المحتوى الرئيسى

ويل للمصفقين بقلم: ياسين السعدي

06/21 21:58

هدير الضمير

ويل للمصفقين!!

بقلم: ياسين السعدي

المصفقون اسم فاعل من الفعل المضعف، صفّق، بتشديد الفاء. وهي مأخوذة من الفعل الثلاثي (صفق)، بفتح حروفه الثلاثة. يقول المنجد: صفقه صفقاً: ضربه ضرباً يسمع له صوت، وصفق الطائر بجناحيه: ضربهما فسمع لهما صوت. وصفق العود: حرك أوتاره. وصفق على يده، وصفق يده بالبيعة: ضرب يده على يده؛ وذلك علامة وجوب البيع، وصفق الرجل يديه: ضرب بباطن الراحة على باطن الأخرى.

ومنها الاصطلاح الذي نسمعه عن المشاجرة أو الضرب بالكف؛ فيقول بعضهم؛ أنه صفق فلاناً كفاً؛ أي ضربه بكفه مع حدوث الصوت طبعاً. ونسمع كذلك اصطلاح: (صفق الباب خلفه)؛ أي أغلقه بعده بعنف مع حدوث صوت.

ويقول المنجد أيضاً: (اصطفق البحر: تلاطمت أمواجه، واصطفق القوم: اضطربوا، واصطفقت الأشجار: اهتزت بالريح). ومن هنا جاء المعنى في قول الشاعر؛ يصف صوت البلبل في قوله:

يا سعدُ! قد ألِف الخميلةَ بلبلٌ يشدو، فتصطفق الغصون وتطربُ

التصفيق في القديم

كانت العرب في الجاهلية تحج إلى مكة، وكانت شعائر الحج الجاهلي تقتضي الطواف بالأصنام مع التصفيق والتصفير أيضاً، أثناء الطواف بالأصنام، فكان الحجيج يطوفون وهم يصفقون ويصفرون. وهكذا ظلت هذه الطقوس حتى جاء الإسلام فأبطلها، واستبدلها بالتسبيح والتهليل والتلبية؛ أي: (لبيك اللهم لبيك). ونعتقد أن اللفظتين لم تردا في القران الكريم لكراهة الله لهما، ومقته للمصفقين والمصفرين.

وكان التصفيق إشارة من أبي جعفر المنصور لرجاله؛ لكي ينفذوا قتل أبي سلمة الخلاّل، قائد جيوش العباسيين في الشرق، والذي كان له اليد الطولى في قيادة الصراع ضد الأمويين، وكان له فضل كبير في تغلب العباسيين وقيام دولتهم. ولقد خشي المنصور من نفوذ أبي سلمة، فقرر التخلص منه قبل استفحال أمره.

وتروي كتب التاريخ أن أبا جعفر استقدمه إلى القصر، وقد أحكم المؤامرة، وذلك بأن أوعز إلى رجاله على الباب، بأن يدخلوا فوراً، إذا سمعوا التصفيق المتفق عليه معهم. وراح المنصور يحادث الرجل ويجامله، ويسترجع ذكريات أبي سلمة عن معركة (الزاب) الفاصلة. وصار المنصور يفتعل إعجابه بأبي سلمة، ويستزيد من أخباره، وعجائب مواقعه، وهو يتظاهر بالتقدير والتعظيم له، حتى جاءت اللحظة التي صفق المنصور حسبما اتفق مع رجاله؛ في إشارة إلى اللحظة الحاسمة التي تعني تنفيذ أمره.

سمع الرجال الإشارة، فانقضوا على أبي سلمة وقتلوه، وألقوا برأسه من نافذة القصر بين جنوده الذين فهموا الدرس وهم مذهولون، قصمتوا وهم يرجفون. وهكذا كان التصفيق علامة من علامات تنفيذ الغدر والمكر.

ولكن في المقابل كان التصفيق إشارة من إشارات الرضا والسرور، وعلامة من علامات البدء بالاحتفالات والمناسبات. فقد كان أصحاب القصور يصفقون إذا أرادوا شيئاً من خدمهم ومواليهم. ولكل مطلب إشارة تصفيقية معروفة. وكانت مجالس الأنس والطرب تبدأ بعد الإيعاز من صاحب الأمر بالتصفيق الخفيف الذي يأذن به للراقصين بابتداء الاحتفال، والتصفيق الذي يكون بعد ذلك، أو أثناء ذلك، هو تصفيق الاستحسان.

التصفيق والتصفير الحديث

في أيامنا هذه، وفي زماننا هذا، اقتصر التصفيق على التعبير عن الإعجاب بما يسمع الحضور أو يشاهدون. أما التصفير فهو مظهر مزعج من مظاهر الفرح المبالغ به. وهي إشارة غير حضارية، يمارسها المهووسون الذين يدعون أنهم بلغوا غاية الاستمتاع والتذوق.

وقد انسحب ذلك على المحافل الخطابية السياسية فيما بعد. ونعتقد أن ذلك يبدأ بمصر التي يعشق أهلها الطرب ويتعشقون الفن، كما جاء في وصف عمرو بن العاص لهم، بعد أن فتح مصر. وكانوا يعبرون عن إعجابهم بما تغنيه أم كلثوم، في سهرة الخميس من بداية كل شهر؛ حيث كانت تغني، فتطرب وتعجب حقاً وصدقاً، فيصفقون ويصفرون؛ تعبيراً عن الفرح الكبير بالفن الأصيل. وكان يحدث مثل ذلك عندما يغني الفنانون الذين كان لهم حضور كبير.

ولكن الذوق العربي مرهون بالوضع السياسي العربي؛ فانحط العرب سياسياً، وبالتالي انحط الذوق العربي، وصار الفنانون أكثر من الحصر، وصار الجميع يدعي أنه فنان، وتظهر أسماء كثيرة، تغني في المهرجانات التي تملأ فضاء الوطن العربي كله. وكما هو عندنا في صيفنا هذا؛ صيف المهرجانات.

لقد تغيرت المفاهيم كثيراً، وتبدلت الأذواق، وصار المجتمع العربي يصفق لكل كلمة مهما كانت تافهة،أو كما يقول إخواننا المصريون: (هايفة)، وصار الشباب يتمايلون ويموجون دون استيعاب المعاني؛ وإنما لأنها تدغدغ المشاعر وتثير الغرائز، ولم يعد الفن تهذيباً للروح، وإنما من دواعي الخلاعة والرقص المجنون، فكثر الراقصون وكثر المصفقون.

المصفقون المنافقون .

وهم الذين تفرض عليهم المواقف الخطابية الرسمية، فلا يستطيع الحضور إلا التصفيق عندما يبدأ شخص ما مبرمج تماماً لديه تعليمات متى يهتف ومتى يصفق، وبعدها يتبعه المصفقون الذين يتبعون الهتافين الرسميين، والمصفقين المبرمجين. وهذه مواقف لا تحتاج إلى التمثيل؛ فكلنا يعرفها ويلاحظها في الندوات الرسمية، من خلال ما تعرضه التلفزيونات وتنقل مثل هذه الوقائع.

ونذكر المرحوم جمال عبد الناصر، ونتذكر كيف كانت الدنيا تترقب موعد خطابه، بعد أن تعلن عنه الإذاعة. ونتذكر كيف كان يحدث منع التجول الطوعي في الوطن العربي عند إلقاء الخطاب؛ لأن الناس يكونون متحلقين حول أجهزة الراديو يستمعون.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل