المحتوى الرئيسى

ما أجمل لاءات النبي صلى الله عليه وسلم

06/22 22:38

بقلم: د. صلاح عبد الحميد زيدان

روي عن المصطفى- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا يُتم بعد حلم، ولا رضاع بعد فصال، ولا صمت يوم إلى الليل، ولا وصال في الصيام، ولا نذر في معصية، ولا يمين في قطيعة، ولا تغرب بعد الهجرة، ولا هجرة بعد الفتح، ولا يمين لزوجة مع زوج، ولا يمين لولد مع والد، ولا يمين لمملوك مع سيده، ولا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك" رواه ابن عدي في الكامل وابن القيسراني في ذخيرة الحفاظ وغيرهما عن جابر بن عبد الله.

 

لا يُتم بعد حلم

إن اليتيم من فقد أباه، وكان دون سن البلوغ لقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "لا يتم بعد حلم" وكفالة اليتيم تكون بضم اليتيم إلى حجر كافله، أي ضمه إلى أسرته، فينفق عليه ويقوم على تربيته وتأديبه حتى يبلغ؛ لأنه لا يتم بعد الاحتلام والبلوغ، وهذه الكفالة هي أعلى درجات كفالة اليتيم؛ حيث إن الكافل يعامل اليتيم معاملة أولاده في الإنفاق والإحسان والتربية وغير ذلك، وقد يحدث أن يكون في الذين يتركهم الميت من الأولاد كبار، فلا ينطبق عليهم أحكام اليتامى؛ لأنه لا يُتْمَ بعد الحُلُم أي البلوغ.

 

لا رضاع بعد فصال

لا رضاع بعد فصال (أي في العامين)؛ ولا اعتداد برضاع فيما فوق ذلك، وما روي أنّ النبي أمر سَهْلَة بنتَ سُهيل زوجةَ أبي حُذيفة أن ترضع سالمًا مولى أبي حذيفة لمّا نزلت آية ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ﴾ (الأحزاب: من الآية 4)؛ إذ كان يدخل عليها كما يدخل الأبناء على أمّهاتهم، فتلك خصوصيّة لها، وكانت عائشة أمّ المؤمنين إذا أرادت أن يدخل عليها أحد الحجابَ أرضعتْه، تأوّلت ذلك من إذن النبي- صلى الله عليه وسلم- لِسَهْلة زوج أبي حذيفة، وهو رأي لم يوافقها عليه أمّهات المؤمنين، وأبَيْن أن يدخل أحد عليهنّ بذلك.

 

نستفيد من ذلك أن رضاع الكبير الذي قد تجاوز الحولين لا يؤثر ولا ينشر الحرمة، وهذا هو قول الجماهير من الصحابة والتابعين والفقهاء.

 

ولا صمت يوم إلى الليل

كان من نسك أهل الجاهلية الصمت، فكان أحدهم يعتكف اليوم والليلة ويصمت، فنهوا عن ذلك وأمروا بالنطق بالخير. قال ابن قدامة في "المغني": ليس من شريعة الإسلام الصمت عن الكلام، وظاهر الأخبار تحريمه. وقال: فإن نذر ذلك لم يلزمه الوفاء به، وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا (ا. هـ).

 

روي عن ابن عمر مرفوعًا "صمت الصائم تسبيح"، فإن صح هذا الحديث فإنه يدل على مشروعية الصمت، ولو ثبت لما أفاد المقصود؛ لأن لفظه "صمت الصائم تسبيح، ونومه عبادة، ودعاؤه مستجاب" فالحديث مساق في أن أفعال الصائم كلها محبوبة، لا أن الصمت بخصوصه مطلوب. وقد قال الروياني في "البحر": جرت عادة الناس بترك الكلام في رمضان، وليس له أصل في شرعنا، بل في شرع من قبلنا، فيخرج جواز ذلك على الخلاف في المسألة.

 

وأما الأحاديث الواردة في الصمت وفضله كحديث "من صمت نجا" أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وحديث "أيسر العبادة الصمت" أخرجه ابن أبي الدنيا بسند مرسل رجاله ثقات، إلى غير ذلك، فلا يعارض مما سبق لاختلاف المقاصد في ذلك، فالصمت المرغب فيه ترك الكلام الباطل، وكذا المباح إن جر إلى شيء من ذلك، والصمت المنهي عنه ترك الكلام في الحق لمن يستطيعه، وكذا المباح المستوي الطرفين. والله أعلم.

 

ولا وصال في الصيام

لا يشرع صيام يومين متتاليين من غير فطر بينهما؛ لأن هذا هو الوصال الذي ورد النهي عنه في الحديث، وهو مكروه عند أكثر أهل العلم، وقد كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يصوم ويواصل لكن ذلك من خصائصه- صلى الله عليه وسلم- كما صرح بذلك الفقهاء، والنهي عن الوصال محمول على الكراهة عند الجمهور، وفي المذهب الشافعي يحمل النهي عنه على التحريم في الأصح، ففي المهذب في الفقه الشافعي: ويكره الوصال في الصوم، لما روى أبو هريرة- رضي الله عنه- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "إياكم والوصال"، قالوا: إنك تواصل يا رسول الله، قال: "إني لست كهيئتكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني".

 

وقد صرح النووي بأن الوجه الأصح في المذهب الشافعي أن النهي عن الوصال نهي تحريم، ثم ذكر مذاهب العلماء في الوصال، فقال: ذكرنا أن مذهبنا أنه منهي عنه، وبه قال الجمهور, وقال العبدري: وهو قول العلماء كافة إلا ابن الزبير, فإنه كان يواصل اقتداء برسول الله- صلى الله عليه وسلم-.

 

ولا نذر في معصية

لأن النذر في المعصية أصلاً لا يجوز الوفاء به، بل يجب عليه أن يترك وأن يكفر، ولو فعل فعليه أن يكفر؛ لأنه نذر معصية، فيكفر ولو فعل المعصية. 

 

مثلاً لو أخذت دينًا من شخص ونذرت نذرًا على نفسي أمام الشخص بأني سوف أرجع له المبلغ، وأعطيه مبلغًا فوق حقه كنذر عليّ فما الحكم في ذلك؟

 

هذا النذر لا ينعقد؛ لأن الناذر نذر أمرين: أحدهما نذر الواجب، وهو هنا أداء الدين فإنه واجب سواء نذر أم لا، والثاني نذر المعصية، وهي هنا الزيادة على الدين عند أداء القرض، فإن التزام المدين لصاحب الدين دفع مبلغ زائد على دينه يعتبر سلفًا بالزيادة، وسلفًا جر نفعًا وهذه معصية. وعليه فالنذر غير منعقد عند الجمهور، ولا يلزم الناذر بسببه شيء.

 

ولا يمين في قطيعة

اليمين في قطيعة الرحم لا تجوز، والوفاء بها إذا وقعت لا يجوز، فلو حصل من شخص يمين على قطيعة الرحم فإنه لا يجوز له أن يفي بها، بل يكفر عن يمينه، ويأتي الذي هو خير. وقد أورد أبو داود عن سعيد بن المسيب أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة، فقال: إن عدت تسألني عن القسمة فكل مالي في رتاج الكعبة أي: أن أحدهما أراد القسمة، والثاني لم يرد القسمة، فقال: إن عدت تسألني عن هذا الذي سألتني عنه، فكل مالي في رتاج الكعبة، أي: لمصالح الكعبة، أو وقف على مصالح الكعبة، فقال له عمر: (إن الكعبة غنية عن مالك)، أي: أن هذا الذي حصل لم يحصل إلا من أجل قطيعة رحم، ثم قال: (كفِّر عن يمينك وكلِّم أخاك) أي: في الشيء الذي امتنعت منه ولا تستمر على ذلك، ثم قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب وفي قطيعة الرحم وفيما لا تملك" أي: أن الإنسان إذا حلف على قطع رحم، أو نذر قطع رحم فإنه لا يفي بذلك. وقوله: "وفي قطيعة الرحم ولا فيما تملك" أي: أن اليمين، وكذلك النذر لا يكون من الإنسان في معصية الله، ولا في قطيعة الرحم، ولا في شيء لا يملكه الإنسان، وإنما يكون في شيء يملكه الإنسان وفي طاعة الله وفي غير قطيعة الرحم، واليمين لا يجوز الوفاء بها إذا كانت في قطع الرحم، أو في معصية الله، وكذلك النذر، ولكن يجب على الإنسان أن يكفر؛ لأن النذر كفارته كفارة يمين.

 

ولا تعرَّب بعد الهجرة

"التعرُّب"- أي: الإقامة مع الأعراب- ليس فيه شيء من حيث هو، فقد كان يفعله بعض الناس ولا يزالون، ومنهم أهل العلم لتعلم اللغة والشجاعة والآداب، وكان بعض الناس يسترضع ولده هناك، وقد فعل أهل نبينا- صلى الله عليه وسلم- ذلك معه.

 

وقد عدَّ الشارع الرجوع إلى البادية بعد الهجرة من الكبائر! كما في حديث الصحيحين "ولكن البائس سعد بن خولة" الذي هاجر ورجع إلى مكة ومات فيها؛ وذلك لأن من ترك بلده مهاجرًا إلى الله ورسوله فلا يحل له الرجوع لبلده ولو كانت "مكة" وفيه خلاف هل هذا الحكم خاص بأولئك الذين هاجروا مع النبي- صلى الله عليه وسلم- أم أنه عام في الأشخاص والأزمان والأماكن؟ والظاهر: الخصوص، والله أعلم.

 

ولذلك كان الصحابة يعدّون الراجع للبادية مرتدًا عن هجرته! أي: عن إسلامه، والمقصود أنه في حكم المرتد لا أنه كذلك حقيقة، فعبَّر بعضهم بالردة عن الهجرة وعبَّر آخرون بالردة عن الإسلام؛ لأن الهجرة تعني الهجرة بالإسلام.

 

عن سهل بن أبي حثمة عن أبيه قال: سمعت النبي- صلى الله عليه وسلم- على المنبر يقول: "اجتنبوا الكبائر السبع"، فسكت الناس فلم يتكلم أحد فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "ألا تسألوني عنهن؟ الشرك بالله، وقتل النفس، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وقذف المحصنة، والتعرب بعد الهجرة"، رواه الطبراني في "الكبير" وحسَّنه شيخنا الألباني في "الصحيحة".

 

قال ابن حجر: قوله "باب التعرب في الفتنة" بالعين المهملة والراء الثقيلة أي: السكنى مع الأعراب بفتح الألف، وهو أن ينتقل المهاجر من البلد التي هاجر منها، فيسكن البدو فيرجع بعد هجرته أعرابيًّا، وكان إذ ذاك محرمًا إلا إن أذن له الشارع في ذلك، وقيَّده بالفتنة إشارة إلى ما ورد من الإذن في ذلك عند حلول الفتن. وقيل بمنعه في زمن الفتنة؛ لما يترتب عليه من خذلان أهل الحق، ولكن نظر السلف اختلف في ذلك: فمنهم من آثر السلامة واعتزل الفتن كسعد ومحمد بن مسلمة وابن عمر في طائفة، ومنهم من باشر القتال وهم الجمهور، ووقع في رواية كريمة "التعزب" بالزاي، وبينهما عموم وخصوص، وقال صاحب "المطالع": وجدته بخطي في البخاري بالزاي، وأخشى أن يكون وهمًا، فإن صح فمعناه البعد والاعتزال.

 

والخلاصة: ليس في سكن البادية إثم من حيث السكن ومن رجع مرتدًا إلى البادية فهو مرتد سواء رجع إليها، أو مكث في موطن هجرته، أو ذهب لغيرهما من الديار، ومن رجع إلى البادية بعذر فلا شيء عليه ومن رجع إليها من غير عذر فهو فاعل لكبيرة والله أعلم.

 

لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ

صح عن النبي- صلى الله عليه وسلم- في غير ما حديث أن الهجرة انقطعت بفتح مكة، فعن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه- صلى الله عليه وسلم- قال يوم فتح مكة: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا" وعن مجاشع بن مسعود أنه جاء بأخيه مجالد بن مسعود إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: هذا مجالد يبايعك على الهجرة، فقال- صلى الله عليه وسلم-: "لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن أبايعه على الإسلام"، كما صح عنه- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" وقال- صلى الله عليه وسلم-: "إن الهجرة لا تنقطع ما كان الجهاد". 

 

 وللعلماء في الجمع بين هذه الأحاديث والتوفيق بينها مسالك:

المسلك الأول: أن الهجرة التي انقطعت هي الهجرة من مكة إلى المدينة، وأن الهجرة الباقية هي هجر السوء وتركه في أي موضع كان، وبهذا قال أبو جعفر الطحاوي، واستدل بحديث فديك أنه قال: يا رسول الله إنهم يزعمون أنه من لم يهاجر هلك، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "يا فديك أقم الصلاة، وآت الزكاة، واهجر السوء، واسكن من أرض قومك حيث شئت تكن مهاجرًا".

 

المسلك الثاني: أن الهجرة المنقطعة هي الفرض والباقية هي الندب، وبذلك قال الخطابي.

 

المسلك الثالث: أن الهجرة المنقطعة هي الهجرة من مكة إلى المدينة، أو الهجرة إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حيث كان لنصرته والجهاد معه، وأما الهجرة الباقية فهي الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وهذه يختلف حكمها باختلاف الظروف والأحوال، وقد قال بهذا جمع من العلماء.

 

قال البغوي- رحمه الله-: "الأولى أن يجمع بينهما من وجه آخر، وهو أن قوله: لا هجرة بعد الفتح، أراد به من مكة إلى المدينة، وقوله: لا تنقطع الهجرة، أراد بها هجرة من أسلم في دار الكفر عليه أن يفارق تلك الديار، ويخرج من بينهم إلى دار الإسلام لقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "أنا بريء من كل مسلم مقيم بين أظهر المشركين، لا تتراءى ناراهما"، وعن سمرة بن جندب، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله".

 

قال النووي- رحمه الله-: "قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة، وتأولوا هذا الحديث- أي حديث: "لا هجرة بعد الفتح"- تأولين: أحدهما: لا هجرة بعد الفتح من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام، فلا تتصور منها الهجرة.

 

الثاني: وهو الأصح، أن معناه أن الهجرة الفاضلة المهمة المطلوبة التي يمتاز بها أهلها امتيازًا ظاهرًا انقطعت بفتح مكة، ومضت لأهلها الذين هاجروا قبل فتح مكة؛ لأن الإسلام قوي وعز بعد فتح مكة عزًّا ظاهرًا بخلاف ما قبله.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل