المحتوى الرئيسى

ميثولوجيا عربية تسمَّى "الإصلاح"!بقلم:جواد البشيتي

06/20 20:56

ميثولوجيا عربية تسمَّى "الإصلاح"!

جواد البشيتي

مَنْ حَرَمَهُ الله نِعْمَة السلطة والجاه، وامتيازات كرسيِّ الحُكْم، هو وحده الذي لا يُؤاخَذ إنْ علَّل نفسه بوهم أنَّ التنازل عن السلطة، أو عن سلطات وصلاحيات من الأهمية بمكان، هو أمْرٌ يمكن أنْ يَقْدِم عليه الحاكم من تلقاء نفسه، أو نزولاً عند إرادة شعبه، أو زُهْداً عن السلطة، أو قبل أنْ يزج بكل قواه في معركة البقاء، ويُقْنِعه الشعب الذي نزل إلى الشوارع بأنَّ الكرسي الوثير الذي أدْمَن وأزْمَن الجلوس عليه قد أصبح على هيئة حِرابٍ تتحدَّاه أنْ يجلس، أو يستمر في الجلوس، عليها، أو قبل أنْ يُدْرِك أنَّ عدم انتصار الشعب (وثورته عليه) حتى الآن لا يعني، ويجب ألاَّ يعني، أنَّه لم يُهْزَم بَعْد.

الأمْر، وفي هذا العهد العربي (الشعبي) الجديد والجيِّد على وجه الخصوص، يتحوَّل من "سياسة" إلى "شعوذة" إنْ نحن فسَّرنا هذا التشبُّث (العربي) بكرسيِّ الحُكْم، وصراع صاحبه من أجل الاحتفاظ به ولو من طريق ارتكابه الجرائم في حقِّ شعبه ووطنه، على أنَّه الثمرة المُرَّة لجهل الحاكم بالحقائق (التي ينبغي له معرفتها) والحقوق (الشعبية التي حان له الاعتراف بها) ولانسداد قنوات الحوار بينه وبين المحكوم، والتي لو فُتِحَت لانفتح على الشعب ومطالبه وحقوقه، ولأصبح هو والشعب في خندق واحد، يحاربان معاً الفساد والفاسدين والمفسدين والأشرار، وكأنَّ طرفاً ثالثاً يشبه "مجتمع الأبالسة"، ويَضُمُّ "مستشاري السوء" و"البطانة الفاسدة"، هو الذي يتوفَّر على التأليب بينهما، والإبقاء على كليهما مُرْتاباً من الآخر!

مجتمع "الملأ الأعلى" إنَّما مكانه السماء، والسماء فحسب؛ وكل من يسعى إلى تصوير العلاقة بين الحاكم والمحكوم في بلادنا (مع طرفها الثالث الشيطاني والإبليسي) على أنَّها النسخة الأرضية من ذاك المجتمع السماوي إنَّما يريد حَرْف الشعب عن صراطه الثوري المستقيم، وإفساد وعيه الثوري، وأنْ يجعل للوهم سلطاناً عليه، وهو الذي (أي الشعب) إنْ استخذى للأوهام السياسية الآن (و"الآن" هي كالسيف في حدِّه الحدُّ بين الجدِّ والهزل) حَكَم على نفسه (وثورته) بالموت وهو على بُعْد أشبار من هدفه النهائي.. على بُعْد أشبار من "الخسارة"؛ خسارة قيوده، ومن "الرِّبح"؛ رِبْح حريته ومستقبله.

ثمَّة طريق، وطريق طويلة، يَقِف الحاكم العربي عند أحد طرفيها، ويَقِف الشعب عند طرفها الآخر؛ وهذه هي الحقيقية التي لا ريب فيها؛ أمَّا الوهم فهو الذي يكمن في كل دعوة (تشبه دعاء الكهنة) إلى أنْ يتنازل كلا الطرفين للآخر، فيتقدَّم كلاهما بما يجعلهما يلتقيان في منتصف هذه الطريق الطويلة، ليَكْتبا معاً الخاتمة السعيدة لرواية "الإصلاح".

أنْعَتها بالوهم، وبالوهم القاتل لمُسْتَهْلِكِه لا لمُنْتِجِه؛ لأنَّ منطق العلاقة بين الحاكم والمحكوم في بلادنا، وعلى ما أثبتت لنا التجارب، وأكَّدت، يُقْنِعنا، وينبغي له أنْ يُقْنِعنا، بأنْ ليس من المنطق في شيء أنْ نرى الخلاص في تنازُل أحدهما للآخر؛ فإنَّ "التنازل الأقصى" للحاكم لا يفي بالغرض، وهو تلبية مطالب الشعب بحدِّها الأدنى، والتي بحدِّها هذا لا يمكن أنْ يقبلها الحاكم، ليس لكونه يشكو نقصاً في الذكاء أو الوعي؛ وإنَّما لكون مصالحه الشخصية والفئوية تُعْجِزَه عن القبول؛ فهو إنْ قَبِلَ فلن يَعْرِف بعد، وبسبب، هذا القبول إلاَّ سقوطاً متسارِعاً.

إنَّه، ولأسباب تشبه التكوين الجيني للكائن الحيِّ، لا يملك، مع نظام حكمه، من المرونة ما يكفيه ويقيه شرَّ السقوط النهائي والمتسارِع إنْ هو سوَّلت له نفسه قبول تلبية مطالب شعبه بحدِّها الأدنى (لا الأقصى).

وهذا ليس ذَنْبُنا، ولا ذَنْبُه؛ وإنَّما ذَنْب خالقه الذي خلقه عصيِّاً على الإصلاح، إنْ تعرَّض إلى أقلِّ ضغط شعبي لجأ سريعاً، وفوراً، إلى آخر العلاج، وهو "الكيِّ"، أو ما يسمَّى "الخيار الأمني"؛ فإمَّا أنْ يبقى (وإلى الأبد) على ما هو عليه، ولو لم يُبْقِ ببقائه هذا على شعبه ووطنه، وإمَّا أنْ يغادِر "الدَّار الدنيا" إلى "الدَّار الآخرة" والتي هي خيرٌ وأبقى؛ وَلْتتذكَّروا كيف جاء إلى السلطة، وظلَّ فيها، إنْ أردتم معرفة كيف سيتركها؛ فكيف للذي بالسيف حَكَم (جاء إلى الحُكم واستمر فيه) أنْ يَتْرُك الحُكم بما يشبه الصلاة والدعاء، أو بَعْد أنْ تُتْلى على مسامعه سورة "الإصلاح"؟!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل