المحتوى الرئيسى

دراسة تحليلية تربوية نقدية لرواية الفرس المسحور -للكاتب يعقوب الشاروني - بقلم د أميمة منير جادو

06/21 20:56

دراسة تحليلية تربوية نقدية

لرواية ( الفرس المسحورة ) للكاتب يعقوب الشاروني

من بين الأعمال الفائزة بجائزة بولونيا للنشر المتميز

بقلم د / أميمة منير جادو

Omaima_gado @hotmail.com

تنتمي الفرس المسحور إلى سلسلة أعمال شهر زاد التي تشمل حكاية رادوبيس وأحلام حسن والفرس المسحور ، في هذه الدراسة نلقي الضوء على الأخيرة .


أولاً : الفكرة العامة للحكاية :

تدور الفكرة العامة لحكاية " الفرس المسحور " حول أهمية الإنجاب بداية وضرورته للحياة وتكوين الأسرة فتسعى الزوجة للإنجاب عبر وصفة سحرية ، حيث تضع طفلها ، لكن الأم تموت ويضطر الأب للـزواج من أخرى لتربية الطفل ، وكعادة زوجة الأب فى الموروث الشعبى تُخطّط لقتل الطفل أو استبعاده غيرة على الميراث لتخص به ابنها الموعود ، وتنجح فى إبعاده ليمر بسلسلة من المواقف والمُغامرات وحتى يلتقى بالمحبوبة التى تُمثّل ( الأمل ) بالنسبة له ، والخلاص ، وقيمة الحياة ، وتُصبح هدفه ، لكن الوصول لها أيضًا يدفعه لسلسلة من المُغامرات ، ويمر بمفارقات حتى تأتى النهاية السعيدة باجتماع شمل الأسرة ثانية وبأن يتبوأ مكانة اجتماعية وسياسية بارزة تقديرًا لبطولاته .

ولكن كيف تناول الكاتب الطرح الدرامى للحكاية ؟

وكما هو نهج كل حكايات ألف ليلة وليلة أو الحكايات الشعبية الشهيرة فإن دراما أحداث القصة تجنح للخيال ، وتستمد نسيجها من فانتزيا لذيذة تُحقّق إشباع خيالات الطفل نحو الجنوح والولوج فى فضاءات أخرى غير واقعية ، بل فى عالم خيالى سحرى أقرب للتهويمات الجميلة ، أو الأحلام الرائعة ، فها هى الزوجة التى لا تنجب وتتمنّى الإنجاب سنوات طويلة ، فلا تنجب ثم ها هى الأقدار تُحقّق لها أمنياتها ببساطة شديدة – ( عبر الوصفة السحرية الموصوفة لها بأن تمسك القمر فى البحيرة عندما يكون بدرًا فتحبل ) - لكن لأنه عادة ما يأتى الفرح مصحوبًا بالحُزن أو العكس فإن ميلاد الفرح والبراءة ( مولد الشاطر حسن ) يتواكب مع موت الأم ليصبح الطفل يتيمًا ليستقبل مواقف الحياة وصعوباتها وحده ..

فكيف سيحيا إذن ... ؟

شأنه فى ذلك شأن مُعظم الرجالات ذات الشأن العظيم من الأنبياء أو العُلماء أو العباقرة .

وهنا يستهل الكاتب الحكاية بطرح سؤال وكأنها أول عُقدة ( أو أول لغز فى القصة ) ، ومن المفارقات أن يأتى الحل بداية على يد الطفلة الصغيرة ( 5 سنوات ) .

حيث ينبّهنا الكاتب أو يستوقفنا إلى أن الأطفال شديدو الذكاء ومنتبهون وذوى حضور رغم لعبهم .. أى حين يلعبون بجوار آبائهم ليس معنى ذلك أنهم غافلون ، ويجب ألا نستهين بقدراتهم وتفكيرهم وحضورهم الواعى ، فالطفل قد يلعب لكنّه فى ذات الوقت قد يكون مُنتبهًا لما حوله ( بعض الأطفال ربما يستغرقهم اللعب تمامًا وينسون أنفسهم ، لكن بعضهم فى مواقف الإثارة والدهشة يميلون أكثر إليها ويؤثرونها على اللعب ) .

وكأن الكاتب يقول ضمنيًّا هنا :

أيهما أكثر دهشة واحتواءً للطفل : اللعب أم الفزورة التى تُثير تفكيره وعقله ؟

ولعل هذا يعود إلى طبيعة كل طفل وكيفية استقباله لها ، مع مراعاة الفروق الفردية فى الأطفال فيما بينهم من حيث قدراتهم الخاصة وذكاءاتهم المُتعدّدة ، وحيث أثبت علم النفس الحديث نظرية ( الذكاءات المُتعدّدة ) وألغى نظرية الذكاء الوحيد أو مفهوم الطفل الذكى والغبى ..

مثال : ليس من الضرورى أن البارع فى الموسيقى يكون بارعًا فى الرياضيات أو العلوم و .. الخ .

وعليه يُمكن القياس لدى ذوى القدرات الخاصة . من هذا المُنطلق نلحظ أن الكاتب ومُنذ الصفحة الأولى يُثير عدة قضايا تربوية بسلاسة دون أن نشعر .. فهناك ( لغز / عقدة ) وهناك ( عجز الكبار ) أحيانًا فى مواجهة حل المشكلة ، بينما ينجح ذكاء الصغار ، أو قدراتهم العقلية فى تقديم الحل ...

ومما يلفت النظر عند الشارونى مسألة الوعى الشديد بالمحتوى أو : ماذا سيُقدّم للطفل ؟ إنها قضية ماذا سيقول وكيف سيقول ولمن سيقول ؟

إنها قضية تشغله وتؤرّقه طوال ( الحكى / السرد ) ونلحظها عبر القراءة الواعية ونلمسها بوضوح ...

وأركّز على كلمة ( وعى ) لأنّه عند القراءة العابرة السريعة قد تسقط منّا بعض المضامين أو الأهداف ، لذا فإننا نُركّز على أن القراءة للطفل فن خاص جدًّا بل شديد الخصوصية ...

وحيث يكون هناك ثلاث ( قضايا / عناصر ) مهمة كما ذكرنا :

1 – ماذا أقول ؟ قضية المحتوى ، أو الرسالة .

2 – لمن أقول ( 1 ) ؟ قضية المُتلقى وتشمل ما يتجاوز العمر إلى كل ما يتعلّق بالطفل من حيث ثقافته أو بيئته والفروق الفردية بين الأطفال أيضًا .

3 – وكيف أقول ؟ قضية التناول .

والشارونى كاتب واع بهذه العناصر أو القضايا والتى يكمن فيها مسألة تربية وتعليم وتثقيف الأطفال .

لذا فإن ( كاتب الأطفال ) لا يجب أن نكتفى بموهبته فقط ( رغم ضرورة الموهبة ) لكن من المُهم له أيضًا الدراسة والتثقف فى عِدّة مجالات تربوية ونفسية مُهمّة تتعلّق بالمراحل العُمرية للطفل وبالاحتياجات الخاصة لكل مرحلة وهى مُتنوّعة أيضًا : جسمية / عقلية / وجدانية / اجتماعية .. الخ .

كذلك بالوقوف على مستوى اللغة لدى الطفل وعدد المُفردات التى يستوعبها فى كل مرحلة ومُناسبتها له .

ومن هنا يستوقفنا ــ عند الشارونى ــ مسألة الوعى بشمولية مُصطلح ( الطفولة ) بكل ما تُعنيه .

( 1 ) لهذا نجد أن استقبال الأطفال يتفاوت عند القراءة ، فما يُعجب به طفل قد لا يعجب به طفل آخر ، وما يدهش طفل قد لا يدهش آخر أو ربما لا يثيره على الإطلاق وقد يرفضه ، فما يعجب الطفل العربى قد لا يعجب الأجنبى بل ويتفاوت إعجاب أطفال الثقافة الواحدة ، لكن ثمّة إجماع على احتياجات عامة لطفل كل مرحلة يجب إشباعها .

وعند قراءة الفرس المسحورة ...

تبدأ القصة هكذا تمامًا :

( عندما يكتمل القمر عليك أن تصعدى إلى سطح قصرك ثم تحتضنيه ، فيعطيك الله ما تطلبين ... ) ( 1 )

ثم يوضّح ( الراوى / الكاتب ) بعدها من قائل هذه العبارة ، فنكتشف أنها زوجة نائب السلطان تُحدّث وصيفتها عن الوصفة السحرية التى تُحقّق لها ( الأمل / الحلم ) المُنتظر والذى يُجسّده أو يُمثّله ( مولد الشاطر حسن ) أو بمعنى آخر هو المُعادل الموضوعى ( لمولد البطل ) .

ثم يطرح الكاتب ضِمن السياق التِلقائى للحكى كيف كان الأمل بعيد المنال ، صعب التحقق لدرجة أن الزوجة كانت تنتظره منذ عشر سنوات ، ورغم علمها بمفتاح سر الإنجاب ، والذى يُمثّله الصعود لسطح القصر ، واحتضان القمر ، إلا أنها عجزت عن فعل ذلك لأنّها لا تعرف كيف ( تحتضن القمر ) ..

وبالفعل يبدو الأمر لُغزًا مُحيّرًا وهى حقًّا مسألة فى غاية الصعوبة إن لم تكن مُستحيلة فى وقت السرد باعتبار ( القصة شعبية مُتوارثة ) ، أى قبل صعود العلماء للقمر الآن .

لكن الكاتب يعود ليُنبّهنا أن ابنة الوصيفة الطفلة ذات الخمس سنوات ، وحيث لم يكتف بوصفها بأنّها طفلة وكفى ، حتى يُدرك القارئ أنها فى أى عُمر ، بل قام بتحديد المرحلة العُمرية للطفولة ، وهى ما يُقابلها فى علم النفس بداية مرحلة الطفولة المتوسطة تقريبًا ، وحيث تشتعل وتتأجّج قُدرات الطفل الذهنية الخيالية خاصة فى ما يُسمّى باللعب الإيهامى أو الخيالى وما يُعرف بتمثيل الأدوار ، وبهذا الوعى لـدى


( 1 ) ملاحظة : كان من المفروض على الناشر أو مُصفّف الكمبيوتر أن يضع العبارة بين قوسين كما فعلنا نحن أعلى – ليتّضح للقارئ أنّها عِبارة على لسان المُتكلّم وهو أحد شخوص الحكاية وحتى لا تمتزج العِبارات التالية على لسان الراوى بسابقتها .

الكاتب بطبيعة المرحلة ومُتطلباتها ، يجعل الطفلة تُجيب على اللغز أو السؤال : كيف احتضن القمر ؟ رغم أن الطفلة كانت ( غير مُتنبهة ) فهى ( تتوقّف عن اللعب ) كما فى النص ( ص1 ) والتى ( تُدهش السيدة ووصيفتها ) ( ص1 ) تقول الطفلة لتقديم الحل : ( القمر صاحبى ، أنا ألعب معه فى حديقة القصر ، عندما يكون القمر فى السماء ، أنزل إلى ماء البُحيرة حول النافورة وأمسك القمر بين يدى ! ) ( ص1 ) .

وهكذا يبدأ حل العُقدة الأولى فى الحكاية .. والحكاية سلسلة من عُقد مُتصلة ، ما إن ننتهى من عُقدة ونصل لحلّها إلا وتقابلنا عُقدة جديدة كما هو مألوف فى حكايات ألف ليلة وليلة والحكايات الشعبية !

وتبدأ مجموعة العُقد بأن الزوجة تصعد مع زوجها للسطح وتغمر نفسها فى حوض كبير به ماء لتمسك القمر فيحدث الحمل .

لكن الكاتب مع حدوث ( الحمل / البشارة ) يُمهّد بجُملة بسيطة إلى عُقدة جديدة أو مشكلة جديدة ، فيقول بالنص عن الزوجين ( ... ولم ينتبها أن هواء الليل قد أصبح شديد البرودة ) ( ص2 ) .

وحيث يُقدّم تفسيرًا منطقيًّا لموت الزوجة فيما بعد ، فهى قد بردت وأصابها السُعال فماتت رغم استدعاء أمهر الأطباء .

وحيث لم يكتف بأنّها ماتت هكذا فجأة ، بدون أسباب كما يُقال فى النص الأصلى ، ماتت فقط ..

لكنّه يُقدّم للطفل فى هذه المرحلة بدايات التفكير المنطقى العلمى ، بمعنى أن هناك بعض أسباب للمُشكلة ثم الظواهر المُترتبة عليها ، ومُحاولة تقديم العلاج أو الحل ، ثم ارتباط السبب بالنتيجة ، وقد يُعارض أحد القُرّاء الذى قرأ النص الأصلى بأن القصة منذ البداية للنهاية قامت على السحر والمُفارقات والخيال الجامح ومُساعـدة الحيوانات للبطل و ... أنها قصة تنتمى للفانتزيا وقصص الخوارق ، وفى هذا ما يتعارض مع الفكرة التى طرحناها من قبل من حيث تناول النص للتفكير العلمى فى بداياته .. الخ .

ولهذا عنينا نحن بمسألة تناول التراث لدى الكاتب ، فإن الكاتب من حقّه أن يتناول التراث بالتغيير أو الحذف والإضافة فى بعض مواضع النص التراثى ، وهذا هو الذى قدّمه الشارونى جديدًا فى تناول هذه القصة التُراثية ..

إذ يحسب للشارونى تناول قيمة ( التفكير العلمى ) وعرضها داخل السياق الفانتازى فى بعض المواقف التى تحتمل المنطقية العلمية فى التفكير وليس معنى طرح قصة خيالية أن يشملها الخيـال تمامًا فى كل جوانبها دون تناول بعض مواقفها بالتفكير العلمى المنطقى ...

إن القصص التى نُقدّمها لأطفالنا تحتمل هـذا وذاك ، وهذا لا يُقلّل من قيمة العمل ولا يجب أن يؤخذ على محمل تناقض الأفكار ولكن على محمل تنوّعها وثراء التناول بأكثر من كيفية ...

أى الكيفية المنطقية إلى جانب الكيفية الخيالية إلى جانب الواقعية ، هذا لا يُعيب العمل ولا يؤخذ عليه بقدر ما يثريه من وجهة نظرنا الخاصة .

ثانيًا : القيم والمضامين التربوية المُتضمنة :

- تأتى قيمة اقتران ( الحزن بالفرح ) فى بداية استهلال الحكاية لمنظومة القيم التالية باعتبار التكامل بينهما هو طبيعة وسُنّة الحيـاة ،

وكما وردت فى رادوبيس أيضًا سابقًا .

يقول النص ( وكما فرحت المدينة كُلّها بمجىء الشاطر حسن حزنت جميعها وهى تودّع السيدة الوداع الأخير ) ( ص2 ) .

- يُثير النص قيمة ( الاكتشاف المُبكّر لمواهب الأبناء ) ( وكان العزاء الوحيد لنائب السلطان أن يرى فى ابنه علامات ذكاء مُبكّر ونبوغ .. الخ ) ( ص2 ) . ( ولاحظ الأب أن الشاطر حسن انجذب بقوة إلى الخيول ، وكُلّما ذهب إلى الحظائر يطيل الوقوف أمام مُهرة سوداء ) هى ( سمرة ) .. ( ص2 ) .

نلحظ فى العبارتين السابقتين أن الأب يكتشف مواهب الابن ويُدعّم هذا الاكتشاف عبر الملاحظة ( القَبْليِّة / البَعْديِّة ) فالملاحظة البَعدية هى التى تدعم الاكتشاف أو تُنفيه ، أى ( قبل وبعد ) المواقف التى تُبرز فيها الموهبة لدى الطفل .

أى يتدخّل الأب فى منطقة الاهتمام بميول ( الابن / الطفل ) ويُساعده على تنميتها ومُراعاتها بعد اكتشافها .

- تُثير القصة بعض ( التقاليد الاجتماعية ) التى تؤثّر فى حياة الأسرة وتقرير مصيرها أحيانًا مثل : ( تدخّل الآخرين فى حياة السلطان ) ، وهنا يؤكّد النص على أن الإنسان لا يتخذ قراراته الحياتية أو المصيرية دائمًا من تلقاء نفسه وإنما هو يعيش داخل مُجتمع يؤثّر فيه ويتأثّر به أى يُثير الكاتب قيمة ( تأثير المُجتمع ) على قرارات الإنسان خاصة من المُقرّبين له مثل الأصدقاء ، حيث يُنصح السلطان بالزواج من أخرى بعد موت الأولى أم الشاطر حسن .

ويُقدّم الكاتب تبريرًا منطقيًّا للزيجة الثانية بعد وفاة الأولى بأن السلطان كان ( دائم العبوس ) مما يدل على غياب الفرحة والبهجة من ملامحه وحمله لِلْهَمِّ وشعوره بالحزن بعد وفاة زوجته الأولى ، مما يدل على الدور الذى تلعبه الزوجة فى حياة الرجل فهى بمثابة السكن له .

- كما يطرح النص قيمة ضرورة ( العلاقة التكاملية بين الرجل والمرأة ) فى إطارها المشروع ( الزواج ) وحيث لا غنى لأحدهما عن الآخر .

- قيمة ( اختيار اللحظة المُناسبة للموقف المُناسب ) يقول النص ( اختار لحظة مُناسبة فانفرد به وحدثه فى أمر زواجه ) ( ص3 ) . أى ( مناسبية الموقف للحديث المُناسب له ) .

- قيمة ( احترام الأبناء لقرارات الآباء ) حتى لو أتى الآباء بسلوكيات ضد رغبات الأبناء ، فعلى الرغم من ضيق الشاطر حسن نفسيًّا من زواج أبيه إلا أنه لم يعارض ، ففى النص : ( انقبض قلبه ، لكنّه رسم ابتسامة على وجهه وهو يقول : افعل ما يرتاح إليه قلبك يا والدى .. الخ ) .

ولعل فى هذا ما يُذكّرنا بقصة سيّدنا إسماعيل الذبيح مع والده سيّدنا إبراهيم – ( مع الفارق ) – عندما أخبره برؤياه بأنّه يرى أن يذبحه فما كان رد الابن إلا كما ورد فى الآية الكريمة : " قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدنى إن شاء الله من الصابرين " .

وقدّم لنا الكاتب هذا الموقف دونما قهر من الآباء للأبناء أو استبداد أو قسوة ، فقد كان الحوار ( شورى ) بينهم حول مائدة الطعام ..

ولعل الكاتب كان موفّقًا عند اختيار التوقيت المُناسب ( حول مائدة الطعام ) فهذا فى حد ذاته يؤكّد حميميّة الحكى عند مائدة الطعام والألفة الحوارية التى يُحدثها تأثير الطعام عند الاجتماع إليه ، ولعلّه الوقت المُناسب لتجمّع شمل الأسرة عندما تتزايد المشاغل والأعباء ، فعلى الرغم من أن والد الشاطر حسن كان شخصيّته مُهمّة فهو ( نائب السلطان ) إلا أنه لم يتخل عن دوره فى رعايته لابنه ، فهو يجتمع معه عند الطعام وهو يُطبّق الحكمة العامية أو ( المثل الشعبى ) : " إن كبر ابنك خاويه " ، حيث يحكى له ويُشاوره ويتعرّف على رأيه فى موضوع شديد الحساسيّة بالنسبة للأبناء ، وهو " زواج الأب من أخرى غير أمه " ، وهو أمر صعب أن يتقبّله أبناء الزوجة الأولى ، لأنهم يشعرون أن أخرى ستأتى البيت وتحل محل أمهم التى ماتت ، إنها مسألة نفسية قاسية على الأولاد وهو ما نعرفه بـ ( سيكولوجية الحرمان ( 1 ) ) أى أن الطفل لا يتقبّل بديلاً آخر لأمه ( وهذه الظاهرة نراها .. فى المجتمع بوضوح ) .

( 1 ) د . أميمة جادو : بحث بعنوان سيكولوجية الحرمان ، تحت الطبع .

يعود الكاتب ليؤكّد على ذكاء الابن فى جُملة بسيطة ( وبسرعة أدرك الشاطر حسن هدف والده ) ( ص3 ) ، هنا دلالة التقاط الإشارات اللا مرئية الضمنية عند الحديث بحيث لا يحرج أحدهما الآخر بالمعارضة أو التحدى

أو المواجهة الوقحة .

لقد برع الكاتب فى تكثيف العبارة فهى موحية دالة ضمنيًّا على أن خير الكلام ما قل ودل . فالابن فهم بسرعة عبر سياق حديث أبيه معه ، وبذكاء وباحترام ، أطاعه ووافقه .

وبزواج الأب ندخل فى عُقدة جديدة ، فالأب ( السلطان ) انشغل بالزيجة الثانية وترك أمور الحُكم للشاطر حسن مما دعا لغيرة الزوجة التى تريد لوليدها ( ولى العهد الجديد ) أن يتبوّأ هذه المكانة ، فتُدَبِّر حيلة للقضاء عليه ، مما يُذكّرنا بشجرة الدر وما لعبته من دور فى التاريخ مُماثلاً للقصة هذه ، وكأن الحكايات مُستمدة من إفرازات التاريخ والواقع ، مما يمنح بعض الحكى مِصداقية تاريخيّة ، ومما يُذكّرنا بخبث بعض النساء ومكرهن كما تقول الآية الكريمة : " إن كيدهن لعظيم " .

وتدبّر زوجة الأب الحيلة للتخلّص من فرس الشاطر حسن ( سمرة ) التى يُحبّها كثيرًا ، فتدعى المرض وتدعى بأن الشفاء فى ( كبد فرس الشاطر حسن ) عندما تأتى بمواصفاتها تمامًا كوصفة علاجية لها من مرضها التى ادّعته .

لكن يتدخّل القدر فتكشف الفرس عن حقيقتها بأنّها ابنة ملك الجان ، وتأمره بأن يركبها ويهرب ، وفعلاً يذهب فوق الفرس لبلدة أخرى ويرحل معها ليدخل البطل فى عُقدة جديدة ، فالفرس لابد أن ترحل عنه هى الأخرى طالما كشفت له عن سرّها ، لكنّها تفك العُقدة وتمنحه ثلاث شعرات عندما يفركها بأصابعه تظهر له لتساعده .

وتُتابع المصادفات عبر الحكى الدرامى ومع كل موقف نقرأ قيمـة ما ...

فإن الشاطر حسن ينام مُجهدًا أمام سور ، يتصادف أنّه قصر السلطان وفى وجوده فى هذا المكان مشكلة ما ، لكن تخدمه الأقدار التى تسوق إليه العجوز الطيّب ( عم حافظ ) الذى يستضيفه فتبرز لنا قيمة ( إكرام الضيف ) ، ثم قيمة ( إتقان العمل ) وهى مقصودة فى النص : ( عم حافظ يرعى حديقة السلطان كما يرعى الوالد أولاده ) .

تأتى هذه القيمة ببساطة عبر السرد التلقائى دونما مُباشرة وهى مُساعدة العجوز له بأن يوفّر له عملاً مُناسبًا ولا يكتفى بضيافته ، مما يُذكّرنا بالحكمة الصينية : اعطنى سنّارة بدلاً من السمكة .

ويطرح الكاتب مسألة ( تأمين المسكن ) أولاً ثم التفكير فى ( العمل ) ، فيقول ( بعد أن أجد مكانًا أبيت فيه أستطيع التفكير فى العمل والحدائق ) ( ص7 ) .

وطرح الكاتب هنا حل مُشكلة النوم ( المبيت ) لأنها مُشكلة أساسية لدى الغريب فى مدينة أخرى غير مدينته ، ولا يعرف أحدًا إلا هذا البُستانى وهى تعنى قيمة ( تأمين المسكن ) .

ويُقدّم العجوز حلاًّ لها باستضافته عنده .

وعلى الجانب الآخر يوضّح الكاتب مدى انشغال الأب على غياب ابنه ، وهمومه لهذا السبب ، وكتمانه الأمر فى نفسه ، لكنّه يعود لبث قيمة أخرى وهى ( دائن تُدان ) أو ( من أعمالكم سُلّطت عليكم ) أو أن ( الجزاء من جنس العمل ) وأن ( من حفر بئرًا لأخيه وقع فيه ) ويبثّها عبر السياق الدرامى دونما وعظ أو مباشرة ، فنجد أن الزوجة التى دبّرت لإيذاء حسن وتسبّبت فيما حدث له من تشريد أو هروب ؛ قد فقدت جنينها فى حادث ، أى فقدت الأمل والحلم الذى كانت تتمناه ولم يتحقق .

يقول النص ( لكن السماء لم تتركها ، لقد فقدت جنينها فى حادث جعلها تفقد الأمل فى أطفال آخرين ) ( ص8 ) .

تبث الحكاية قيمة " الحياء " لدى الشباب ومن المعروف أن الحياء خاصة بين الفتى والفتاة نوع من التهذيب الاجتماعى المطلوب فى التعامل ، وفى العلاقات الاجتماعية عمومًا ، وهو أى " الحياء " شُعبة من شُعب الإيمان ، يقول النص ( كانت صبيّـة رائعة الجمال تطل من الشُرفة وبصرها مُسلّط عليه ، لكنّه أسرع يُخفض عينيه وهــو يُهرول مُبتعدًا وقد أحس بقلبه يدق فى عُنف ) ( ص8 ) .

كما ورد فى موضوع آخر ما يدل على الحياء أيضًا ، يقول النص ( فأحنى حسن رأسه ولم ينطق بحرف ) ( ص11 ) .

يبث النص قيمة ( المسئولية والرجولة ) فى التعامل مع المواقف الصعبة ، فعلى الرغم من حب حسن للأميرة إلا أن هذا الحب غير المُتكافئ قد يتسبّب فى قطع رزق البستانى ( عم حافظ ) الذى آوى حسن عنده دون علم الملك ( السلطان ) بذلك وعندما يُنبّه البستانى حسن لذلك يقول النص فى تقرير للمسئولية والرجولة : ( اطمئن يا عم حافظ ، أنا حريص عليك مثل حرصى على نفسى ، ولم يستطع أن يُكمّل : ومثل حرصى على سيّدة القصر الصغيرة ) ( ص11 ) .

فى عبارة تالية يُخاطب حسن نفسه ( ابتعد يا حسن عن القصر وشُرفاته ، عم حافظ أحسن إليك ، فلا تُقابل الإحسان بالإساءة !! ) ( ص11 ) .

ولم يكتف البطل بالمسئولية كحالة شعورية وإنما ينزع إلى تحمّلها كاملة عندما يُقرّر سلوكًا يؤكّد ما هو ضد هواه ورغباته الشخصية عندما يُدرك خطورة الأمر يقول النص ( لهذا حرص فى صباح اليوم التالى على أن يعمل فى أبعد أحواض الزهور عن مبانى القصر ، مع أنّه لم يستطع أن يبعد خواطره عن ساكنة القصر ) ( ص21 ) .

يؤكّد النص أيضًا ( سلوك المُحب الصادق ) عبر تصرّفات الحبيبة ( ست الحُسن والجمال ) التى تبحث عن حسن ولا تدعه يهرب منها كما أراد هو ذلك بداية .

يقول النص ( عرف حسن أنّه لن يكون فى حاجة للسؤال عنها فكثيرًا ما كانت تُفاجئه وهو يعمل فى الحديقة قائلة : صباح الخير يا أفضل الشباب ) .

ويستمر النص فى إبراز قيم المسئولية والرجولة والشجاعة وتحدى الأخطار وقهر الخوف عبر مُغامرة الشاطر حسن للحصول على لبن أنثى الأسد الموصوف لشفاء السلطانة أم ست الحُسن والجمال .

وتتأصّل قيمة " التحدى " بداخل الشاطر حسن رغم تحذير البُستانى له ، يقول النص : ( كان العم حافظ يتحدّث فى لهجة كُلّها تحذير ونذير وقد أمسك بكتفى حسن يتوسّل إليه أن يتوقّف عن المضى فى مُغامرته التى لا أمل فى نجاحها ) ( ص14 ) .

يُبرز النص قيمة ( الخيال ) وتحفيزه لدى الطفل عبر كل المواقف الجريئة للمُغامرة التى يقوم بها الشاطر حسن للحصول على لبن أنثى الأسد ، أو كما كُنّا ندعى قديمًا " لبن العصفور " ولعل الكاتب كان موفّقًا فى هذا الاستبدال المعنوى للتيمة التُراثية ( لبن العصفور ) الدالة على الاستحالة واستخدم بدلاً منها ( لبن أنثى الأسد ) للتدليل على الصعوبة البالغة أو إمكانية تحويل المُستحيل إلى مُمكن على أقصى الفروض ...

فلبن العصفور مُستحيل لأنّه لا يوجد ما يُعرف بهذا الاسم لأنّه طائر ، والطائر لا يلد بل يبيض ، وليس له أثداء يرضع منها وبالتالى لا يفرز لبنًا .

لكن الأمر مُختلف بالنسبة لأنثى الأسد التى تلد وترضع صغارها ، ولديها بالطبع لبن الرضاع ، غير أن الاستحالة تكمن فى خطورة الحصول على هذا اللبن من حيوان مُفترس شرس مثل الأسد ( ملك الغابة ) .

لذا فإن هذا الاستبدال جاء موفّقًا ويُحمد للشارونى توظيف " المُستحيل " وجعله فى نطاق " المُمكن " عبر الخيال والمُغامرة ، وبحيث يتقبّله العقل والمنطق ...

أعنى أن العقل يتقبّل لبن أنثى الأسد لكنّه لا يتقبّل لبن العصفور ويكفى أن نضرب به الأمثال فقط لا أن يكون ضمن السياق القصصى .

يقول النص حول استدعاء حسن للفرس المسحورة سمرة : ( وطارت فوق جبال الخوف حريصة على أن ترتفع بحسن عاليًّا كُلّما عبرت فوق واحد من تلك الجبال ، بتلالها الحافلة بالرعب والأسرار ) ( ص14 ) .

ويستمر النص فى التأكيد على ( شجاعة ) حسن بمعاونة الفرس المسحور عبر إيمانه بالهدف النبيل الذى يسعى إليه خلال مجموعة المُغامرات المتوالية ، والتى تجنح للصورة البليغة والخيال الجانح ، خلال وادى السباع ، والحيّات ، والعقارب ، وانتهاءه بجبال الغيلان والعفاريت ...

يقول النص ( وكانت المرحلة الأخيرة فى تلك الرحلة أشد المراحل خطورة فوق جبال الغيلان والعفاريت ففى أثناء اجتياز حسن وفرسه السماء فوق تلك الجبال كانت الغيلان ترفع أذرعتها الطويلة المُغطاة بالشعر المُلبّد ذات الأظافر المسنونة تشتهى التهام الحصان وراكبه بينما يصدر عن أنيابها الطويلة السوداء صرير مُرعب أو تخرج من بينها أصوات قهقهات خشنة كأنّها هزيم الرعد أو زئير العاصفة .. الخ ) ( ص16 ) .

فى نص آخر تأكيد على الشجاعة ( احرص على السيف ، فقدرته فى يد الشجاع لا مثيل لها ) ( ص16 ) .

وكأن الكاتب يؤكّد أن حامل السيف لابد أن يكون شجاعًا ولا يكتفى بأن يُمسكه فقط مُلتمسًا العون من الفرس المسحور أو من غيره ..

ثم يؤكّد الكاتب على قيمة " التفكير العلمى " عبر منطق تسلسل الفكرة والهدف والفرض واختباره وصولاً لتحقيق الهدف أو الغاية المُتمثّلة فى الحصول على لبن أنثى الأسد ، فالكاتب طرح بداية تجهيز حسن لأدوات أخذها معه مثل حبال وشبكة وسهم وقوس ... الخ .

إن حسن هنا لم يعتمد اعتمادًا كُليًّا على الفرس المسحور ، رغم مُساعداتها القيّمة له ، لكنّه استخدم الحيلة والخطة المنطقية وأعمل فكره وعقله حتى يصل لغايته ...

يقول النص فى تسلسل منطقى :

( 1 – ( أعد ) الشاطر حسن شبكة الصيد بجوار جذع شجرة كثيرة الفروع ، و ( أخفى ) حبال الشبكة بأوراق الشجر المُتساقطة ، ثم ( سدّد ) سهمًا من قوسه اصطاد به غزالاً ، ( ربطه ) بجوار الشبكة ) .

( 2 – ( تسلّق ) الشجرة واختفى بين أغصانها وهو ( يمسك ) بين يديه طرف الحبل الذى يتحكّم فى إغلاق الشبكة ، وانتظر ) .

( 3 – عندما ( خرجت ) اللبؤات من عرينها تبحث عن صيد .. الخ ) .

( 4 – وما إن انْقَضَّت اللبؤة على الغزال ، حتى وَجَدَت نفسها تتخبّط داخل شبكة الصيد ) .

( 5 – ( نَزَلَ ) حسن فى ( حرص ) من فوق الشجرة ، و ( أَحْكَمَ ) ربط حبال الشبكة ... الخ ) .

( 6 - ثم عاد حسن ( يختفى ) بين الأغصان حتى ( اطمأن ) إلى ابتعاد بقيّة فريق اللبؤات ... الخ ) ( ص17 ) .

ويستمر النص فى تقديم الأفعال التى قام بها حسن ، وكل فعل له ضرورته فى المُغامرة ، كما نلاحظ ترتيب الأفعال أو ترتيب خطوات ( التجربة / المُغامرة ) وتقديم التبرير العلمى لكل خطوة ، بحيث لم تَفُتْ على الكاتب لا شاردة ولا واردة ، إلا وذكرها فى تقديم المُبرّرات عند استخدام الفعل ، أو الوسيلة وعند الرجوع للنص نلحظ هذا بوضوح شديد ، ويظل فى مغامرته أو حربه مع الوحش ( اللبؤة ) حتى يحصل على ( اللبن المطلوب / الغاية ) ثم نلحظ كيف لم يفت على الكاتب أن يبث قيمة جميلة أخرى وهى من القيم النبيلة الجميلة التى حرص الشاطر حسن على التمسك بها ، وهى ( فك أسر اللبؤة ) قبل أن يُغادر المكان .. إنها أحد حقوق الحيوان على الإنسان ...

وقـد يتساءل سائل : أين حقوق الغزالة التى قدّمهـا حسـن طُعمًـا لللبـؤة ؟

ويأتى الرد إنها سُنّة الحياة والكون ، وللضرورة أحكام فالضرورات تُبيح المحظورات ، مع العلم أنه ليس من المحظور أن تأكل الأسود الغزلان ، وليس من المحظور صيد الإنسان للغزلان لأنّها مُحلّلة له من بين ما حلّله الله لطعام الإنسان ، فهذا أمر مشروع . ولكن من غير المشروع تعذيب الحيوانات بالأسر أو الضرب أو تحميلها الأثقال بما يفوق قدرتها على الاحتمال ، إنها قيمة ( الرفق بالحيوان ) .

وتستمر قيمة ( الشجاعة ) عبر أسلوب الثقة بالذات التى يبثها الكاتب بعد حصول حسن على لبن أنثى الأسد فيقول ( لم يدخل حسن من باب الحديقة ، بل دخل من الباب الرئيسى قائلاً للحارس فى حماس : لقد أحضرت الدواء ! ) ( ص20 ) و ( كانت لهجة حسن الواثقة كافية ... الخ ) ( ص20 ) ثم يعود النص لتأكيد القيم بشكل آخر غير مُباشر عبر إثارة القيم السالبة أو المُستهجنة التى يستهجنها الطفل القارئ ، تلك التى تنبثق من سلوكيات الوزير الحاقد الناقم والذى يغار من حسن لأنه يُريد أن يتزوّج ابنة السلطان بدلاً منه ، وبالتالى لابد من تدبيـر المؤامرات لاستبعاده وتبدأ فى السخرية من شخصه ، وتحقير قيمة كل ما فعله ، وبالتالى يوشى للسلطان وشاية حقيرة ، حتى يتراجع عن وعده فى تزويج من يحصل على لبن أنثى الأسد من ابنة السلطان .

يقول النص ( قال الوزير : مهما فعل أو حقق ، فهو عامل فى حديقة ، ترضيه مائة دينار ، أو حتى ألف ! ) ، ( أضاف الوزير فى خبث : حتى الآن لا يعرف أحد خارج جدران هذا القصر أن هناك من أحضر الدواء للسلطانة من عند الله ، ولن يُصدّق أحد عاملاً فى الحديقة استطاع إحضار ما لم يستطع كبار الفرسان والنبلاء أن يحضروه ) ( ص22 ) .

ويحاول الوزير إغراء " حسن " بالمال مُقابل ما أسداه من خدمة حتى لا يزوّجه ابنة السلطان .

فى النص ( قال الوزير مُتجاهلاً : هذه مائة دينار مُقابل جهدك الذى بذلته فى خدمة سيّدنا السلطان ) ( ص23 ) لكن حسن لا تغريه النقود والأموال ، هنا يبث النص قيمة ( التعفّف ) مع المطالبة بالحق ضمنيًّا ، يقول النص ( قال حسن فى لهجة تفيض بشعور الحزن والأسف : أنا لم أضع جهودى فى خدمتكم من أجل النقود ) .

وتُبرز قيمة وأهمية ( الوفاء بالوعد ) ضمن السياق ، لأن عدم الوفاء بالوعد يُمثّل سلبية يجب أن يُقاومها كل من له حق ، كما تُبرز أهمية هذه القيمة خاصة عند القادة أو القدوة ممن يملكون مقاليد الأمور ، لأنهم كبار فى نظر الآخرين .

يقول النص ( ووجد " حسن " نفسه يقول فى احتجاج : لقد صدقت وعدًا أعلنه مولانا السلطان على كافة الناس ) ، إن احتجاج " حسن " نوع من التمرد المحمود ، ونوع من الشجاعة ، وبهذا فإن قيمة ( التمرد على الخطأ ) تعد قيمة إيجابية قد بثها الكاتب ضمنيًّا عبر الموقف الدرامى فى القصة .

وقد تَبعَ هذا التمرد الداخلى إلى الفعل المعلن و ( تجاوز المشاعر إلى السلوك ) فلم يقف سلبيًّا بل ( استدار فى الحال وخرج ، ثم اتجه مباشرة إلى قصر السلطان ) ( ص24 ) .


لكن حتى السلطان لم ينصفه ولم يف بوعده بتزويجه من ابنته ، وإنما عرض عليه مُضاعفة المال الذى عرضه الوزير من قبل ، كمكافأة نظرًا للوشاية التى فعلها الوزير من قبل .

وفى هذا الموقف ما يؤكّد على قيمة أثارها الكاتب من قبل وهى " تدخل الآخرين " فى بعض شئون السلاطين والحُكّام مما يحيد بهم عن الحق والصواب .

إن تعاطف القارئ مع ما حدث لحسن من نقض الملك لوعده له يُثير إحساسه بهذه القيمة لأنّه يدرك أنها كانت بإيعاز من الوزير ، ويُثير الكاتب قيمة الحرص على ( الكرامة ) رغم كل شىء ، فرغم الظلم الواقع على حسن إلا أنــه ظل مُحتفظًا بعزّة نفسه وحريصًا على كرامته لآخر لحظة ، واعتبر أن ما عاناه فى سبيل تحقيق الحلم / شفاء السلطانة هو واجبه تجاه وطنه ولم يندم على ما فعله وبذله .

يقول الكاتب ( قال حسن وهو يتمزّق أسفًا : أشكرك يا مولاى ، لقد قمت بواجبى تجاه أسرة سلطان بلادى ، ولست أريد أى نوع من المكافأة على أداء الواجب ) ( ... خرج الشاطر حسن رافع الرأس موفور الكرامة ) .

وتستمر الأحداث بتحسن صحة السلطانة بعد شرب الدواء الذى أحضره حسن ، والأميرة ابنتها تراقبها لكنّها لا تعلم برفض والدها بداية ، ثم تعرف من حسن دون أن يعلن ذلك مباشرة ، وهنا يؤكّد الكاتب على قيمة جمالية خلقية أخرى وهى ( النُبل ) ، إن حسن كان بإمكانه أن يبلغ ست الحسن برفض والدها وحنثه بالوعد لكنه كما فى النص ( لم يستطع حسن أن يضيف شيئًا لكى لا يسىء إلى صورة السلطان فى نظر ابنته ) ( ص26 ) ، إنه اكتفى بأن قال لها قبلاً ( اسألى والدك ووزيره ) . وتطوّع العم حافظ بأخبارها بما حدث .

ويُثير الكاتب أيضًا قيمة إيجابية أخرى خاصة بالفتاة وهو شجاعتها ومبادرتها فى اتخاذ موقف ما دون الاستسلام للأمر الواقع فهى تسارع ( تبحث مهتاجة عن والدها ) ، إن الفتاة فى قصص الشارونى ( ذات موقف إيجابى ) وليست خاضعة سلبية مُذعنة لما يفعل بها .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل