المحتوى الرئيسى

الحركة والسكون في الكون بقلم:جواد البشيتي

06/20 21:54

الحركة والسكون في الكون

جواد البشيتي

ما هي "الحركة"؟ وما هو "السكون"؟

ديمقريطس تَصوَّر الوجود، في بنيته الأوَّلية، على أنَّه "الذرَّة" غير المرئية، غير القابلة للانقسام، السرمدية، أو "الأزلية ـ الأبدية"؛ وهذه "المادة الأولية"، أي "الذرَّة"، وبحسب تَصوُّر هذا الفيلسوف الإغريقي، موجودة في مقدار (كوني) غير محدود؛ أمَّا الفَرْق أو الاختلاف بين ذرَّة وذرَّة فيقتَصِر على الحجم والشكل والوضع.

وإلى هذا "العنصر (أو المُقَوِّم)"، أضاف ديمقريطس، في تصوره الوجودي أو الكوني، عنصرين آخرين، هما "الفراغ غير المحدود"، و"الحركة"، التي هي (على ما تصوَّر هذا الفيلسوف الإغريقي) حركة "الذرَّة" في هذا الفراغ".

إنَّها ثلاثية "مادة ـ فراغ ـ حركة"؛ وقد نجعلها رباعية بإضافة "الزمن" إليها.

"الحركة" إنَّما هي حركة "جسم (أو جسيم) ما"؛ إنَّها، على سبيل المثال، حركة "كرة"، أو "كوكب"، أو "إلكترون"؛ فلا وجود لـ "الحركة" في عالَمٍ (افتراضي تخيُّلي) يخلو تماماً من الأجسام والجسيمات، أو، بمعنى ما، من "المادة".

و"الحركة" إنَّما هي "الحركة في المكان"، أي انتقال جسمٍ (أو جسيمٍ) ما من موضِع إلى موضِع، أو من نقطة إلى نقطة، في "الفراغ (أو الفضاء، أو المكان). إنَّ هذه "الكرة" تنتقل الآن من موضِع إلى موضِع على سطح هذه الطاولة؛ وإنَّ هذه "المركبة الفضائية" تنتقل الآن من موضِع إلى موضِع في الفضاء (أو الفراغ).

كيف يمكن أنْ يتحرَّك جسم أو جسيم (كروي الشكل مثلاً) في الفراغ أو الفضاء أو المكان؟

قد يتحرَّك (أي ينتقل من موضِع إلى موضِع) في خطٍّ (أو مسارٍ) مستقيم، أو منحنٍ (أو دائري، أو بيضاوي). قد يتحرَّك في موضعه (الاهتزاز). وقد يدور حَوْل نفسه (أو محوره).

أمَّا لجهة "سرعته"، أي "المسافة" التي يقطعها في "مقدار محدَّد من الزمن (ثانية أو دقيقة أو ساعة..)"، فقد يكون "سريعاً" أو "بطيئاً".

ما معنى أنَّ هذا الجسم يتحرَّك، أو يسير، بسرعة 10 أمتار في الثانية الواحدة، مثلاً؟

معناه نَقِف عليه في المثال الآتي:

أنتَ واقِفٌ (ثابتٌ في مكانكَ) على سطح الأرض، ولمَّا قِسْتَ وحَسبت سرعة هذا الجسم وجدتها 10 أمتار (بحسب مترك) في الثانية الواحدة (بحسب ساعتكَ). إنَّكَ، في هذه الحال، "المراقِب" الساكن، الثابت في مكانه. وهذا الجسم تَعْتَبِرَه "متحرِّكاً"؛ لأنَّه "يبتعد عنكَ"، أو "يقترب منكَ"؛ وتَعْتَبِرَه يتحرَّك بسرعة 10 أمتار في الثانية الواحدة؛ لأنَّه، وفي كل ثانية، "يبتعد عنكَ"، أو "يقترب منكَ"، 10 أمتار. إذا كان يسير "مبتعداً عنكَ" فإنَّه ابتعد عنكَ، بعد انقضاء الثانية الأولى، 10 أمتار؛ وبعد انقضاء الثانية الثانية، أصبح "يبعد عنكَ" مسافة 20 متراً؛ وبعد انقضاء الثانية الثالثة، أصبح "يبعد عنكَ" مسافة 30 متراً.

الحركة، أي حركة الجسم أو الجسيم في المكان، ومن وجهة نظر هندسية، إمَّا أنْ تكون في خطٍّ "مستقيم" وإمَّا أنْ تكون في خطٍّ "منحنٍ".

ومن وجهة نظر السرعة، إمَّا أنْ تكون "ثابتة (منتظَمة)"، أي لا تزيد ولا تنقص، وإمَّا أنْ تكون "متغيِّرة"، تزيد أو تنقص.

كيف (أو لماذا) يتحرَّك الجسم في المكان؟

هذه كرة واقِفَة، ساكنة، ثابتة في مكانها، على سطح طاولة، تَدْفَعَها بيدكَ فتتحرَّك. إنَّ كمية (أو مقداراً) من "شيء ما (طاقة حركية)" قد انتقل من يدكَ إلى هذه الكرة (الساكنة) فشرعت تتحرَّك. ويدك، في هذه الحال، هي "قوَّة"؛ هي "القوَّة الخارجية" التي لولاها لما تحرَّكت الكرة. وهذه "القوَّة" لا تؤثِّر، ولا تَفْعَل فعلها هذا، عن بُعْد، أو عبر الفراغ. لقد "مسَّت" يدكَ الكرة (إذ دَفَعَتْها) فتحرَّكت هذه الكرة. وتلك "الكمية" ما أنْ انتقلت من يدكَ إلى الكرة حتى زادت "كتلة" الكرة.

بيدكَ "الدَّافعة"، والتي "مسَّت" الكرة الساكنة، انتقلت تلك "الكمية" إلى داخل الكرة، فشرعت الكرة تتحرَّك؛ لكن، وعلى ما ترى، هل تظل تلك "الكمية" بلا تغيير؟

كلاَّ، لا تظل؛ فالكرة ما أنْ تشرع تتحرَّك حتى تشرع تلك "الكمية" تتضاءل وتنقص؛ فإذا نفدت (وخرجت كلها من الكرة) توقَّفت الكرة تماماً عن الحركة. وقبل توقُّفها التام، رأيْنا سرعتها تتضاءل.

إنَّ "قوى الاحتكاك (مع مقاوَمة الهواء)" بين سطحي الكرة والطاولة هي التي "امتَّصت"، تدريجاً، تلك "الكمية" من الكرة، التي بتوقُّفها تكون قد فَقَدَ "كتلتها الإضافية".

الآن، خُذْ الكرة نفسها، واذْهَبْ بها إلى "الفضاء الفارِغ (من المادة)"، أي إلى فضاء لا وجود فيه للأجسام كالنجوم والكواكب، وبعيد، من ثمَّ، عن "حقول الجاذبية"؛ ثمَّ ادْفَعْها بيدكَ؛ فماذا ترى؟

ترى أنَّ الكرة تتحرَّك وتسير بسرعة "ثابتة (المقدار)" وفي "خطٍّ مستقيم (استقامة خطٍّ رَسَمْته على ورقة)"؛ وتظل تسير على هذا النحو "إلى الأبد"، ما ظلَّت في فضاءٍ كهذا، أي في فضاء مستوٍ، منبسط.

وفي هذا الفضاء (المستوي، المنبسط) لا وجود لقوى "تَسْلِب" الكرة ولو نزراً من تلك الكمية من الطاقة الحركية التي أدْخَلْتَها فيها إذ دَفَعْتَها بيدكَ؛ لا وجود لقوى تُنْقِص أو تزيد تلك "الكمية"؛ لا وجود لقوى تَجْعَل الكرة تسير في اتِّجاه معاكس، أو تُخْرِجها عن الاستقامة في خطِّ سيْرها، كأنْ تجعلها تسير في خطٍّ منحنٍ (دائري مثلاً) أو تنعطف إلى اليمين أو إلى اليسار.

والكرة التي تسير (هنا) بسرعة ثابتة المقدار قد تكون سرعتها (الثابتة) 100 متر في الثانية الواحدة أو 1000 كيلومتر في الثانية الواحدة أو 250 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة..

لِنَتَخَيَّل وجود "مراقِب" في داخل هذه الكرة التي تسير في هذا الفضاء بسرعة ثابتة (100 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة مثلاً) وفي خطِّ مستقيم.

هذا "المراقِب" لن يكون لديه إلاَّ كل ما يُثْبِت له، ويؤكِّد، أنَّه موجود في داخل كرة "ساكنة"، "لا تتحرَّك".

إنَّكَ أنتَ الذي تراقِب تلك الكرة من على سطح الأرض، مثلاً، ترى أنَّ هذه الكرة ليست ساكنة، وأنَّها تتحرَّك (في ذلك الفضاء) بسرعة ثابتة (المقدار) وفي خطٍّ مستقيم.

"الخطُّ المستقيم" إنَّما هو "المسافة الأقصر بين نقطتين"؛ والآن، تخيَّل أنَّ ذلك "الفضاء المستوي المنبسط"، الذي تسير فيه تلك الكرة بسرعة ثابتة (المقدار) وفي خطٍّ مستقيم، قد انحنى وتقوَّس.

المراقب (الافتراضي التخيُّلي) الموجود في داخل تلك الكرة سيظل مقتنعاً بأنَّ كرته تسير في خطٍّ مستقيم، تَقْطَع، في استمرار، المسافة الأقصر بين كل نقطتين؛ أمَّا المراقِب الأرضي فسيرى أنَّ تلك الكرة أصبحت الآن تسير في خطٍّ منحنٍ.

إنَّ "الخط المستقيم"، وبصفة كونه "المسافة الأقصر بين نقطتين"، ينحني بانحناء الفضاء نفسه؛ لكنَّه يظل من وجهة نظر المراقِب السائر فيه كالخط المستقيم المرسوم على ورقة (أي على سطح منبسط).

لِنَفْتَرِض أنَّ الفضاء المستوي المنبسط الذي تسير فيه تلك الكرة (بسرعة ثابتة، وفي خطِّ مستقيم) هو الفضاء الممتد بين مجموعتين من المجرَّات، هما المجموعة A والمجموعة B.

إنَّ هذه الكرة تسير (مثلاً) مقتربة من المجموعة B، مبتعدة، في الوقت نفسه، عن المجموعة A.

في هذا الفضاء، الذي يتمدَّد، في استمرار، وفي تسارُعٍ، سيظل المراقِب (الافتراضي التخيُّلي) الموجود في داخل تلك الكرة، التي تسير بسرعة ثابتة؛ لكن ضئيلة المقدار، مُقْتَنِعاً بأنَّ كرته ساكنة لا تتحرَّك. كلتا المجموعتين، ومن وجهة نظره، هي التي تتحرَّك؛ وتتحرَّك مبتعدةً عنه؛ لكنَّ المجموعة A أسرع في ابتعادها عنه من المجموعة B؛ فإذا توقَّفت تلك الكرة عن الحركة تماماً فإنَّ هذا المراقب سيرى، عندئذٍ، أنَّ المجموعتين تتساويان في سرعة الابتعاد (المتزايدة) عنه.

لِنُعِدْ الآن الكرة نفسها إلى الأرض، وَلنَضَعها على سطح طاولة. إنَّها الآن واقفة، ساكنة، لا تتحرَّك، على سطح الطاولة؛ لكنَّها تتحرَّك، وليست بالساكنة، من وجهة نظر مراقب يراقبها من موضع ما يقع في خارج المجموعة الشمسية مثلاً.

هذا المراقب يرى الكرة ثابتة على سطح طاولة، ثابتة هي أيضاً على سطح الكرة الأرضية؛ لكنَّ هذه الكرة تتحرَّك مع سطح الأرض (لدوران كوكب الأرض حَوْل نفسه) وتتحرَّك، أيضاً، مع كوكب الأرض (لدورانه حول الشمس).

تلك الكرة ثابتة، ساكنة، لا تتحرَّك، على سطح الطاولة؛ لكن هل يمكنها (تلك الكرة) أنْ تكون في هذه الحالة من السكون من غير أنْ تكون، في الوقت نفسه، جزءاً من جسم (كوكب الأرض) يتحرَّك؟!

وهذه الكرة الساكنة هل يمكنها أنْ تكون في هذه الحالة (أي في حالة سكون) من غير أنْ تكون مشتملة، في الوقت نفسه، على أشياء تتحرَّك في المكان؟!

شيء واحد في الكون، وبحسب نظرية "تمدُّد الكون"، ثابت، ساكن، لا يتحرَّك؛ وهذا الشيء هو "مجموعة المجرَّات"، أي كل "مجموعة مجرَّات".

هذا الشيء (مجموعة المجرَّات) لا يتحرَّك في (أو عبر) الفضاء؛ لكنَّه يتحرَّك مع الفضاء؛ ذلكَ لأنَّ الفضاء بين مجموعات المجرَّات يتمدَّد، في استمرار، وعلى نحوٍ متسارِع؛ وهذا التمدُّد الفضائي يُعْزى الآن إلى "الطاقة الداكنة (المُظْلِمة)".

الجسم، ومهما كانت كتلته ضئيلة، ولو كانت بضآلة كتلة الإلكترون، فإنَّه دائماً في حالٍ من "الانهيار المُقاوَم (أو المكبوح)" للمادة على نفسها؛ وهذا "الانهيار المُقاوَم" يُعْزى إلى "الجاذبية"؛ ولا فَرْق من الأهمية بمكان، في هذا الصدد، بين "جاذبية نيوتن" و"جاذبية آينشتاين".

و"كفَّة الانهيار" تَرْجَح على "كفَّة القوى المقاوِمة له" ما أنْ يتخطَّى "نصف قطر" الجسم، في تقلُّصه وانكماشه حدَّاً معيَّناً، متناسباً مع حجم كتلته.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل