المحتوى الرئيسى

تحت القسممخرج من عقدة الخوف

06/23 23:58

علي الرغم من وجود مبررات معقولة لخوف بعض القوي السياسية من سيطرة تيار الإسلام السياسي علي البرلمان المقبل‏,‏ لأنه الأكثر تنظيما‏,‏ فإن علينا جميعا أن نحذر من أن يوقعنا الخوف في هاوية عدم الاستقرار السياسي لأحقاب طويلة‏,‏

 أو أن يطيل هذا الخوف من أمد الدور السياسي للجيش, في وقت يتوق فيه الجيش نفسه لتسليم السلطة إلي حكومة مدنية منتخبة, فكيف يمكن لمصر وثورتها الشعبية المجيدة أن يخرجا بأقل الخسائر, إن لم نقل بأعظم المكاسب, من بين هذين الاختيارين, وهما اختياران أحلاهما مر؟

بداية يجب ألا يتحول الخوف ـ برغم مبرراته ـ إلي عقدة تتحكم في كل غير منتم للإسلام السياسي, وتفسر له كل تصرف لا يعجبه, وكل كلمة لا تتفق مع رأيه, لأن شيوع الخوف علي هذا النحو لا يضعف فقط موقف القوي الديمقراطية والليبرالية والقومية أمام الناخبين, ولكنه يزيد من قوة تيار الإسلام السياسي في أعين هؤلاء الناخبين أنفسهم,

وربما يكون من النافع لنا جميعا ناخبين ومنتمين للإسلام السياسي ومؤمنين بالدولة المدنية أن نعود إلي بدايات ثورة23 يوليو سنة1952 لنكتشف أن عقدة الخوف من هيمنة حزب الوفد القديم علي الحياة السياسية, إذا طبقت قواعد الديمقراطية السليمة, أسهمت بقسط وافر في سقوط دستور1923 وإقامة نظام حكم عسكري بواجهة مدنية.( هنا تقتضي الأمانة أن نتذكر أن كل المتحدثين باسم المجلس الأعلي للقوات المسلحة بعد ثورة25 يناير أكدوا في أكثر من مناسبة أن23 يوليو لن يتكرر).

لقد كان الخوف من عودة وفد النحاس وسعد زغلول إلي السلطة بقوة هو الذي دفع فقهاء القانون والدستور وقتها, لاسيما الدكتور السنهوري وسليمان حافظ إلي نصح الضباط الأحرار بعدم دعوة البرلمان الذي كان معطلا إلي الانعقاد بعد عزل الملك, ثم تداعت الفتاوي لتحصين قرارات مجلس الثورة ضد الطعن القضائي عليها باعتبارها قرارات سيادية.

فإذا عدنا أبعد من ذلك قليلا إلي الوراء في تاريخ مصر قبل ثورة يوليو1952, سوف نكتشف أيضا أن خوف القصر الملكي وأحزاب المعارضة( التي كان يطلق عليها اسم أحزاب الأقلية) من هيمنة الوفد كان هو الأصل البعيد لقيام حركة الضباط الأحرار, لأن تحالف القصر مع أحزاب الأقليات للإطاحة بالوفد وحل البرلمان بعد فترات قصيرة من كل انتخابات حرة بذريعة أن الوفد يمارس ديكتاتورية الأغلبية, هو الذي أنتج ظاهرة عدم الاستقرار السياسي, مما أدي إلي فشل النظام السياسي كله في حل مشكلات مصر الكبري وقتها, وخاصة قضية الاستقلال الوطني, والعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية, فضلا عن مآسي الاغتيالات السياسية وحريق القاهرة وغيرها.

نعود إلي الإجابة علي السؤال:

كيف تخرج مصر وثورة25 يناير من الاختيار بين البديلين اللذين وصفناهما فيما سبق بأن أحلاهما مر, وهما الخوف من سيطرة الإخوان المسلمين وحلفائهم في التيار الديني علي الحياة السياسية, والذي يعبر عنه الآن بمطلب الدستور أولا, وبين الخوف من أن يظل الجيش ممسكا بزمام السلطة لأمد أطول مما يريد هو, ومما تقتضيه مطالب التحول الديمقراطي والأمن القومي؟

قد تكون البداية الصحيحة هي استعادة الثقة بتوضيح حقائق ربما تكون غير واضحة بما يكفي, وبمصارحة كل طرف بأخطائه من وجهة نظر الطرف الآخر, أو الأطراف الأخري, فلا شك أن بعض قيادات الإسلام السياسي أخافت كثيرين عندما أقامت دعوتها للتصويت بنعم علي استفتاء مارس الماضي علي أساس الحلال والحرام دينيا, لكن الأطراف الأخري كانت قد بدأت في إثارة الشكوك منذ لحظة تشكيل لجنة التعديلات الدستورية برئاسة المستشار طارق البشري, خاصة بعد أن ضمت في عضويتها بين من ضمت القيادي الإخواني السكندري الأستاذ صبحي صالح, وذلك علي الرغم من وجود عضو مسيحي في اللجنة, ووجود أعضاء ينتمون إلي مدارس فكرية أخري, ونحن هنا لا نناقش ما إذا كان لتلك الشكوك ما يبررها أم لا, ولكننا نرصد ما حدث ونرصد أيضا تداعياته التي وصلت إلي حد حديث البعض علنا عن صفقة بين المجلس العسكري, وجماعة الإخوان المسلمين.

من جانبي طرحت كل تساؤلات القلقين علي المستشار البشري, لعل المصارحة تبدد غيوم الشك, لماذا كانت اللجنة الجديدة لتعديل الدستور؟ ومن رشح أعضاءها؟ ولماذا اختير الأستاذ صبحي صالح؟ وعلي أي أساس فقهي وسياسي جري العمل؟ ولماذا أضيفت في الإعلان الدستوري مواد أخري غير التي جري عليها الاستفتاء, إلي آخر الأسئلة المطروحة علي الساحة؟

وجاءت إجابات البشري كما يلي: يعود السبب في تأليف لجنة جديدة للتعديلات الدستورية إلي أن اللجنة السابقة كانت قد تشكلت بقرار من الرئيس السابق, وبخروجه من السلطة رئي أن الأوفق قانونا هو تشكيل لجنة جديدة بقرار من ولاة سلطة السيادة الجدد( أي المجلس العسكري), وأما ترشيح الأعضاء جميعا فقد جاء من مستشاري التشريع بوزارة العدل, وأما اختيار الأستاذ صبحي صالح فقد علم البشري أن السبب فيه هو أن مستشاري التشريع بوزارة العدل أعجبوا بأدائه الفقهي والسياسي في اللجنة التشريعية بمجلس الشعب السابق.

وحول الأساس الفقهي والسياسي الذي جري عليه عمل اللجنة, يقول المستشار طارق البشري إن رأي اللجنة الفقهي هو أن الدستور ـ أي دستور مكتوب ـ لا يسقط إلا بإعلان صريح من جانب السلطة التي أصدرته أو سلطة أعلي منها, مثله في ذلك مثل أي تشريع, أما إذا خولفت بعض أحكامه فقد جري العمل الفقهي علي اعتبار هذه الأحكام معطلة, وربما ينسحب التعطيل علي الدستور كله, لكنه لا يكون قد سقط دون إعلان صريح يصدر في الجريدة الرسمية, مثلما حدث مع دستور1923 عقب قيام ثورة يوليو, إذ أن ذلك الدستور ظل ساريا مع تعطيل بعض أحكامه حتي10 ديسمبر1953 عندما أعلن مجلس قيادة الثورة إلغاءه, وبهذا أفتي الفقهاء الدستوريون وقتها وعلي رأسهم الدكتور وحيد رأفت والدكتور السيد صبري.

فلماذا إذن أضيفت مواد أخري إلي المواد التي جري الاستفتاء عليها؟

حسبما فهمت من حديثي مع المستشار البشري أن حملة أصحاب نظرية سقوط دستور سنة1971 بالكامل ربما دفعت إلي محاولة الجمع بين النظريتين: أي نظرية تعطيل الدستور أو بعض أحكامه ونظرية سقوطه التي استندت إلي أن تسليم الرئيس السابق السلطة إلي المجلس العسكري, وليس إلي نائبه خروجا علي أحكام دستور1971 يعني سقوط هذا الدستور بالكامل, وبالطبع نحن نذكر أن من أشهر أصحاب هذه النظرية الدكتور ثروت بدوي والدكتور إبراهيم درويش والدكتور محمد نور فرحات والمستشارة تهاني الجبالي.

وحسبما فهمت أيضا من المستشار البشري فإن الجانب المهني كان هو الأساس في ترشيح مستشاري التشريع بوزارة العدل لأعضاء لجنة الدستور, وليس الجوانب السياسية.

الآن هل يمكن الانتقال من المصارحة إلي المصالحة؟

لدينا الآن ما يكفي من الأسس الراسخة لهذه المصالحة.

أولها ظهور توافق وطني حول فكرة المباديء الحاكمة للدستور. وبالمناسبة فالمستشار البشري يرحب بها بشرط ألا تتضمن وضعا لمؤسسة تنفيذية فوق الدستور باسم حمايته, لكن الذي أكد ظهور هذا التوافق هو انضمام حزب الحرية والعدالة الجناح السياسي للإخوان المسلمين إلي18 حزبا في إقرار وجود مباديء حاكمة للدستور, تدعم مدنية الدولة, وتداول السلطة فيها, وكذلك انضمام حزب الوسط إلي جبهة أخري تؤيد فكرة الضمانات الدستورية للدولة المدنية وتداول السلطة.

ثاني هذه الأسس الراسخة هو الوثيقة التاريخية الصادرة عن الأزهر الشريف لدعم مشروع الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة, ولنتذكر أن ورود وصف الدولة الوطنية في وثيقة الأزهر لا يعني فقط إقرار حق المواطنة للجميع علي اختلاف أديانهم, ولكنه يعني أيضا ألا يكون النظام السياسي المصري مفوضا بالسعي إلي إحياء دولة الخلافة العظمي.

والأساس الراسخ الثالث للمصالحة بعد المصارحة هو أن مبادرة المباديء الحاكمة للدستور تلقي الدرجة نفسها من القبول والترحيب لدي التيارات والأحزاب غير المنضوية تحت لواء الإسلام السياسي, وربما أن بعضها أسهم في طرح المبادرة منذ البداية, فإذا جري التوافق علي هذا النحو, فإنه لن يعود هناك محل للاستقطاب الثنائي الحادث حاليا حول الانتخابات أولا أم الدستور أولا.. إذ تصبح المسألة هنا مسألة ترتيب إجرائي لتنفيذ ما جري التوافق عليه دون إهدار لإرادة شعبية تمثلت في نتائج استفتاء مارس الماضي. ولا أجد ختاما لهذه السطور أفضل من تحذير الفقيه الدستوري الكبير الدكتور مصطفي أبو زيد فهمي في مقاله البديع بالأهرام أمس الأول: من أن الخوف من سيطرة أغلبية معينة علي البرلمان القادم يجب أن يوازيه خوف من سيطرة هذه الأغلبية نفسها علي الجمعية التأسيسية المنتخبة لوضع الدستور الجديد, إذا أخذنا بمبدأ الدستور أولا.

 

قدر الكبار

لم نكن نود أن ننزل إلي هذه الساحة, فالأهرام عبر تاريخها الطويل الممتد لأكثر من135 عاما عاشت مترفعة عن خوض المعارك الصغيرة والدخول في مهاترات تضر أكثر مما تفيد, لكن في الآونة الأخيرة حاول كثيرون استغلال تسامح الأهرام وترفعها, وتحدثوا ونشروا وادعوا أن الأهرام تنشر أخبارا غير صحيحة, وتطاول البعض ووصفها بأنها كاذبة..

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل