المحتوى الرئيسى

الشيشان بين الجغرافية والتاريخ بقلم: عبدالرزاق خلف محمد الطائي

06/20 19:40

بقلم: عبدالرزاق خلف محمد الطائي

العراق / جامعة الموصل / مركزالدراسات الاقليمية

Abdalrazaq_kh_m@yahoo.com


جمهورية الشيشان من البلدان الإسلامية، وهي جزء من منطقة القوقاز، الممتدة من بحر قزوين شرقاً وحتى البحر الأسود غرباً، وتتكون منطقة القوقاز من عدة جمهوريات( )، وتبلغ مساحة القوقاز 400ألف كيلو متراً مربعاً، والجمهورية الشيشانية تشغل مساحة 19300 كيلومتراً مربعاً. وتنحصر بين خطي طول 44درجة – 47 درجة شرقاً، وخطي عرض 42 درجة – 45 درجة وتحدها من الشمال جمهورية داغستان وإقليم ستافروبول والشرق جمهورية داغستان، ومن الغرب جمهورية الإنجوش وأُسيتيا الشمالية، ومن الجنوب جمهورية جورجيا وداغستان. وهي بهذا تقع في قلب القوقاز.

عدد السكان

حوالي 1500000 مليون نسمة

ديانة الشيشانيين:

قبل اعتناق الشيشان الدين الإسلامي، كان معظمهم يدين بالوثنية، وقسم منهم يدين بالمسيحية، وقسم آخر يتبع الزرادشتية

وبعد دخول المسلمين منطقة الداغستان، واحتكاكهم بالشيشانيين، اعتنق عدد من هؤلاء الإسلام؛ وكانت نقطة البداية، حتى إذا ما حل عام 1213 م، كان معظم المناطق الشرقية في الشيشان، والمحاذية للداغستان ـ قد دخلت الإسلام. وأغلب الشيشان المسلمين على المذهب الشافعي، وبعضهم على المذهب الحنفي. وللطرق الصوفية ، كالنقشبندية والقادرية، نفوذ واسع بين الشيشان، وهذا هو الحال في القوقاز وآسيا الوسطى عامة.

يقسم المؤرخون دخول الإسلام إلى بلاد القوقاز إلى ثلاث مراحل:

1. الفتوحات الإسلامية

ابتدأ الخليفة عمر بن الخطاب (رض) بعد فتح همدان والري بالتخطيط لفتح إقليم القفقاس (القوقاز )وبعث جيشاً مكوناً من رتلين ورسم لكل منهما طريقه وهدفه. وكان على رأس الرتل الأول بكير بن عبدالله ألليثي. وعين على الرتل الثاني القائد عتبة بن فرقد السلمي الذي شرع بالمسير بقواته من مدينة الموصل وكان فتح أذربيجان في سنة 22هـ 643 م)

وخلال عهد الخليفة عثمان بن عفان (رض) توجه الجيش الاسلامي بقيادة حبيب بن مسلمة الفهري إلى ارمينية وذلك في سنة( 26هـ 647 م)وقد أتم فتح أرمينية في حدود سنة( 31هـ 653 م). وتعد هذه السنة تاريخاً لاستكمال فتح معظم إقليم القوقاز والأماكن الإستراتيجية المهمة فيه.)

ليس بالإمكان تقديم صورة واضحة عن إدارة العرب المسلمين لإقليم القوقاز وذلك لكثرة ممالك هذا الإقليم ودوله، وعدم توحيدها تحت إدارة عربية واحدة ثم بعد معظمها عن مركز الإدارة والحكم العربي الاسلامي مما يجعل علاقتها بالمركز هامشية وغالباً ما كانت إدارة أرمينية وأذربيجان ترتبط بمدينة الموصل وتدار من قبل أمير واحد.

. أثر المغول والتتار في انتشار الإسلام في القوقاز

لقد أدى ظهور المغول والتتار على مسرح الأحداث في العالم الإسلامي، وقيامهم بتدمير بغداد، ومدن بلاد الشام، إلى إضعاف الإسلام في مناطق القوقاز، وارتداد كثير من شعوب القوقاز إلى الدين المسيحي، وذلك لأن طلائع المغول كانوا بوذيين أو نصارى. ولكن التحول الكبير لصالح الإسلام بدأ عندما تولى بركة خان، ابن جوجي ابن أخي جنكيز خان، حكم القبيلة الذهبية، وذلك سنة 1256 وكان بركة خان قد دخل في الإسلام منذ طفولته، واستمر حكم بركة خان إلى سنة 1276، وتحول، في أثنائها، معظم أفراد القبيلة الذهبية إلى الإسلام. وامتد سلطان تلك القبيلة من تركستان إلى روسيا وسيبيريا، وحكموا موسكو نفسها. وقد أقاموا مدينة "قازان" الشهيرة، شمالي نهر "الفولغا"، لتكون عاصمتهم، وهكذا اعتنق المغول الإسلام وتحمسوا له، وحكموا باسمه أمداً طويلاً. أما العصر الذهبي للإسلام في منطقة القوقاز، فقد كان في عهد تيمورلنك (1336 ـ 1405)، الذي احتل آذربيجان وداغستان، وأصبح الإسلام راسخاً فيهما منذ عام 1385. واهتم تيمورلنك شخصياً بالقضاء على كل ما يتنافى مع الإسلام في آذربيجان وداغستان، وأصبح الإسلام هو الدين الوحيد لشعب "اللاك" في وسط داغستان، وهؤلاء أصبحوا، بدورهم، حماة الإسلام في الداغستان،. والذين اتخذ مدينة "غزي ـ قمق" عاصمة لهم، ومركزاً إسلامياً رئيسياً في داغستان، ومن هذا المركز انطلق الدعاة ، لنشر الإسلام ووصلوا إلى الشيشان، وفي نهاية القرن الخامس عشر، ظهرت قوتان إسلاميتان في القوقاز الشمالي، وهما الدولة العثمانية، وخانية القرم. وكان لهاتين القوتين الفضل انتشر المذهب الشافعي في داغستان، بينما انتشر المذهب الحنفي في شمال غرب القوقاز.

دور العثمانيين في نشر الإسلام في القوقاز

وخلال القرنين السابع عشر، والثامن عشر، كثف خانات القرم، والعثمانيون، جهودهم لنشر الدين الإسلامي في الأجزاء الشمالية الغربية، والوسطى، في شمال القوقاز.

وفي عام 1717، نشط العثمانيون، وخان القرم، "دولت جيراي"، ومن بعده خاز جيراي، في الدعوة للإسلام بين الشراكسة. وقد ساهم "علي فرح باشا" الوالي العثماني مساهمة كبيرة في نشر الإسلام، حيث جلب العلماء من الآستانة، وبنى المساجد، وجعل من "أنابا" عاصمة لولايته على ثغر البحر الأسود، ومركزاً رئيسياً للدين الحنيف. ومن "أنابا" انتشر الإسلام في عموم شمالي القوقاز، بما في ذلك الشيشان.

تاريخ الشيشان :

منطقة القوقاز من المناطق التي خضعت لجميع الإمبراطوريات التي قامت عبر التاريخ: اليونانية والرومانية والفرس والصينيين. وبعد سقوط الساسانيين حكم الرومان ثانية حتى الفتح الإسلامي. استمر العهد الإسلامي حوالي خمسة قرون عرفت خلاله بلاد القوقاز الاستقرار والازدهار. حكم المنطقة السلاجقة ثم المغول والتتار واستمر حكمهم حتى سيطرة روسيا القيصرية على بلادهم. قبل الغزو الروسي كانت منطقة جنوب القوقاز تحت السيطرة العثمانية، عدا أذربيجان التي كانت تحت سيطرة الصفويين في إيران، أما شمال القوقاز ومنها بلاد الشيشان، لم تكن تحت السيطرة المباشرة للعثمانيين، بل كانت تحت نفوذهم، وقد كانت هذه الشعوب راضية بهذا الوضع بسبب العقيدة والمذهب، كون الدولة العثمانية بمثابة المرجع الديني لهم لكونها "حاملة راية الخلافة الإسلامية".

بدأ غزو الروس القياصرة للقوقاز في عام 1722م في عهد القيصر بطرس الأكبر. وكان أول صدام مسلح بين الروس والشيشان قرب قرية تشتشين على بعد 15كم جنوب العاصمة غروزني (لم تكن غروزني حينها قائمة)، وقد أطلق الروس على الشعب الشيشاني اسم تشتشين نسبة إلى هذه القرية.

ثورات الشيشان في القرن التاسع عشر ضد السيطرة الروسية:

منذ ان رسخ الروس اقدامهم في االمنطقة ، مارسوا حرب ابادة ضد السكان وخاصة المسلمين الذين انطلقوا بدورهم في ثورات متلاحقة.

تختلف حالة القوقاز الشمالية عن بقية الاسلامية في روسيا ومطالبة المنطقة بالاستقلال اصيلة والحقيقة ان التيار الديني وبعض الطرق الصوفية كانت تسيطر على حركة المجتمع وهي التي كانت تقود حركة المقاومة وطلب الاستقلال.

ومنها الحركة المريدية التي هي حركة دينية صوفية، على الطريقة النقشبندية، ولكنها سرعان ما أصبح لها جانب عسكري وسياسي، فانطلقت هذه الحركة في القوقاز، من بلاد داغستان، وكانت تدعو لمقاومة الروس، وجمعت تحت لوائها رجال الدعوة المخلصين، فانتشرت هذه الحركة بسرعة مذهلة في الجبال القوقازية.

ثورة الشيخ منصور الشيشاني :

الشيخ منصور، أو "أشورما،كما لقبه الروس والذي كان على اتصال بالعثمانيين، الذين كانوا يحثونه على بذل أقصى ما يمكن من جهد لإثارة النقمة على الروس، فدأب الشيخ منصور على التجوال في مختلف أنحاء القوقاز ليخطب في الناس،وفي عام 1785، نادى بالجهاد ضد الروس، وسرعان ما تجاوبت شعوب داغستان، والقبارطاي، والنوغاي، بالإضافة إلى الشيشان. خاض الشيخ منصور الشيشاني معارك عده مع الروس، بعد أن تجمع لديه جيش ضخم، من المجاهدين، في شمالي القوقاز، ،وبعد توالي انتصارات الشيخ منصور في بلاد الشيشان، والداغستان، وبعدها واقتصر نشاطه على غارات مُباغتة وسريعة على القلاع الروسية في القبارطاي. وعندما بدأت بوادر الحرب تلوح بين روسيا وتركيا عام 1787، استنجد الأتراك بالشيخ منصور فلبى النداء، وقاموا بمهاجمة القوات الروسية، في منطقة "أوبون"، وقتل ثلاثة آلاف جندي روسي في هذه المعركة. وأيقن الروس أن احتلال "أنابا" لن يتم إلا بهزيمة الشيخ منصور أولاً. وكان الأتراك قد أرسلوا حسين باشا "بطال باشا"، للدفاع عن أنابا، على رأس جيش قوامه ثلاثون ألف رجل وبتنسيق مع الأتراك، خرج الشيخ منصور من حصن أنابا، ومعه مقاتلوه، لمهاجمة قوات الروس وبعد مسلسل الفشل الروسي في احتلال أنابا، قامت الإدارة الروسية بتعيين الجنرال غوردوفيتش، لقتال الأتراك والشيخ منصور، وأرسلت له تعزيزات كثيرة، من السلاح والجنود. وبعد وصولها، قام غوردو فيتش بالهجوم على أنابا، في 21/6/1791، وخلال المعارك في المدينة سقط الشيخ منصور جريحاً، فأسره الروس، ونقلوه إلى الإمبراطورة كاترينا(1729 ـ 1796)، التي رغبت في رؤية هذا الشيشاني، الذي كان مصدر إزعاج دائم لها منذ عام 1785. ثم أودع السجن في شليسبرغ، وهناك قُتل، بعد أن قتل الجندي المسؤول عن حراسته، في 13 نيسان 1794،

ثورة الشيخ الغازي مولاي محمد(1793-1832)

من زعماء الحركة المريدية. وكان يقطن باراح جنوب الداغستان. وفي سنة 1824 أعلن الجهاد بعد أن بايعه الناس، في بلدة "غيمري"، زعيماً للمجاهدين. وبعد فترة قصيرة اعترفت بزعامته جميع الشعوب الشركسية، وفي عام 1830، أرسل الروس جيشاً كبيراً إلى داغستان للقضاء على ثورة المريدين، فتصدى له الثوار بقيادة الشيخ غازي محمد، الذي وضع خطة رائعة لاستدراج الروس إلى الموقع الذي يريده ويناسبه. وفعلاً نجح الشيخ في استدراجهم إلى الغابات الكثيفة، والوديان الضيقة، حيث اشتبك مع الروس في معارك ضارية، مُني فيها الروس بخسائر فادحة،. وفي خريف سنة 1831، هاجم الشيخ غازي مدينة قيزليار، وتمكن من فتحها، وفي ربيع سنة 1832، هاجم الشيخ غازي مدينة فلادي قوقاز، عاصمة القوقاز، وحاصرها مدة من الزمن، وفي شهر أغسطس 1832، استأنف الروس هجماتهم على الشيشان، ودخلوا بلدة غرماتشوك. وفي خريف 1832 قام الروس بحملة شرسة على غيمري للإجهاز على الثورة، والقضاء على الشيخ غازي ومساعده الشيخ شامل. ، وبعد معارك ضارية فشل الروس في اقتحام غيمري وقد أبدى الشيخ شامل شجاعة فائقة ونادرة، وبذل المريدون محاولات كثيرة لرفع الحصار الروسي عن المدينة، ولكن الحصار كان مُحكماً، وبعد اقتحام الروس للمدينة وجلائهم عنها، وُجدت جثة الشيخ غازي محمد. أوكل المريدون أمر قيادة الجهاد إلى الشيخ حمزت بك جانقا (1789ـ 1834). وتمكن الشيخ حمزت من فتح خومواخ؛ عاصمة الأوار. واغتيل الشيخ حمزت على يد أحد زعماء الأوار، عام 1834. لم يكن هنالك رجل أجدر من الشيخ شامل ليتولى أمر المريدين، ويقود الجهاد ضد الروس.

ثورة الشيخ شامل (1797 ـ 1871)

.كانت أول مهمة نهض بها الشيخ شامل هي القضاء على الفرقة والتمزق الداخلي، ونجح نجاحاً رائعاً في رص الصفوف، بين القبائل الشركسية. وبعد أن اطمأن شامل إلى تماسك الجبهة الداخلية، دعا للجهاد، والتصدي للمحتلين الروس ،بعد أن بويع، رفع راية الجهاد. ويتفق جميع الباحثين في تاريخ القوقاز، أن حركة المريدين كانت تعاني من الضعف قبل تولي شامل قيادتها، ولكنه استطاع بمساعيه الشخصية، أن يبعث في الحركة المريدية روحاً جديدة،. ويلاحظ الباحثون في تاريخ القوقاز أن الشيخ شامل لم يكن قائداً عسكرياً وحسب، بل كان يجيد الدخول في معترك السياسة، ويعرف متى عليه أن يحارب، ومتى يجب أن يفاوض.. وفي هذه الفترة لجأ الروس إلى المفاوضات واتصل الجنرال كلوجناو بالشيخ شامل ليجتمع به في مدينة تفليس، عاصمة جورجيا، واستجاب الشيخ لهذا الطلب، ووصل إلى المكان المحدد مع مائتين من المريدين ، وبعد مفاوضات طويلة فشل اللقاء، وذلك لأن الشيخ لم يتزحزح عن مواقفه، وطالب بجلاء الروس عن القوقاز كله.

في عام 1837، ازدادت قوة المريدين، مما دفع الروس إلى السعي لإخماد ثورتهم بأي ثمن، فأرسلوا الجنرال غرابة، قائداً جديداً للقوات الروسية في القوقاز. وقرر غرابة مهاجمة (أخولجو)، مركز الثورة، وقام بقصفها بالمدفعية، ثم حاصرها، ومنع المؤن من الدخول إليها، ودام الحصار شهراً كاملاً. وفي 16 تموز1837 شنّ الروس هجوماً على (أخولجو) وضربوها بالقنابل، دون تمييز، مما اضطر الشيخ إلى المفاوضات، ولكن المفاوضات فشلت لأن الروس اشترطوا استلام الشيخ شامل، وتسليم ابنه، جمال الدين، للروس، ولذلك استؤنف القتال. ونشبت معارك جديدة، وكسباً للوقت، ولكي يتمكن الشيخ من تحسين موقفه، دخل مع الروس في مفاوضات جديدة، ولكن المفاوضات لم تسفر عن نتيجة. وفي 16 اب /أغسطس 1837، أرسل الروس إنذاراً نهائياً للشيخ، وأصروا على تسلم ابنه جمال الدين، رهينة. ولم يقبل الشيخ شامل الإنذار، وعدّه تهديداً، فشن الروس هجوماً واسعاً على أخولجو، وكادوا يدمرون المدينة بكاملها، فاضطر الشيخ لتسليم ابنه رهينة لديهم، ولم يكن قد تجاوز الثالثة عشرة من عمره. جرت مفاوضات بين الطرفين، وطلب الروس استسلام أخولجو، وتسليمها للروس، ولكن الشيخ شامل رفض، فشن الروس هجوماً جديداً، وتمكنوا من دخول المدينة، بعد مقاومة عنيفة. ولكن الروس لم يعثروا على الشيخ شامل، فقد تمكن من الهرب إلى جبال الشيشان. ولم تمض سنة حتى رتب شامل قواته، وظهر ثانية في الشيشان، على رأس جيش مؤلف من عدة آلاف. وعندما وصل الشيخ إلى بلاده، بايعه أهلها على الجهاد، وتحرك فوراً، ومن جديد، لانتزاع داغستان من الجيش الروسي. اتخذ شامل من بلدة (دارغو) مقراً جديداً له، وقام بسلسلة من الإجراءات التنظيمية، لتنظيم المناطق التي حررها، والتي شملت الشيشان، وأراضي واسعة من داغستان، وأصبح الطريق م مهداً أمام توحيد شمال وشرق القوقاز، تحت راية المريدية، وكان في مقدمة هذه الإجراءات:

1. تقسيم البلاد المحررة إلى مقاطعات وتعيين نائب لكل منها.

2. فرض الخدمة الإلزامية.

3. إنشاء المحاكم الشرعية.

4. فرض النظام بشكل صارم.

وبرهن شامل أنه رجل إداري. وفي عام 1842 حاول الروس احتلال المناطق المحررة ولكنهم رُدوا ، فعاودوا الكرة لكن المريدين، بقيادة شامل، تمكنوا من صدهم ، وعندما حاول الروس مهاجمة الداغستان فشلو أيضاً. وفي عام 1843، حاول الشيخ شامل تحرير جميع أجزاء بلاده الداغستان من الروس، وتمكن من ذلك، وبذلك أصبح شمال داغستان حراً، وأصبحت لشامل السيادة المطلقة في الشيشان وداغستان. لذلك أمر القيصر الروسي نيقولا الأول بحملة من أعماق الجبال والتوغل بين الأدغال والأحراش لمحاربة المريدين،ومهاجمة (دارغو) عاصمة المريدين، الواقعة في الجنوب الشرقي للشيشان، والمتاخمة لحدود داغستان.

لكنها الحملة فشلة.

وفي عام 1847، هاجم الشيخ شامل بلاد القبرطاي، من جهة بلاد الشيشان، ولكنه لم يوفق في انتزاعها من الروس. لذلك وضع الروس تكتيكاً جديداً لمحاصرة الشيخ شامل، فبنوا العديد من القلاع والحصون بين الروس وداغستان، وأمروا بإحراق الغابات الكثيفة في الشيشان، وأحرقوا جميع القرى التي كانت تعترضهم. أما الشيخ شامل، فقد انصرف، خلال فترة الهدوء، إلى تعزيز تحصيناته وتدريب جيشه وترسيخ حكمه في الجبال وتمتين الوحدة الداخلية.

في عام 1853، نشبت حرب القرم، بين روسيا من جهة، والدولة العثمانية وفرنسا وإنجلترا وسردينيا من جهة ثانية. وبنشوب هذه الحرب، جاءت فرصة أخرى للدولة العثمانية، لكي تتعاون مع القوقازيين، بقيادة الشيخ شامل. ووضع الحلفاء، "تركيا وفرنسا وإنكلترا"، خطة يقوم بموجبها القوقازيون بالتقدم إلى القرم من ناحية البر. وعندما تمكن الحلفاء من تحقيق أهدافهم، وانتصروا على روسيا، انسحبوا من المعارك. وفي 25 اشباط/ فبراير 1856 اجتمعت الأطراف المتنازعة في باريس، وعقد مؤتمر باريس، وكانت المفاجأة أن المؤتمر لم يأت على ذكر القوقازيين. وعندما طرح مندوب إنكلترا موضوع انسحاب القوات الروسية من القوقاز، استعمل المندوب الروسي حق النقض. وصرَّح مندوب الدولة العثمانية، بأنه لا توجد أية قضية تتعلق بالقوقاز في هذا المؤتمر. وعندما عاد مالسبوري، مندوب إنكلترا في مؤتمر لندن، إلى بلاده بحث البرلمان الإنكليزي بنود معاهدة باريس، والأسباب التي دفعت الحلفاء إلى ترك القوقاز لقمة سائغة لروسيا، وكان جواب المندوب الإنكليزي جملة واحدة: "إنه لا يمكن أن نصبح مسلمين أكثر من المسلمين أنفسهم". وبعد هزيمة روسيا في حرب القرم، حشدت 280 ألف جندي لإخضاع القوقاز. ولكن القوقازيين تصدوا للحملة الروسية، بقيادة الشيخ شامل.وأمام الزحف الروسي، اضطر الشيخ شامل إلى اختيار موقع (جوينب)، في وسط جبال داغستان. وحاول الصمود أمام القوات الروسية، ولكنها حاصرت موقع جوينب من كل الجهات. وعند سفح جبل جوينب، دارت آخر المعارك بين شامل والروس. وخلال المعركة حاول بارياتنسكي إقناع شامل بالاستسلام. وبعد معركة (فيدنو) في بلاد الشيشان، تمكنت قوات روسيا من اقتحام جوينب، فاضطر الشيخ إلى الاستسلام في 6 ايلول /سبتمبر 1859، إلى الجنرال بارياتنسكي.

وبعد احتجازه في بطرسبرج، نُقل الشيخ شامل إلى بلدة قالوجا، جنوبي موسكو. وفي سنة 1870 طلب الشيخ شامل إذناً بالخروج للذهاب إلى مكة المكرمة، بقصد الحج، فسمح له بذلك. وفي طريقه إليها، استُقبل في استانبول استقبالاً منقطع النظير، وكلفه السلطان بالسفر إلى القاهرة، ليتوسط في حل الخلافات المصرية ـ العثمانية، ونجح في هذه المهمة. ثم قصد مكة المكرمة، وقضى أيامه الأخيرة في بيت الله الحرام، وانصرف إلى العبادة. وتوفي سنة 1871، بينما كان في المدينة المنورة ودفن فيها.

إن استسلام الشيخ شامل لم ينه الحرب مع الروس، وإن خفّت حدَّتها، فعلى الرغم من إحكام السيطرة الروسية على منطقة القوقاز عام 1860، وهجرة الكثير من سكانها إلى سورية، وتركيا، والأردن وغيرها، فقد قامت حركات جهاد واسعة ومنظمة ضد القوات الروسية في البلاد مثل: حركة الزعيم الشيشاني أومادوييف، ثم حركة طابي أضاييف، ثم حركة زالماييف. أما أكبر حركات الجهاد القوقازية ضد الروس في تلك الفترة فهي حركة الزعيم الشيشاني علي بك حاجي، الذي قضى الروس على حركته، وأعدموه في جروزني عام 1878.

الوضع في بلاد القوقاز بعد استيلاء الروس عليها:

حين توقفت المعارك، بدأ فصل جديد من مأساة الشعوب القوقازية، أشد هولاً وقسوة من المعارك، إذ إن القياصرة مارسوا سياسة الإبادة المنظمة لتلك الشعوب، وارتكبوا العديد من المجازر، أشهرها: مجزرة "أخجب"، في نهاية عام 1864. ثم قام الروس بمصادرة الأوقاف الإسلامية، وربطوا المساجد، وإعادة ترميمها، بموافقة مسبقة من السلطات الروسية،. فقد أعلن الروس أن على السكان أن يرحلوا طوعاً أو كرهاً، وعليهم الهجرة إلى البلاد العثمانية. وبدأ الزحف باتجاه الغرب، نحو شواطئ البحر الأسود، واكتظت الشواطئ بالمهاجرين. واستقر بعض المهاجرين في مدن الحدود المتاخمة لروسيا، بينما استقر بعضهم على الشريط الفاصل بين القرى التركية والبلغارية، ونزل بعضهم حول استانبول. وأرسل العثمانيون قسماً من المهاجرين إلى قبرص، ورودس، ولبنان. ولم تقف الأمور عند هذا الحد، فقد استغلت روسيا حربها مع العثمانيين في البلقان عام 1877، وثورة الزعيم الشيشاني علي بك حاجي، لتتكرر عمليات التدمير الشامل للمنطقة، ولتبدأ موجة من النزوح والتهجير، من جديد، إلى الأناضول وبلاد الشام.

وهكذا كان مصير شعوب القوقاز، احتلال أوطانهم، وتهجير ثلثي السكان، الذين نجوا من الحروب إلى الدولة العثمانية. وهم يعيشون اليوم في 24 دولة، معظمهم في تركيا، والأردن، وسورية، ويوغسلافيا، وأمريكا. ويقدر عددهم بثلاثة ملايين نسمة، أما من بقي في القوقاز الشمالي، وخاصة القسم الشمالي الغربي منها، والتي أصبحت شبه خالية فقد خضعت للاستعمار الروسي الاستيطاني، حيث حدثت هجرة واسعة من الروس "القوزاق"، والقوميات الأخرى إليها، وأصبح سكانها الأصليون أقلية في بلادهم، بعد أن فقدوا ثلثي عددهم في الحروب والتهجير.

القوقاز في القرن العشرين

وفي هذه المرحلة، اتحدت الشعوب القوقازية، وأعلنت نشوء جمهورية شمالي القوقاز الفيدرالية، في 11 ايار/ مايو 1917. وقد اعترف بها الروس الشيوعيون. واختير عبدالمجيد تشيرموف، الشيشاني الأصل، أول رئيس لها، في مؤتمر حضره 500 مندوب من مختلف قبائل المنطقة، وبحضور ممثلين من جورجيا وآذربيجان. واعترفت الدولة العثمانية بهذا الاستقلال؛ وكذلك دول أوروبا الوسطى.

وفي ربيع عام 1918، أصدر مؤتمر السوفيت دستوراً، أُسست، بمقتضاه، "جمهوريات السوفيت الاتحادية الاشتراكية الروسية". وتقرر أن تكون موسكو عاصمة قومية، بدلاً من ليننغراد (بتروجراد). وأصبحت روسيا دولة اتحادية، تستمد قوّتها من الطبقة العاملة. وذاع بين الناس شعار لينين المأثور: "السلطة كلها للسوفيت"؛ وأن النظام الجديد يجب أن تستبعد منه الطبقة البورجوازية.

وفي عام 1922، اجتمع، في موسكو، وفود من مختلف الولايات البلشفية، وكانت، حينئذٍ، أربعاً، ووقعت معاهدة، على أن يبدأ العمل بها ابتداء من تموز 1923.

وفي 23 تموز 1923، أُنشئ اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية (U.S.S.R)، من جمهورية روسيا السوفيتية الاتحادية الاشتراكية، وروسيا البيضاء، وأوكرانيا، واتحاد جمهوريات القوقاز.

وفي عام 1924، انضمت إلى الاتحاد جمهوريتان آسيويتان، هما: أوزبكستان وتركمنستان. ثم توالى انضمام ولايات أخرى إليه، حتى بلغت ست عشرة جمهورية، بعد الاتساع الروسي (1939 ـ1940).(1). [3]

وبعد تكوين "اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية"، اقترح الحزب الشيوعي، المسيطر على سياسة الاتحاد، تعديل الدستور الصادر عام 1918، ليتضمن طائفة من المبادئ تصبح أساساً للعلاقات التي تربط بين أجزاء الاتحاد السوفيتي الجديد، وتُرضي قوميات شعوبه؛ كضمان تساوي الجمهوريات المختلفة، في الحقوق والواجبات؛ واستقلال كلٍّ منها استقلالاً ذاتياً، يخولها السلطة على أراضيها، عدا الشؤون الخارجية العليا، التي تتولاها الهيئات العليا في الاتحاد السوفيتي(2). [4]؛ وضمان حقها في استخدام لغتها الوطنية؛ وإنشاء مجلس "سوفيت القوميات"، الذي تتمثل فيه جمهوريات الاتحاد، على قدم المساواة.

وقد تعرض مسلمو القوقاز، في أذربيجان، وداغستان، والشيشان، وأوسيتا ودقير كاي، وبلقار قاراتشاي، وتركستان، من قِبَل الحكم الشيوعي في روسيا، لحرب ضارية، استهدفت معتقداتهم الدينية. ونهب الشيوعيون الروس ثروات البلاد، وخصصوا سُكنى المهاجرين الروس بأفضل مناطق القوقاز وأغناها. كما نقضوا اعترافهم بجمهورية شمالي القوقاز، فاحتلوها، وأخضعوها لنفوذهم وسيطرتهم. ورافق ذلك عمليات بطش واضطهاد لشعوب المنطقة، ومصادرة للأراضي، وتعطيل للشعائر الدينية. وبعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، بدأت روسيا في تهجير شعب شمالي القوقاز وتشتيته، بعد اتهامهم بالخيانة، فأصدر، في 23 اشباط /فبراير 1944، قراراً رسمياً، يقضي بإبعاد قبائل "القاراجاي"، و"البلقار"، و"الشيشان"، و"الإنجوش"، وسواهم، إلى سيبيريا، وآسيا الوسطى. وقدِّر هؤلاء بنحو مليونَين ونصف المليون؛ وتعرض كثير منهم لعمليات الإبادة الجماعية. كما نفى ستالين 95% من الشعب الشيشاني إلى سيبيريا. وظل هؤلاء الشيشانيون في المنفى 13 عاماً، حتى جاء نيكيتا خروتشوف، وسمح لهم بالعودة إلى بلادهم، عام 1957.

وخلال هذه المرحلة، عمدت السلطات الروسية إلى طمس اسم الشيشان في الخرائط والموسوعات العلمية، واقتطاع مساحات شاسعة من أراضيها وضمها إلى الدول المجاورة: داغستان، وأوسيتيا الشمالية، وجورجيا.

وفي هذا سياق ، أبيح، عام 1957، تشكيل جمهورية الشيشان ـ الأنجوش؛ وهي جمهورية ذات حكم ذاتي، داخل الاتحاد الروسي. وطوال فترة السبعينيات والثمانينيات، تعاملت السلطات السوفيتية مع جروزني، عاصمة الشيشان، كمنطقة غير آمنة وغير مستقرة؛ مما أدّى إلى فرض حظر التجول الليلي عليها فرضاً تلقائياً.

وما إن اهتزت السلطة في يد آخر الرؤساء السوفيت، ميخائيل جورباتشوف، الذي بدأ تطبيق نظريته التي سماها "البروستريكا" أي إعادة البناء، حتى ظهرت المطالب، الانفصالية والاستقلالية، من جانب عديد من جمهوريات الاتحاد السوفيتي، سواء الاتحادية منها وتلك التي تتمتع بالحكم الذاتي، في إطار الاتحاد الروسي. وقد انتعشت الاتجاهات الاستقلالية، في أعقاب فشل محاولة الانقلاب على جورباتشوف، التي لجأ إليها الجناح الشيوعي القومي، في اب/ أغسطس 1991؛ إذ اندفع بوريس يلتسين، في مناوأته الرئيس السوفيتي، إلى استخدام ورقة حق تقرير المصير، وحق الأمم والشعوب في الانفصال؛ وهو ما مهد لدول البلطيق الثلاث: إستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا، الانفصال عن الاتحاد السوفيتي؛ وآذن بانهيار الاتحاد السوفيتي، كدولة فيدرالية، في كانون الاول/ ديسمبر 1991، وانبثاق 15 جمهورية مستقلة من أنقاضه.

الشيشان بعد انهيار الاتحاد السوفييتي :

ما إن أعلن الاتحاد السوفيتي حق الانفصال لأي جمهورية، ترغب في الاستقلال، والانفصال عنه ـ حتى سارع الشيشانيون إلى إعلان جمهوريتهم المستقلة. ففي نهاية عام 1990، اجتمع مندوبون، من الشيشان والسكان الآخرين في الجمهورية، ومن ضمنهم الروس القوازق، وقرروا، بالإجماع، إعلان استقلال جمهورية الشيشان.

اتجه الجنرال جوهر دوداييف الذي أَسَّس، عام 1991، حركة قومية، باسم "مؤتمر عموم شعب الشيشان"، إلى التحرك صوب الانفصال؛ فكوَّن حرساً وطنياً، وأعلن التعبئة العامة بين الذكور، الذين تراوح بين 15 و50 عاماً؛ واستولى على المنشآت الحيوية، كالمطار والإذاعة والتليفزيون، وحاصر البرلمان، مطالباً بإدراج موضوع الانفصال عن روسيا الاتحادية، على جدول أعماله. وفي 27 تشرين الاول /أكتوبر1991، دعا إلى انتخابات رئاسية، أسفرت عن فوزه بمنصب رئيس الجمهورية؛ وهي الانتخابات التي لم يعترف بها البرلمان الروسي. وأعلن جوهر دوداييف، في 2 كانون الاول/نوفمبر 1991، الاستقلال عن روسيا الاتحادية؛ فسارعت الإنجوش إلى إعلان انفصالها عن الجمهورية الاتحادية؛ احتجاجاً على قرار الشيشان الانفصال عن الاتحاد الروسي؛ ورفضاً لزعامة دوداييف. لم يعلن استقلال الشيشان، إلاّ بعد موافقة برلمانها عليه، وفي اذار/ مارس 1992. وانطلاقاً من ذلك، رفض القادة الشيشانيون إمضاء وثيقة الاتحاد الروسي، الذي ورث الاتحاد السوفيتي، والتي أمكن التوصل إليها في الشهر نفسه؛ثم كان الاجتياح الروسي الأول لشمالي القوقاز، الذي بدأ في كانون الاول /ديسمبر 1994، وانتهى في اب/ أغسطس 1996 إلى اتفاق، وقعه الطرفان. وخلال الفترة، من كانون الاول /نوفمبر 1991 وحتى تشرين الثاني /نوفمبر 1994، اعتمدت موسكو على وسائل الضغط السياسي، والحصار الاقتصادي، لإسقاط جوهر دوداييف، وإنهاء حركته الانفصالية.

الاجتياح الروسي الأول للشيشان

استهلت موسكو الخيار العسكري، لإسقاط دوداييف، بدعم ومساندة الجناح الشيشاني، الرافض لقيادة دوداييف، بزعامة عمر أتور خانوف. ودفعت، في تشرين الثاني 1994، بتعزيزات عسكرية، لمساندة قوات المعارضة، من أجل السيطرة على العاصمة، غروزني. وحيال انتصار جوهر دوداييف على معارضيه، وأسره نحو 70 جندياً روسياً، وإعلانه أنه سيعاملهم كأسرى حرب، ما لم تعترف موسكو بأنهم من رعاياها؛ اضطرت موسكو إلى التدخل المباشر، فأصدر الرئيس الروسي، بوريس يلتسين، في 9 كانون الاول 1994، قراراً، يقضي بـ"اتخاذ كافة التدابير اللازمة، لنزع سلاح جميع التشكيلات العسكرية، في جمهورية الشيشان الانفصالية". وفي 11 من الشهر نفسه، تقدمت القوات الروسية صوب العاصمة الشيشانية، التي سقطت في أيديها، في 31 كانون الاول/ ديسمبر 1994، بعد معارك طاحنة، وخسائر هائلة في الجانبَين.

أهداف روسيا من اجتياح جمهورية الشيشان

يمكن حصر الأهداف الروسية بما يلي:

أولهما، الحفاظ على وحدة الأراضي الروسية؛ إذ تنظر موسكو إلى انفصال الشيشان، على أنه يمثل تهديداً خطيراً لوحدة أراضي الدولة الروسية وتماسكها، وهي التي تضم سبع عشرة جمهورية ذات حكم ذاتي، سبق بعضها الشيشان إلى المطالبة بالانفصال، مثل تتراستان في حوض نهر الفولجا، وبشكيريا في منطقة نهر الأورال؛ إضافة إلى عشرات الأقاليم والمقاطعات المتمتعة بالحكم الذاتي، وجميعها تقطن فيها أغلبية من قوميات صغيرة. واستطراداً، فإن أي تهاون في التعامل مع مطلب الشيشان الانفصالي، سوف يؤدي إلى انهيار الاتحاد الروسي.

ثانيهما، الأهمية الإستراتيجية للشيشان، في إطار الأمن والمصالح القومية الروسيَّين؛ و السيطرة على الثروات الطبيعية وأهمها إنتاج النفط وتكريره،. كما تُعَدّ الشيشان ممراً مهماً لأنابيب النفط في كل المنطقة؛ فمن جروزني، العاصمة، تمر الأنابيب الآتية من "باكو"، على بحر قزوين، إلى "نورورسيك"، على البحر الأسود. والتحكم في خطوط المواصلات والترانزيت، والخشية من أن تؤدي سيطرة الشيشان على هذه الممرات والطرق الحيوية، إلى التضييق على روسيا وخنقها.

محاولة التسوية

منذ دخول القوات الروسية العاصمة الشيشانية، غروزني، ، في 31 كانون الاول/ ديسمبر 1994، ونسحاب مقاتلي الشيشان إلى الوديان والمناطق الجبلية، والقتال لم يتوقف في الشيشان؛ إذ تواصلت عمليات القصف وشن الغارات، إضافة إلى عمليات احتجاز الرهائن، وغيرها من الأساليب، التي لجأ إليها المقاتلون الشيشانيون.

قررت موسكو مفاوضة دوداييف، وأصدر رئيس الوزراء الروسي، فيكتور تشيرنوميردين، في 26 نيسان/ أبريل 1995، قراراً، يقضي بوقف العمليات العسكرية، بدءاً من الأول من ايار/مايو 1995. وبعد مفاوضات مكثفة، توصل المتفاوضون، في 22 تموز 1995، إلى اتفاق مبدئي، يُنزع، بمقتضاه، سلاح فصائل المقاومة الشيشانية، بالتدريج؛ مقابل انسحاب القوات الروسية من الشيشان، على مراحل، وتمركز ستة آلاف جندي حول العاصمة، غروزني، ومدن أخرى. كما دان رئيس الوفد الشيشاني، عثمان إيماييف، الإرهاب، بشتى صوره، وتعهد بالتعاون مع موسكو على القبض على شامل باسييف ورفاقه، الذين احتجزوا الرهائن، في بودنيوفيسك، في تموز 1995. وقِّع الاتفاق العسكري، الذي نص على:

أ. الوقف الفوري لجميع الأنشطة العسكرية.

ب. نزع الأسلحة، وانسحاب القوات الروسية من الشيشان، بالتدريج.

ج. تبادل الأشخاص المحتجزين.

لم تنعم الشيشان بالهدوء، الذي كان متوقعاً بعد الاتفاق العسكري؛ إذ لم تتوقف الاشتباكات وأعمال الهجوم والهجوم المضاد؛ ما دفع الشيشانيين إلى تعليق مشاركتهم في مفاوضات التسوية السياسية، ووقف تنفيذ الاتفاق العسكري، احتجاجاً على استمرار الغارات الجوية، والقصف المكثف للعاصمة والمدن الشيشانية الأخرى. أما موسكو، فأكدت أن القصف هو رد على عدم الالتزام بوقف الأنشطة العسكرية؛ إضافة إلى عدم تسليم المقاتلين الشيشانيين أسلحتهم، بحسب الاتفاق؛ إذ لم يسلموا سوى 3% فقط من 60 ألف قطعة سلاح لديهم؛ وهو ما عزاه المفاوضون الشيشانيون إلى عدم تنفيذ موسكو سحب القوات من الشيشان.

الانتخابات في الشيشان

وفي 17 تشرين الثاني /نوفمبر 1995، أقر البرلمان الشيشاني قانوناً، يستحدث منصب رئيس الجمهورية، وبدء الإعداد لإجراء انتخابات حرة. إلا أن الحكومة الموالية لموسكو، بزعامة دوكو زافجاييف، رفضت فكرة ترشيح دوداييف لنفسه في انتخابات الرئاسة. وأعلن المقاتلون الشيشانيون رفضهم إجراء الانتخابات، في ظل وجود القوات الروسية. وطرح رئيس الوفد الشيشاني، أحمد ياريخانوف، خيارَين:

الأول: انسحاب القوات الروسية، من دون شروط، من الشيشان، والبدء بمفاوضات في طبيعة العلاقة، بين غروزني وموسكو.

والثاني: إرسال قوات سلام دولية، بتفويض من الأمم المتحدة.

وهو أمر رفضته موسكو، ورأت فيه تصميماً على الانفصال، وممارسة بعض مظاهر السيادة. واكتفى الرئيس الروسي، بوريس يلتسين، بمنح الشيشان "وضعاً خاصاً"، في إطار الاتحاد الروسي. وجاء ذلك في اتفاق، وقعه رئيس الوزراء الروسي، فيكتور تشيرنوميردين؛ ورئيس الحكومة الشيشانية المؤقتة، دوكو زافجاييف؛ ومستشار الرئيس الروسي، أولج لوبوف؛ ونص على:

أ. منح جمهورية الشيشان وضعاً خاصاً، داخل الاتحاد الروسي.

ب. اعتماد جمهورية الشيشان الدستور والتشريع الروسيَّين.

ج. حق الشعوب في تقرير مصيرها المعترف به دولياً. وتأكيد وحدة روسيا وسلامة أراضيها ومجالها الاقتصادي.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل