المحتوى الرئيسى

إذا خَلِيَتْ خربَتْ

06/22 08:08

فاجأتنى تلك القادمة من بلادى تحمل لى طبق تمر مزوّق بالقرنفل و(القرفة).. وإبريق شاى بلوريّاً قديماً معتّقاً برائحة (الهيل والزعفران).. وقبلات شوق بغدادىّ معطّرة برائحة القدّاح (الفل).. جاءتنى من كان مشهوداً لها بشجاعة القول وعروبة المشاعر.. المميّزة بعباءتها القومية وخلاخيلها البابلية وأقراطها البدوية.. برداء فوضوىّ الألوان، مطبوعة عليه رموز مختلفة الأبعاد والتشكيل، وقد تجردت من خلخال وقرط، وتحررت من عباءتها المنسوجة بحرير الحق.. جاءتنى صديقة الأمس تغازل قلمى الحر بمداد المنفعة الملوّن بالخنوع والنفاق.. جاءت تشدّنى إلى منزلق التزلف لنظام والعمالة لاحتلال.. لا تدرى أنّ للقلم إباء يستنكف الأيادى المتسخة بالباطل.. وحرمة لن تستطيع وأمثالها من راكبى زَبَد الأمواج أن يسمع هدير عفّتها أو يرى شموخ جبهتها.. ولن يستطيع حاملو الأقلام المصطنعة الملوّثة بالرشوة وكوبونات النفط العراقى، وشيكات النظام الليبى ورضا أنظمة الفساد أن يقربوا من وهجها النورانى وما حباها الله به من مكانة فى كتابه الحكيم (نون والقلـــم وما يسطرون)، (اقرأ وربك الأكرم الذى علّم بالقلم * علّم الإنسان ما لم يعلم) صدق الله العظيم..

هل تراها تعى تلك الصديقة مكانة وحرمة قلمٍ جاءت تراوده؟ وهل يعلم أصحاب الفخامة مالكو الفلل والأرصدة وأوسمة الصفوة من حاملى الأقلام المتزلفة ذلك؟ وهل يتحقق حلم التغيير الذى نصبو إليه لنرى فى ظلّه هؤلاء أمام لجان محاسبة ومساءلة عادلة بتهمة (من أين لكم هذا؟) كما يحاسب فاسدو النظام بل وأشدّ من ذلك؟، فإن كانت الأنظمة تخرس الكلمة وتقمع وتستبد وتهدر دماء! فهؤلاء قاتلو وعىّ وفكر مع سبق الإصرار بما ينفثونه من سموم تشلّ الإرادة وتغيّب الباحثين عن الحقيقة فى دروب الكذب والضلال، والشاهد على ذلك صـــوت وصــورة بالألوان والبعد الثلاثى.. منهم فنانون من (قومجيى) الادعاء، ومنهم كتّاب وإعلاميون ممن برعوا فى صناعة آلهة العصور والسجود تحت أقدام نفحاتها.. والكارثة أن هؤلاء يشكّلون النسبة الأعلى فى فساد إعلامنا المموّه سواء الرسمى أو التجارى الخاضع لأهواء الممولين المختبئين وراء كواليس الأجندات.

فمتى تتطهر المنظومة الإعلامية من الدخلاء؟ متى نرى إعلاما راقيا يأخذنا إلى عوالم الثقافة والنضج الفكرى، يشبع جوعنا بوجبات فكرية وثقافية وتربوية وفنية دسمة، متبّلة بالحقيقة وفق معايير تحمل مشاعل التجرد، تسلّطها على زوايا الفساد.. لاجتثاثه لا لنشره وتزويقه؟.. متى نرى إعلاما صادقا يأخذ بيدنا إلى عوالم ثقافة مازلنا نحبو فى أروقتها باحثين عن أدواتها لنجتاز أولى خطواتها، نتعلم أساليب حوار رفيع وصياغة توصيات وكيفية تنفيذ، واحترام رأى آخر دون تجريح وتكفير، نتدرب على متعة الاستماع والحلم والحكمة وتطهير ذواتنا من ملوّثات الرغبة، نتعلم كيف نوقف حريتنا عند حدود حرية الآخرين؟.. ومتى يعرف المنتفعون أن الإعلام رافد من روافد حضارة وتمدن ومرآة ناصعة تنعكس عليها ثقافة الفرد والمجتمع لما له من قوّة تأثيرية ضاربة لا يستطيع مواجهتها وفرز غثّها من سمينها إلا ذو وعىّ وفكر؟.. متى نرى إعلامنا وقد خرج من فوضى الأيديولوجيات المتصارعة وقنواتها النافخة فى بوق الفتنة؟..

متى يتطهر من فضائيات الدجل والشعوذة والعرى والفن الرخيص ومسابقات الوهم وفضائح ستار أكاديمى، والهلاميين اللاهثين من قناة إلى أخرى لتصديع الدماغ؟ متى نرى إعلاما مسؤولا يقوده شباب مدرب ذو حس وطنى وقومىّ لا إعلام ادعاء يثير السخرية وخبراً تائهاً بين شكّ ويقين؟ متى يحقق لنا النخبة من رجال الأعمال العرب (وما أكثرهم) الأمل فى قناة عربية حرّة لا تخضع لديكتاتورية نظام ولا شهوة رأس مال تكون منهلا لعطشنا وحفنة خير فى ميزان حسناتهم؟ ربما!.. فالخير مازال موجودا فى أمّتى (لو خَليَتْ خرِبت).

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل