المحتوى الرئيسى

هكذا تكلَّم الرئيس بشار!بقلم:جواد البشيتي

06/21 20:59

هكذا تكلَّم الرئيس بشار!

جواد البشيتي

في "الشكل" من خطابه، عاب عليه بعض المعارضين الشكليين استمراره في تجاهُل، أو نَبْذ، فكرة مخاطَبَة الشعب "مباشَرةً"؛ فالرئيس بشار الأسد خاطَب شعبه (و"الهاء" في "شعبه" أصبحت الآن ضميراً منفصلاً، يزداد انفصالاً) عَبْر جَمْعٍ (مصطفى ومختار) من السوريين في جامعة دمشق؛ فلماذا؟

في الإجابة، إيَّاكم أنْ تسيئوا الظن، وتَزْعموا أنْ ليس للرئيس بشار شعب خاصٌّ به حتى يَخْطُب فيه؛ فإنَّ مئات الآلاف من أعضاء حزب "البعث"، وموظَّفي الدولة بأجهزتها ومؤسَّساتها ومنشآتها المختلفة، مع عائلاتهم التي تضمُّ كثيراً من الأطفال أيضاً، يمكن أنْ يَخْرجوا (أي يُخْرَجوا) في مسيرات، وأنْ يحتشدوا ويتجمَّعوا (وبعضهم من رجال الأمن والعسكريين الذين تَزَيُّوا بالزِّي المدني) في ميدان فسيح في العاصمة دمشق؛ ويمكن، من ثمَّ، أنْ يجيئهم الرئيس بشار بغتة، ليُلْقي خطاباً فيهم؛ لكنَّ "الدواعي والاعتبارات الأمنية الصَّرف" هي التي تَحُول بينه وبين هذه الزيارة للشعب الخاص به؛ ولا تَسْتَصْغِروا حجم الشرِّ الذي يُضْمِره "المتآمرون"، الآن، للرئيس!

أمَّا أنْ يُوجِّه الرئيس بشار خطاباً إلى الشعب من مكتبه (في القصر الرئاسي) فهذا اقتراحٌ لا يستحسنه الرئيس نفسه، ولا شركاؤه في الحكم؛ فهل يبقى من أهمية للخطاب (وملقيه) في غياب جمهورٍ (مصطفى مختار) من المؤيِّدين الذين يهتفون ويصفِّقون، يَقِفون ويَجْلِسون؟!

إنَّه اقتراح لا يقترحه إلاَّ كل من يتوهَّم، أو يريد إيهام غيره، أنَّ الخطاب بحدِّ ذاته، أو بمضمونه السياسي، من الأهمية بمكان، فيمكن، من ثمَّ، الاستغناء عن هذا الجمهور، وتوجيه الخطاب إلى الشعب من المكتب في القصر.

حدَّثَنا الرئيس (وكأنَّه الطبيب يُشخِّص الداء الذي أصاب الشعب السوري، ليَصِف الدواء) عن "الجراثيم" وأمراضها ومخاطرها، وعن "المناعة الداخلية" للجسم، وأهميتها في إحباط مساعي "الجراثيم"، داعياً إلى تقوية وتعزيز جهاز المناعة الداخلية لسورية وشعبها، توصُّلاً إلى إحباط "المؤامرات الخارجية" التي تستهدفها (والآن أكثر من ذي قبل) وردِّ كَيْد "المتآمِر الخارجي"، مع "جراثيمه" في الداخل، إلى نحره.

إنَّني لستُ من المُنْكرين لوجود مؤامرات خارجية مع أدوات داخلية لها، ولا من المُنْكرين لسعي بعض القوى الخارجية (الإقليمية والدولية) إلى تسيير رياح ما يَحْدُث في داخل سورية بما تشتهي سفنهم؛ لكنَّ كل هذا الفعل أو النشاط التآمري لا يطمس، ويجب ألاَّ يطمس، حقيقة أنَّ الشعب السوري هو صاحب الثورة الديمقراطية السلمية ضدَّ نظام حكم بشار الأسد؛ فالمؤامرات الخارجية، ومهما عَظُمت، تظل قطرة (لجهة حجمها وتأثيرها) في بحر ثورة الشعب السوري على الاستبداد.

وكيف للمنطق في الحديث، وفي استمرار الحديث، عن "المؤامرات الخارجية" ضدَّ "آخر وأهم قلعة للمقاومة العربية القومية ضدَّ العدو الإسرائيلي" أنْ يستقيم ما دام أركان في نظام الحكم السوري مُقْتَنِعين تماماً بأنَّ لإسرائيل (أو لهذا العدو القومي الأوَّل) مصلحة حقيقية واقعية في بقاء نظام الحكم هذا؛ لأنَّ ذهابه (أو البديل منه، أو من الوضع الذي يحرسه ويحافِظ عليه) يُعرِّض (حتماً) أمنها واستقرارها للخطر؟!

إنَّ زعماء من تلك "القلعة" يقولون إنَّ في هَدْم هذه "القلعة" هَدْماً لأمن إسرائيل واستقرارها؛ فهل لهم، بعد ذلك، أنْ يشرحوا لنا معنى "المؤامرة الخارجية" التي تتعرَّض لها سورية الآن؟!

الرئيس بشار، لو كان يملك من المؤهلات القيادية، والخواص السياسية، ما يسمح له بإقناع الشعب السوري الثائر عليه بأنَّ فكرة "الإصلاح (السياسي والديمقراطي..)" في سورية هي فكرة واقعية لا طوباوية، لقال في خطابه الأخير إنَّ إضعاف "الجهاز الأمني" وقبضته هو إحدى أهم الوسائل لتقوية جهاز المناعة الداخلي لسورية؛ فـ "الجهاز الأمني (المعادي للشعب وحقوقه ومطالبه الديمقراطية)"، ولجهة تأثيره بـ "جهاز المناعة"، هو الذي تحتشد فيه وتتجمَّع الفيروسات المسبِّبة لمرض "نَقْص (وتدمير) المناعة".

ولو كان لطبيب العيون بشار الأسد أنْ يتحدَّث بلغة سياسية تشبه ولو قليلاً لغة العِلْم الذي إليه كان ينتمي لخاطب شعبه قائلاً: إنَّ كل شيء في سورية قد اختلف؛ وإنَّ عليَّ، من ثمَّ، وبصفة كوني قائداً على هيئة رئيس أنْ أنْظُر إلى ما اختلف بعينين مختلفتين.

لكنه أبى بسبب مصالحه الشخصية والفئوية (السياسية وغير السياسية) الضيِّقة إلاَّ أنْ يَنْظُر إلى كلِّ هذا الذي اختلف في سورية بعينيه السياسيتين القديمتين نفسيهما.

بحسب نظرية تستهوي الحكَّام العرب، هي نظرية "الرئيس ملاك؛ لكن بطانته من الأشرار"، كان ينبغي للرئيس بشار أنْ يقود ثورة في داخل نظام حكمه، فيزيح هؤلاء الأشرار (الفاسدين المفسدين المتصالحين مع مصالحهم الشخصية والفئوية الضيِّقة بما يجعلهم معادين دائماً للشعب ومطالبه وحقوقه الديمقراطية) من طريقه، ليتحالف مع الشعب، وليَخْطُب فيه، من ثمَّ، قائلاً: سورية لن تستخذي للضغوط الخارجية، ولن تتنازل عن مواقفها القومية ضدَّ العدو الإسرائيلي، وحلفائه؛ لكنَّه، أي الرئيس بشار، في الوقت نفسه، سيَنْتَصِر للمطالب والحقوق الديمقراطية لشعبه، وسيتخلَّى، وإلى الأبد، عن "الاستبداد" أسلوباً في الحُكْم، فلا تَعارُض بين أنْ تظل سورية "قلعة" للقضايا والحقوق القومية العربية وبين أنْ تصبح "واحة" للديمقراطية في العالم العربي.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل