلاء أكثر مما يستر عوراتهم فقط, أما مقاومة البرد أو فكرة التغلب عليه فليس معناها سوي25 جلدة للشخص الواحد قادرة علي إسقاط جسده المنهك أساسا غير المسموح له سوي بالفتات من الطعام الذي لا يسمن أو يغني من جوع!

أما عمن يفكر مجرد التفكير من السجناء في أن يخلع الطاقية الهشة من فوق رأسه, فليس له دية سوي القتل رميا بالرصاص علي الملأ, حتي أن بعض الحراس ـ من فرط الشعور بالملل ــ كانوا إذا أرادوا اللهو خطفوا الطاقية من فوق رأس سجين و ابتعدوا, فإذا برجالات الـSS يطلقون النار علي هذا البائس فورا بحجة شروعه في الهرب, فيردوه صريعا ربما وهو يهرول منهكا من أجل اللحاق بالطاقية!!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل