المحتوى الرئيسى

الإخوان.. وبعدهم الطوفان (2) هكذا يتحاورون!

06/23 08:04

أصدر مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين، الأربعاء قبل الماضى، بياناً بمقاطعة «المصرى اليوم»، هذا يعنى أنهم لو حكموا مصر - لا قدّر الله - سيغلقونها، (وهو ما خجل منه نظام مبارك رغم جبروته)، أو يشترونها (ثم يُصفّون صاحبها)، أو يحجبونها - بفتح الحاء وتشديد الجيم - (وهذا أضعف الإيمان). وكان رئيس التحرير حذرنى مازحاً قبل كتابة هذا المقال: «خلّى بالك.. أنت تهاجم نظام الحكم القادم». فسبحان مغير الأحوال، وسلام قولاً من رب رحيم، وتأمل كيف تماهت الضحية مع جلادها!

أحد الأصدقاء كان أشد تشاؤماً، وقبل أن تضع الثورة أوزارها.. راهننى على أن «المسائل باظت» أو هى فى طريقها إلى «البوظان»، ولن يجرؤ أحد على توجيه كلمة نقد لصاحبة المقام الرفيع «الحاجة ثورة»، بسبب ما سماه وقتها «إرهاب الثورة»، وبسبب شراسة مريديها ودراويشها ومتحوليها فى الصحف والفضائيات، وتبين أنه محق: كلما أحكم الإخوان قبضتهم، وانتشرت اللحى والكروش والطواقى البيضاء فى الشوارع.. كلما كفّروا هذا وحرّموا تلك، وعلت أصوات كعوبهم وهى تدق الأرض حتى لتكاد تخرقها.. ازداد خوفى من هذه الثورة، لا عليها، وبدا أننى سأخسر الرهان.

فجأة.. أحب الإخوان كلمة «الوطن» ليستولوا على مقولة «الدين لله والوطن للجميع» بشقيها. فجأة.. أصبحوا يتحدثون بكثرة عن «إرادة الشعب».. ليس إرادة الثمانين مليوناً، بل إرادة الشعب التى تجلت فى «استفتاء الجنة والنار» الذى أخرجه المستشار طارق البشرى فى 19 مارس، ولعب فيه السلفيون دور البطولة. فجأة.. اندلع فى حشاياهم عشق الجيش، واعتبروه خطاً أحمر «يرهبون به عدو الله وعدوهم»، بعد أن كان «الكاب والعمامة» فى كل الأدبيات السياسية.. طرفى نقيض. فجأة.. لم يتركوا أحداً من منافسيهم أو ممن ينتمون إلى النخبة دون أن يجلسوا إليه أو ينسقوا معه، فى العلن حيناً وفى السر أغلب الأحيان.

قال لى صديقى هذا: «أنت لا تستطيع الآن أن تنتقد الثورة، لأن الإخوان خلاص.. اعتبروها ثورتهم. وإذا لم تكن تصدقنى.. جرّب أن تنتقدهم أو تختلف معهم، ثم اقرأ تعليقاتهم على مقالك عندما تضعه الجريدة على موقعها الإلكترونى».. فكتبت - بالفعل- مقالاً متوازناً بعنوان (أحدهم خطف الثورة.. وخبأها فى لحيته)، أشدت فيه بدورهم فى حماية الثورة والوصول بها إلى بر الأمان، لكننى انتقدت سعيهم المحموم للتكويش على كعكتها. وما إن وُضع المقال على موقع الجريدة الإلكترونى حتى انهالت تعليقاتهم على أم رأسى: «قد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفى صدورهم أكبر»... «عذركم الوحيد فى عدائكم للدين عموماً وللإسلام خصوصاً، أنكم لم تختاروا من تربيتم فكرياً على أيديهم. ماذا يفعل من شب على يد أب تاجر للمخدرات، أو من شبت على يد أم تعمل فى الدعارة!».. هكذا يتحاورون: إرهاب يستند إلى يقين بأنهم وكلاء لله على الأرض، وجسارة مطلقة فى تكفير من يختلف معهم، لأن من ليس معهم فهو عدو الله وعدوهم، وزفارة لسان لا تصون عِرْضاً ولا تجعل المرء يخاف من الديمقراطية فحسب.. بل يكرهها ويقف ضدها إذا كانت ستأتى بكائنات من هذا النوع.

يضغط الإخوان بكل قوة، وبكل ما لديهم من حيل ومناورات، ليحتكروا المشهد السياسى قبل أن ينضج، أو بالأحرى: قبل ظهور منافسين حقيقيين يزاحمونهم على كعكة الثورة. يريدون انتخابات برلمانية عاجلة، تكون الغلبة فيها، ومن ثم الأغلبية، لهم وحدهم، ويخوضون حرباً ضارية كما ترى ضد دعاة «الدستور أولاً».

ليس مهماً بالنسبة لهم أن كل القوى السياسية (قديمها وجديدها) غير جاهز. ليس مهماً أن البلد فى حالة فوضى، والأوضاع الأمنية والاقتصادية منهارة، وحرائق الفتنة لم تنطفئ بعد، والبلطجة تلاحق المواطنين حتى غرف نومهم.. المهم أن يقبضوا ثمن مليونياتهم و«جُمَعِهم» وشهدائهم. ودرءاً لمخاوف معسكر الدولة المدنية يعلنون بين الحين والآخر أنهم لا يمانعون فى أن تكون «مدنية.. بمرجعية دينية»، لكنهم فى سرادقاتهم واجتماعاتهم المغلقة يبشرون أنصارهم بأن الحكم سيكون إسلامياً، وستكون هناك «حدود». وخرج من بينهم رجل يدعى «صبحى صالح»، كان «صولاً» فى البحرية، وأصبح عضواً فى الكتلة البرلمانية للإخوان، ثم عضواً فى اللجنة التى كلفت بوضع التعديلات الدستورية: «إيه المشكلة لما نقول حكم إسلامى؟.. ما المشكلة أن يقال إن الشريعة الإسلامية تتضمن تشريعاً جزائياً به أربع جرائم اسمها جرائم الحدود؟.. اللى خايف من قطع إيديه يبطل سرقة». وعندما بحثت عن تاريخ لهذا «الصبحى.. الصالح» وجدت اسمه ضمن تقرير لجهاز المحاسبات صدر فى عام 2007، بشأن مخالفات مالية فى نقابة المحامين، إذ حصل على 60 ألفاً و335 جنيهاً عندما كان عضواً فى نقابة المحامين فى الإسكندرية، ولم تتم تسوية هذا المبلغ وفقاً لبيان الجهاز.

لقد فتح الإخوان جبهة سياسية ضد الجميع، بمن فيهم شركاؤهم، وأجهضوا فرحة الكثيرين من المصريين بهذه الثورة. وإذا كان الوقت لايزال مبكراً على سؤال: «هل فشلت الثورة؟».. فإننى كثيراً ما أضبط نفسى هذه الأيام متلبساً بوضع «فاشية» الإخوان فى كفة، وفى الأخرى «فساد النظام السابق».

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل