المحتوى الرئيسى

مجهول اقتصادي في سورية

06/21 06:36

محمد كركوتي

''عندما تتلقى قبلة من سارق، قم على الفور بإحصاء أسنانك''

مَثَل لاتيني

في سورية الاقتصاد يتداعى، وفي أحسن الأحوال يتجه نحو المجهول. في سورية، ''رجل أعمال'' يعلن عزمه على التوجه للعمل الخيري، ليس زهداً، بل خوفاً. في سورية، هرب المستثمرون رعباً، لأن مصير غالبية استثماراتهم مرتبط بمصير السلطة، لا الأمة. والحقيقة أنهم لم يقرروا هذا الترابط المصيري، بل قُرر لهم.

في سورية، الأموال المنهوبة لا تدخل ولو لدقيقة واحدة في الخزينة العامة. في سورية، أولئك الذين ''عُينوا'' بمناصب رجال أعمال، يبحثون عن بلدان أخرى، يقبلون بأي توصيف لهم فيها.

في سورية، رجال الأعمال التقليديون - غير المُعينين - يجلسون على الحائط، يرمقون جهة اليمين حيناً وجهة اليسار حيناً آخر، ليقرروا إلى أي جهة سيقفزون. في سورية، تم رفع الرواتب، في حركة امتصاص بائسة للغضب الشعبي، لتدخل البلاد في نفق يستحق عنواناً على شكل سؤال: هل ستستطيع السلطة دفع الرواتب أصلاً؟ في سورية، بوادر العصيان المدني تتعاظم، في ظل عمليات قتل لا تتوقف للمتظاهرين السلميين. في سورية، توقف تصدير المنتجات، لتبدأ عمليات تصدير بشري على شكل نازحين ولاجئين، لأول مرة في تاريخها. فقد تحولت من مستقبِلٍ أزلي للاجئين إلى مُصدّرٍ لهم! لم تزل هذه ''المنتجات'' في

مرحلة ما دون ''الصناعة''، لكن الأمور تتجه إلى تحولها لـ ''قطاع صناعي'' جديد على البلاد وأهلها، وعلى دول المنطقة وشعوبها، من فرط القمع القاتل. في سورية، مجهول مسيطر على البلاد والعباد والاقتصاد، رغم أن ''عنوان المكتوب'' واضح، سواء كان بريديا أو إلكترونيا، أو حتى عن طريق الحمام الزاجل. وربما من المناسب الإشارة هنا إلى أن قانون الطوارئ – السيئ الصيت - الذي حُكمت به سورية أكثر من 48 عاماً، كان يمنع تربية الحمام الزاجل، ويعرض المربين للسجن الطويل جداً!! وربما من أجل ذلك يقتلون الحمام!

قبل المظاهرات الشعبية العارمة عاشت سورية على مدى أكثر من عقد من الزمن، في ظل ''اقتصاد الفقر وما دونه''. وقد أطلقت عليه توصيف ''اقتصاد التشبيح''. ولأنه كذلك، فقد أصبح بسرعة شديدة في مهب الريح عقب انفجار الغضب الشعبي. فليس غريباً أن تتوقع جهات محايدة رصينة - لا مندسة ولا متآمرة - إفلاس الاقتصاد. بل الغريب أن يكون هناك من يقول عكس ذلك. جريدة ''الفاينانشيال تايمز'' البريطانية لم تكن متحفظة عندما قالت: إنها تتوقع انهيار الاقتصاد السوري، ما يعني إفلاس النظام - السلطة ورضوخه.

وأنقل على الجريدة الرصينة: ''سورية ستضطر في نهاية العام الجاري، للبحث عن مساعدات اقتصادية خارجية للحفاظ على اقتصادها، في ظل التدمير الذي يعانيه قطاع السياحة نتيجة الاضطرابات، وتوقف الاستثمارات الأجنبية، وارتفاع الإنفاق الحكومي للمساعدة في تخفيف حالة الاستياء الشعبي''. ويمكن أن نضيف إلى ذلك، أن احتياطات النقد الأجنبي في البنك المركزي السوري تستنزف على مدار الساعة، الأمر الذي خفض من قيمة الليرة بنسبة 15 في المائة أمام الدولار الأمريكي. ومع كل يوم يمر هناك تراجع جديد لقيمة العملة الوطنية. في خضم ذلك، رفعت منظمة التعاون والتنمية مؤشر الخطر لسورية من 6 إلى 7، وبدأت الدول الكبرى في الطلب من رعاياها مغادرة البلاد، وهو مؤشر – في المفهوم الاقتصادي - يدل على أن الأوضاع تسير من سيئ إلى أسوأ.

لم تكن حالة الاقتصاد قبل الثورة الشعبية أفضل، لكن حالة الدولة كانت مستقرة، ما دفع بعض الجهات الاستثمارية العربية والأجنبية لإنشاء أعمال لها في سورية، بعد أن قبلت بمشاركة قسرية من رامي مخلوف ابن خال الرئيس بشار الأسد، الذي يُعتبر بمنزلة ''مصرفي'' العائلة الحاكمة. وقد وقعت هذه الجهات بأزمة حقيقة، عندما اكتشفت أن الدولة التي تبدو مستقرة لفترة طويلة لا يمكن أن تستمر هكذا إلى الأبد، إذا لم تكن عناصر الاستقرار متكاملة. هذا ''الاستقرار'' اهتز في سورية - كما في تونس ومصر وليبيا - مع أول صخرة شعبية تطالب بالعدالة، ولم يلبث أن انتهى في غضون أيام. وعلى الرغم من حنكة المستثمرين في الحفاظ على أموالهم، وعدم التضحية بها والخوف عليها، إلا أنهم – على ما يبدو - يقعون في نفس الفخ دائماً.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل