المحتوى الرئيسى

وين رايح يا «الحبيب»؟!

06/21 11:20

هاني الظاهري

مخطئ من يظن أن العنصرية «المناطقية» اختفت من السعودية بعد عقود طويلة من توحيدها على يد المؤسس الملك عبدالعزيز (رحمه الله)، ومخطئ كذلك من يحاول التقليل من شأن بعض التصريحات الإعلامية التي يطلقها أشخاص من هنا أو هناك متضمنة نفَساً عنصرياً تجاه سكان منطقة من مناطق هذا الوطن بحجة أن «الواقع يشهد بذلك»، فلا مجال لقياس هذا الواقع المزعوم إلا من خلال جمجمة الشخص الذي شخّصه بناء على مشاهداته أو خبراته ورؤيته الضيقة.

قبل أيام فوجئت كما فوجئ غيري بتصريحات الدكتور طارق الحبيب المختص في «الطب النفسي» عبر إحدى القنوات الإسلامية، كونها تصريحات تشكك بلا خجل في وطنية وولاء سكان المنطقتين الشمالية والجنوبية، فالأخ «الحبيب» يرى أن ولاء هؤلاء وانتماءهم ليس لوطنهم وإنما لدول مجاورة، موضحاً أن ذلك ما سيكتشفه «إنسان» المنطقة الوسطى عندما يزور هاتين المنطقتين، وهنا يجب أن نتوقف ونسأل الدكتور المكتشف «وين رايح يا الحبيب»؟! طبعاً من الحمق الدفاع عن أهلنا في الشمال والجنوب، فتاريخهم المشرف وصفحاتهم الوطنية البيضاء كافية للدفاع عنهم والسخرية من هذه الادعاءات التي تبدو كـ»نكته الموسم»، لكن من المهم جداً أن نطالب مطلقها بالخضوع لجلسات علاج نفسي لدى «محترف أجنبي» في هذا المجال، بهدف اكتشاف إن كان يعاني من مشكلة ما تجاه بقية المواطنين، أم أن الأمر لا يعدو كونه فرقعة إعلامية لجلب المزيد من الأضواء والزبائن «المضروبين نفسياً» أيضاً؟

قبل أيام أيضاً انتفض أحدهم مهاجماً الكاتبة الزميلة «بدرية البشر» عندما نقلت أحداثاً من كتاب يوثق تاريخ تعليم المرأة في المملكة، وتطرقت فيما نقلته إلى بعض الحوادث التي جرت في بريدة والزلفي، معتبراً ذلك عنصرية مناطقية ضد أهالي المدينتين، فردت عليه البشر بما مضمونه «بريدة ليست لك وحدك»، لكن الأخذ والرد في هذا الموضوع كشف أن جمر العنصرية المناطقية مازال مشتعلاً تحت الرماد، وعلى هذا النحو تسير كثير من الحوارات في مجالس السعوديين حتى وهم في زمن «آيباد» و»فيسبوك» و»تويتر».

في كثير من دول العالم الأول أو «العالم الجديد» هناك عنصرية مناطقية وعرقية ودينية أيضاً، لكن لا أحد يجرؤ على التصريح بها عبر وسائل الإعلام من دون أن يوكل محامياً للدفاع عنه، كون القوانين تجرم مثل هذه السلوكيات الناتجة عن عقد نقص واضطهاد «متلتلة»، وهو الأمر الذي يُفترض أن يحتذى به في بقية الدول عبر تشريع القوانين التي من شأنها الحد من هذه الظاهرة.

السعودية ليست دولة منفصلة عن العالم البشري، والاعتراف بوجود العنصرية فيها أياً كان نوعها بداية الطريق لعلاج الإشكاليات الناتجة عنها كالتمييز العنصري في التوظيف الذي يبدو واضحاً في جهات معينة.. فقط لأن من يديرها لديه عقدة نقص وعدم إيمان بوحدة الوطن والمجتمع على رغم تغنيه بهما، للدرجة التي نجد معها أن معظم المسؤولين الكبار في تلك الجهة ينتمون للمنطقة أو العائلة نفسها أحياناً، وهذا لم يكن ليحدث لولا ارتفاع نسبة النفَس العنصري، ومن الصعب إنكار ذلك.

وحتى يؤمن الجميع بأن لـ»الجيزاني» في تبوك ما لـ«التبوكي» في جيزان ولـ«الأحسائي» في جدة ما لـ«الجداوي» في الأحساء لا بد من البدء في سن القوانين والأنظمة التي تجرّم بشكل واضح وصريح كل الممارسات التي تنطوي على عنصرية مناطقية أو عرقية أو طائفية، ومن ثم الإعلان عنها من دون أي تحفظ.. حينها فقط سيُدفن النفس العنصري على الأقل في صدور أصحابه.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل