المحتوى الرئيسى

التنقيب عن المبدعين ورعايتهم بقلم:د. خالـد الخاجـة

06/21 21:20

شغلت مسألة الإبداع والفكر المبدع، الفلاسفة والعلماء والمفكرين على مدار التاريخ الإنساني، إما بحثا عنه أو معرفة سر وجوده، وكذلك سبل الوصول إليه ومحددات التكوين الفكري لأصحابه.

وتعددت الروئ والنظريات في ذلك، ما بين الاعتقاد بكونه منحة توهب إلى صاحبها دون كبير جهد منه، ومن ذهب إلى مكونات البيئة الاجتماعية المحيطة بالفرد، واتجاه ثالث يرى أن هناك علما متكاملا، هو علم الإبداع الذي يتلاقى أو يتلاقح مع علوم أخرى متصلة بعلم النفس والاجتماع أو الإدارة وغيرها.

وأيا كان الأمر، فالثابت اليقيني أن المبدعين في كل أمة هم القاطرة لكل تحولاتها، وهم ذخرها الحقيقي الذي لا ينضب أو ينفد. فكم من إمبراطوريات زالت وممالك كانت لا تغرب عنها الشمس اندثرت.

وكم من أمم تعرضت لنوائب من الدهر جعلت منها أثرا بعد عين، إلا أن الإنسان المبدع بفكره وقدراته بعثها من موات، وجعل لها مكانا فوق الأرض وتحت الشمس. والتاريخ القديم والحديث يقص علينا في ذلك الكثير.. إنه الإنسان القيمة الحقيقية لأي أمة.

وأرى أن الإبداع في جانب كبير منه، هبة من الله يودعها في نفس الإنسان، قد يستطيع أن يكتشفها أو أن تتوافر له البيئة المواتية التي تفجر طاقاته الإبداعية لترى النور ونتلمس آثارها .

وقد يغفل عنها صاحبها ويزهد فيها المجتمع، وتظل كامنة كالكنز المخبوء يعيش ويموت دون أن يدرك قيمة ما وهبه الله. والأسوأ من ذلك أن يكتشفه ويوظفه في الاتجاه المعاكس، وهنا تصبح الخسارة مضاعفة.. فالإبداع التزام قيمي وأخلاقي في آن واحد.

أسمع كثيرا ممن اختصهم الله بفكر خلاق أو تفرد في مجال ما، من الذين ذاع صيتهم وملؤوا الدنيا، أنهم يعرفون من هو أقدر منهم، أو هناك ممن قابلوهم من يملكون من الحكمة منتهاها ومن الفكر أعظمه ومن الرؤية أوضحها، ومن القدرة على طرح نقاط الضوء ليتغير حال الناس، إلا أن فرصتهم لتحقيق ذلك لم تتحقق. نرى ذلك في الفن الموسيقي والرياضة والفكر والسياسة، وفي دنيا الناس نماذج كثيرة.

وهذا ما يزيدني يقينا بأن البيئة المحيطة بالفرد قد تساعده في إخراج هذا المارد من القمقم، وقد تضطره لأن يظل حبيس أدراجه ينتظر علاء الدين ليزيل ما علاه من تراب، وقد يقضي نحبه دون أن تأتي اللحظة الفارقة.

وما دفعني لطرق هذا الموضوع، ذلك المشهد الذي بات مألوفا لنا، وهو أنه لا يكاد يمر يوم إلا وتجد قيادة دولتنا في أرفع مستوياتها، إما تكرم مبدعا من أبنائها وبناتها من خريجي مختلف الجامعات، سواء عسكرية أو مدنية.

أو تشاركهم فرحة تخرجهم سواء في المرحلة الجامعية أو الحاصلين على الدرجات العلمية العليا من حملة الماجستير والدكتوراه، والتأكيد دوما على أن هذه العقول النيرة النابهة، هي الذخر الحقيقي الذي يحرص عليه الوطن وعدته لبناء المستقبل.

وأكاد أجزم بأن هذا المشهد الرائع لالتحام القيادة السياسية مع أبنائها الخريجين وفرحتهم، يحلق بهم في الآفاق وهم يستشعرون هذا الحنو الذي يكاد يكون فريدا في منطقتنا العربية.

مما يضاعف من سعادتهم ويشد من أزرهم ويزيدهم تصميما وانتماء لوطنهم.. وكيف لا؟ فلا تقدر سعادة من أنجز حين يشعر أن ما أنجزه، لم يلفه الصمت أو يذهب أدراج الرياح أو طي النسيان، ولكنه مرصود ومقدر.

كما أن إشاعة هذه الحالة من تشجيع التميز لها دلالات عدة، منها أننا نسير في الطريق الصحيح، وهو رعاية أبناء هذا الوطن وتشجيعهم على السير قدما في تحصيل المزيد من العلم، وتوفير البيئة المواتية لرعاية النبتة الصغيرة التي ستنتج عنها لا محالة شجرة الإبداع، ضاربة بجذورها في باطن الأرض ومعانقة بفروعها عنان السماء.

إن رعاية المبدعين، الذين هم ضمير الوطن ودلالة نمائه وغناه وأمله، وإشعارهم بأنهم في موقع القلب من اهتمام القيادة السياسة، هو المحفز الأكبر لاستمراره، فما قيمة إبداع لا يرى له أثر! وفي ذلك آيات على أن قيادة دولتنا، وهي تنقب عن النفط لما فيه خير البلاد وأبنائها، لم تنس أن تنقب عن الإبداع ورعاية أصحابه .

لتكون أفكارهم زادا لمسيرة التنمية التي تتسارع وتيرتها يوما بعد يوم، رغم التحديات الماثلة أمام الجميع، بإيمان شديد وثقة غير محدودة في أن الخليج ليس نفطا فقط، ولكنه حضارة غنية بأبنائه الذين صنعوا تاريخه، وهم قادرون بفكرهم وإبداعهم على صنع مستقبله.

فالإبداع لا يولد هكذا صدفة، ولكن جانبا مهما منه نتيجة للترابط بين اللحظة السابقة والآنية، واستيعاب التاريخ واستشراف المستقبل. وإن أكثر الأفكار الإبداعية تأثيرا في واقعها، جاء امتدادا لتراكمات المعرفة الإنسانية بكل جوانبها.

ورغم أنها تأتي في إطار ما يمكن تسميته لحظة التوهج العقلي أو اللمعان الذهني، الذي يؤدي إلى رؤية جديدة لواقع نعيشه بعيدا عن كل البدائل المطروحة، إلا أنها في الوقت ذاته نتيجة عمل جاد ومتواصل.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل