المحتوى الرئيسى

التضخم ومفهوم "المال ملكك والموارد ملك المجتمع"

06/22 07:28

عبد العزيز الغدير

جاءتني رسالة بريدية من أحد الأصدقاء عنوانها ''درس من ألمانيا'' تحمل قصة لطالب سعودي أعجبتني يقول فيها إن ألمانيا بلد صناعي معروف بعلاماته التجارية الشهيرة وقوته الاقتصادية، وأنه كان يتوقع رؤية مواطنيها يعيشون في رغد وحياة فاخرة، وأنه عندما وصل إلى هامبورج رتب له زملاؤه جلسة ترحيب في أحد المطاعم معظم طاولاته كانت فارغة عدا عدد قليل من السيدات كبيرات السن وزوجين شابين على طاولة صغيرة أمامهما طبقان وعلبتان من المشروبات.

يقول إنه استنكر بخل هذا الرجل، وأنه وبسبب الجوع طلب زميله المزيد من الطعام الذي وصل سريعا وأكلنا أنا وزملائي ثلثيه وتركنا الثلث وغادرنا إلا أن صوتا نادانا قبل خروجنا من الباب، حيث لاحظنا السيدات كبيرات السن يتحدثن عنا إلى مالك المطعم، وعندما تحدثوا إلينا، فهمنا أنهن يشعرن بالاستياء لإضاعة الكثير من الطعام، إلا أن زميلي قال ''لقد دفعنا ثمن الغذاء الذي طلبناه فلماذا تتدخلن فيما لا يعنيكن؟'' لكن نظرت إلينا إحدى السيدات بغضب شديد. واتجهت نحو الهاتف واستدعت أحدهم، الذي وصل بعد فترة من الوقت ليقدم نفسه على أنه ''ضابط من مؤسسة التأمينات الاجتماعية'' وحرر لنا مخالفة بقيمة 50 ماركا.

يقول الطالب الراوي للقصة التزمنا جميعا الصمت. وأخرج زميلي 50 ماركا قدمها مع الاعتذار إلى الموظف، وعندها قال الضابط بلهجة حازمة ''اطلبوا كمية الطعام التي يمكنكم استهلاكها ذلك أن ''المال لكم لكن الموارد للمجتمع''، وهناك العديد من الآخرين في العالم الذين يواجهون نقص الموارد وليس لديكم سبب لهدر الموارد، وعندها احمرت وجوهنا خجلاً ولكننا اتفقنا معه فنحن فعلا في حاجة إلى التفكير في هذا، فنحن من بلد ليس غنياً بالموارد ومع ذلك ومن أجل حفظ ماء الوجه نطلب الكثير من الطعام عندما ندعو أحدهم، وبالتالي يكون هناك الكثير من الطعام المهدور والذي يحتاج إليه الآخرون. إن هذا الدرس يجب أن نأخذه على محمل الجد لتغيير عاداتنا السيئة، الأمر الذي جعلنا جميعا نلصق صورة المخالفة على الحائط لتذكرنا دائماً بألا نسرف أبداً ''فالمال لك، لكن الموارد للمجتمع''.

نقلت لكم هذه القصة التي توضح أن استهلاك الموارد دون مبرر منطقي يعني زيادة الطلب على الموارد مقابل العرض الأمر الذي سينعكس على أسعارها بصورة أو بأخرى، وبالتالي فإن ضرر ارتفاع الطلب غير المبرر منطقياً سيجعل الموارد شحيحة، وبالتالي ترتفع أسعارها ولن يتمكن من هو في حاجة فعلية لاستهلاكها من الحصول عليها لأن من لديه المال يستهلكها بإسراف غير مبرر، ولا شك أنني بعد أن قرأت على هذه القصة فهمت البعد الفكري لقول الله تعالى ''إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا''، وقوله تعالى ''وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِين''.

وإذا كان الإسراف فيما هو غير مدعوم من أموال الدولة التي ملك للمجتمع يستحق العقاب من الله والمخالفة من المسؤولين في الدول المتقدمة التي أدركت الأثر السلبي للإسراف على المجتمع فما بالنا إذا كانت الخدمات أو المنتجات مدعومة من أموال الدولة كما هو حال خدمات الماء والكهرباء ومنتجات الوقود من بنزين وديزل وكيروسين؟ بكل تأكيد سيكون العقاب من الخالق أكبر، وستكون المخالفة المالية أكبر وأشد.

يقول لي أحد الأصدقاء مادحا ثريا أولم لضيوف قادمين من خارج البلاد ولقد فعل العجائب حيث عشرات الصحون التي يحتضن كل منها كميات هائلة من الرز موضوع عليها ''القعدان والذبائح''، وهذا فضلا عن الكميات الهائلة من المعجنات والحلويات والقرصان والجريش وغيرها من الأكلات الشعبية وجميع أنواع العصائر والمشروبات الغازية، ولقد شبع الناس وكميات الطعام الهائلة تركت كما هي، مضيفا في نهاية حديثه ''يا له من رجل كريم''، وأقول يا له من ''رجل مسرف'' بطر بأنعم الله وكل ظني أنه رجل مراء أكثر من كونه رجلا كريما ليقول الناس إنه كريم وقد قالوا ذلك من اختلت في أذهانهم مفاهيم الكرم والإسراف.

هذا الرجل وأمثاله كثير ممن أنعم الله عليهم بالمال يسرفون في استهلاك الموارد التي هي للمجتمع بما لديهم من المال الذي هو حسب مفاهيم الإسلام هو مال الله الذي يجب التصرف به من خلال ما أمر الله حيث الصرف المتوازن فلا بخل ولا إسراف، وحيث منع الاكتناز لما له من أثر سلبي على الدورات الاقتصادية، وهو ما يتضح بقوله (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون).

إذا الإسراف ليس من حق من يملك المال لأن الإسراف ينعكس سلبا على مستويات التضخم، حيث ترتفع الأسعار وتضعف القيمة الشرائية للمال، وهو أمر يضر أفراد المجتمع كافة، ولو طبقنا مفهوم الحرية التي تقف عند التعدي على حقوق الآخرين لعرفنا أن حرية الشراء بأموالنا أكثر من طاقاتنا الاستهلاكية بشكل مسرف ليس من الحرية في شيء لأنها حرية تتعدى على حقوق الآخرين بالحصول على السلع والخدمات الجيدة بأسعار متناولة غير متضخمة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل