المحتوى الرئيسى

"اللبرنة" الجديدة والمخاوف المفتعلة

06/22 22:20

بقلم: رجب الدمنهوري

استبشرنا خيرًا بمشهد ميدان التحرير البديع، فقد جسد ثورة شعبية فريدة ضد كل صور الظلم والطغيان وانتهاك كرامة الإنسان المصري على مدى عقود من الزمان، وتجلى الموقف الوطني للقوات المسلحة في حماية الثورة، وتغنى العالم بشجاعة المصريين وانتفاضتهم الباسلة، وحرصهم على انتزاع حقوقهم، ورغم تباين مرجعيات الأحزاب والقوى السياسية والفكرية والنقابية وغيرها التقت الإرادات على ضرورة التخلص من النظام المستبد الفاسد، وأعوانه وسياساته وإرثه الثقيل من الفساد المالي والتشريعي والإداري، وراح الجميع يمني نفسه بإحياء قيم العدالة والحرية والكرامة والعزة وإعادة بناء مصر على أسس شوروقراطية (مزيج بين قيم الشورى وآليات الديمقراطية)، وإرساء دعائم دولة المؤسسات والقانون.

 

ولم يتوقع أكثر الناس تفاؤلاً أن يستمر هذا المشهد التوافقي إلى ما لا نهاية، فالاختلاف وتعدد الرؤى والخلفيات من طبيعة البشر، وليس في ذلك عيب على الإطلاق، وبعد سقوط رأس النظام وحوارييه شهدت البلاد حالةً من السيولة والحراك والحيوية، ولكل وجهته، وبدت الاختلافات تطفو على السطح، وتلك هي سنة التدافع.

 

ولأن الفترات الانتقالية في مسيرة بناء أي دولة تعتبر من أضعف الحلقات بالنظر إلى التحديات الداخلية والخارجية، فكان لا بد من الإسراع في وضع ترتيبات جديدة للخروج من هذه المرحلة، انتهت بإجراء استفتاء 19 مارس على عدد من المواد الدستورية، وحشد "المتلبرلون الجدد" كل أسلحتهم، وأدواتهم من أجل إثناء أبناء الوطن عن التصويت لصالح هذه التعديلات، وكانت النتيجة انحياز أغلبية الشعب للتعديلات والتصويت عليها بـ"نعم"، وبعد هذا الإجراء الديمقراطي الشفاف والنزيه وغير المسبوق في تاريخ مصر، كان على الجميع أن يلتزم بتلك النتائج، إلا أن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن.

 

المجلس العسكري الذي يدير البلاد خلال هذه الفترة الانتقالية وقف موقفًا مشرفًا سيسجله له التاريخ، ووضع خارطة طريق لإنهاء هذه الفترة ونقل السلطة إلى إدارة مدنية منتخبة تمهيدًا لعودة القوات المسلحة إلى ثكناتها العسكرية دفاعًا عن أمن مصر القومي، وهنا لا بد من تسجيل تحية واجبة لقادته لحرصهم الشديد على هذا المسعى، ولما كانت خارطة الطريق قد انتهت إلى البدء بإجراء الانتخابات البرلمانية أولاً في شهر سبتمبر المقبل، عاد "المتلبرلون" ليجيشوا كل صحفهم وفضائياتهم لمعارضة هذا التوجه، وإنتاج ذات الموقف السابق، وإثارة الغبار حول مواقف التيار السائد في الأمة.

 

والحال إذا كان من حق هؤلاء رفض التعديلات الدستورية في وقت سابق، فإنه ليس من حقهم الآن الدعوة إلى الانقلاب على إرادة الشعب بدعوى وضع "الدستور أولاً"، وإلا ما الفرق بين هذا النهج الالتفافي، وبين السياسة القديمة التي كان يتبعها نظام الرئيس المخلوع طوال سني حكمه البالغة ثلاثين عامًا في تزوير إرادة الأمة وتزييف وعيها ومرمغتها في التراب، أليس هو الاستخفاف بالشعب؟، ثم ماذا يقول هؤلاء لـ14 مليون مصري خرجوا من بيوتهم يوم الاستفتاء يحدوهم الأمل في التغيير، متحدين المخاطر الأمنية التي طالما لوح بها البعض، ورسموا بذلك صورة حضارية أعادت للشعب المصري مكانته المسلوبة وحقوقه الضائعة، وجسدت إيجابيته وتشوقه للإسهام في بناء بلده.

 

العجيب أن الدكتور يحيى الجمل نائب رئيس الوزراء وآخرين من رموز هذا التيار الذي يتولى كبر هذه المحاولة الانقلابية على إرادة الشعب قد تخلوا بهذا الموقف عن مبادئهم ومطالباتهم السابقة بضرورة احترام سيادة القانون وإرادة الأمة، هذه الازدواجية تعتبر خطيئة كبرى وانقلابًا في المواقف لا لشيء إلا لمجرد أن نتائج الاستفتاء لم تأت على هواهم.

 

والأعجب أن يصطف رئيس الوزراء الدكتورعصام شرف في هذا المعسكر المنادي بالالتفاف على الإرادة الشعبية، وهو ابن شرعي لثورة 25 يناير التي اندلعت لاسترداد الحقوق القانونية والدستورية للمواطن، ورد اعتباره المفقود على مدى 60 عامًا وأكثر، وعلى الدكتور شرف أن يعيد النظر في موقفه لصالح الشرعية الدستورية، وإلا سيكون ذلك خصمًا من رصيده لدى الشعب الذي ثمن له تحمله المسئولية في أحرج الفترات من تاريخ مصر.

 

إن الإصرار ضمن هذه "الجلبة الإعلامية" على تجاوز الأغلبية الشعبية ردة إلى الوراء وعودة إلى المربع الأول بامتياز، بل وانتكاسة في المواقف المبدئية يجب العدول عنها، والرجوع للحق فضيلة، وإلا فهؤلاء يضعون أنفسهم في خانة تدور حولها استفهامات كثيرة، فماذا لو انتصر الشعب في محطات التحول الديمقراطي المقبلة لفصيل، أو فصائل وطنية بعينها؟ هل سيواصلون "المندبة" نفسها ويدعون إلى التمرد علي أي إفرازات محتملة للعملية الديمقراطية؟ وما حقيقة التسريبات التي يشيعها البعض عن أن هؤلاء قبضوا ثمن مواقفهم مقدمًا؟.

 

أتفهم أن يكون لدى تيار"اللبرنة" الحديثة بعض المخاوف من التفاف الشعب حول الإخوان المسلمين، ورغم أن هذه الهواجس لا تتجاوز مخيلة مطلقيها، سعى الإخوان إلى تبديدها وفق موقف واضح وحزمة تطمينات جديرة بالتقدير والاحترام، تارة باتخاذ موقف نهائي وقاطع بعدم الترشح على مقعد رئاسة الجمهورية، أو دعم أحدهم لهذا الموقع، رغم أن ذلك حق قانوني ودستوري مكفول لهم كفصيل وطني صاحب تاريخ عريق في مقاومة الاستبداد والفساد، وتارة أخرى باتخاذ قرار بعدم السعي للحصول على الأغلبية في الانتخابات البرلمانية المقبلة مصادرين بذلك حقهم في المنافسة على أي عدد من المقاعد، وتارة ثالثة بالدعوة إلى تشكيل قائمة ائتلافية أو توافقية من جميع التيارات والأحزاب السياسية، وإجراء حوارات معمقة في هذا الإطار، أليس هذا كافيًا لإزالة مخاوف هؤلاء المفتعلة؟.

 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل