المحتوى الرئيسى

الشباب وواقع التغييرات العربية بقلم:محمدابوشريفة

06/20 19:36

الشباب وواقع التغييرات العربية

محمدابوشريفة

تعنونت المتغيرات العربية في هذه اللحظة التاريخية بصيغ ثورية استمدت مشروعية خطابها من الحاجات الفعلية للشعوب العربية، وهذه الحاجات ليس فقط ببعدها المادي على الرغم من أهميته بل طالت تلك الحاجات البعد الثقافي مما يحمله من مدلولات قيمية وأخلاقية وإيديولوجية وسياسية.

وظهر الشباب العربي كحامل لكل تلك الحاجات مؤثرا ومتأثرا فيها باعتباره القادر على إحداث عملية التغيير بالصور التي شهدناها في أكثر من بلد عربي. وإن كان الشباب قد لعب الدور المركزي في صناعة التغيير إلا أن هذا الدور ما كان ليتم دون وجود استعدادات واضحة لدى مختلف اطر وشرائح المجتمع العربي، من هنا ينطلق التحليل ليرى مدى قدرة هؤلاء الشباب على وضع موطئ قدم لهم في مختلف المجالات المجتمعية في لحظة التغيير وذلك للحاق بالتاريخ العالمي، ومحاكاة العالم. لأنهم أوجدوا نمطا جديدا في هذه المنطقة لم يكن يحسب حسابه في ما مضى من الأيام، حيث انتفض الشعب وقام لأخذ مصيره بيده.

ويكمن الخوف هنا من أن يكون هؤلاء الشباب مجرد صيغة استخداميه لقوى سياسية واقتصادية عربية تمتلك الفاعلية والخبرة في إدارة الشأن العام. فالخوف مشروع طالما أن هؤلاء الشباب لم يستكملوا بعد منجزاتهم ولم تحضر تلك المنجزات في صيغ مؤسساتية قادرة فعلا على التأثير، إذا هنا تكمن العقبة الأساسية، وحتى لا نعطي الشباب في الشكل الدور البطولي وفي المضمون ينسحبون خارج حدود المشهد الفعلي والمؤثر، فالشباب بنظرنا ليس فقط حالة عمرية يختلف على تحديدها المنظرون بل هم بالتأكيد منظومة قيم جديدة أخذت من الماضي كل ايجابياته وطورت عليه وأعطته شكلا جديدا أكثر فهما للواقع، وأكثر قدرة على ملامسته، وأكثر قدرة على معرفة خواصه والتأثير عليه. هؤلاء الشباب هم اليوم محط أنظار ومحل الاهتمام لكل مراقب ومحلل، وحتى لا يغيب عن وعينا أن أزمة المجتمعات العربية هي أزمة بنيوية وتاريخية وتمتد فصولها إلى ما قبل قيام الدولة الوطنية، وإذا انطلقنا من هذه الرؤية فإننا نعرف بالتأكيد مدى فداحة تلك الأزمات وما تركته لنا من تأثيرات سلبية في بنية تلك الشعوب دولا ومجتمعات و يمكننا القول إن ما أحدثه هؤلاء الشباب هو مجرد بداية لمسيرة نهضة حضارية قد يكتب لها النجاح وقد تتعرض إلى عمليات احتواء سوا كانت داخلية أو خارجية، فالداخل العربي المتمثل بالنظم السياسية ما تزال النخب السابقة حاضرة في مختلف أوجه الحياة العامة، فالنموذج المصري والتونسي حاضر اليوم بكل قوة ليعبر عن مدى فاعلية تلك القوى (الرجعية) والحديث اليوم يدور عن محاولات لثورات مضادة. مما نلحظ من ذلك أن ارتدادات الحراك الشعبي العربي على المشهد الداخلي ما زالت تأخذ بعدا صراعيا محتدما ويطال مختلف مناحي الحياة العامة والخاصة.

أما على الصعيد الخارجي فإن ارتدادات الحراك العربي قد كشفت المعايير المزدوجة لدى القوى الدولية في تعاطيها مع هذه الأحداث والتي تبين بما لا يدع مجالا للشك أن لديها مصالح ونظرة إستراتيجية تحمل بعدا استعماريا لا يتزحزح, فالخطاب الأوروبي والأميركي شاهد على مدى انتهازية تلك القوى ومدى قدرتها على التلون في المواقف أمام تصاعد المد الشعبي العربي.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن المجتمع العربي تأثر بشكل أو بآخر ومنذ بدايات القرن الماضي بمجريات الأمور في دول العالم وتم تصدير الكثير من الأفكار له والتي أخذت طريقها إلى داخله وظهرت تبعا لذلك الامتدادات الفكرية التي سميت لاحقا بأسماء سياسية ومؤسسات ومنظمات عسكرية، وبالتالي فقد تأثر الشباب العربي آنذاك بالتجارب الدولية لحركات التحرر والفكر والثورة .

وبالتأكيد أن النموذج العربي في التغيير اليوم والذي حمل لوائه الشباب أصبح نموذجا عالميا يحتذى به، فالتغير السلمي الذي حدث في مصر وتونس وفي التجربة اليمنية اليوم التي لم تتضح معالمها بعد يعطي لهذا النموذج مزاياه الخاصة ذات الصبغة العالمية لأنه يمتلك القدرة على التأثير في شعوب مختلفة وقد شاهدنا أمثلة على ذلك من المكسيك إلى اسبانيا. لذلك من البديهي أن تتحدد ملامح التغيير واتجاهاته العملية، بمعنى هل هو تغيير سياسي أم تحذيرات للقيادات السياسية الحالية باتجاه استيعاب أزمات المجتمعات العربية وتفهم مشاكلها ؟.

لذلك بدأ العالم العربي في الشهور الخمسة الأخيرة يشهد بدايات تفكك بنية النظم السلطوية بفعل ارتدادات الانتفاضات الشعبية بداية في تونس ومصر، ثم في ليبيا، والبحرين، وغيرها. وأيا كانت أشكال الاحتجاجات فالهدف ظل واحدا وهو سقوط الأنظمة السلطوية، سواء كان كليا عن طريق تغيير شامل للنظام، أو جزئيا عن طريق إدخال بعض الإصلاحات السياسية والاقتصادية. وبالرغم من الاختلافات الموضوعية بين النظم العربية، إلا أنها كانت تتفق في الكثير من السياسات والخصائص، ولذلك كانت مطالب التحركات الشعبية متشابهة إلى حد بعيد. حيث تركزت هذه المطالب على إطلاق الحريات السياسية، وتحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وبالمقابل تشابهت أيضا استجابة النظم العربية لهذه الانتفاضات الشعبية بشكل كبير، حيث اتهم الثوار بالخيانة والعمالة، وتم استخدام العنف والترهيب. كما تشابهت تصريحات المسؤولين العرب التي أكدت أن كل دولة عربية لها خصوصيتها.

لكن إصرار الشارع العربي وبالأخص الشباب منه بالتمسك بالحرية وبالتعبير السياسي بعيدا عن الأحزاب أو الفصائل خير شاهد على ارتدادات الحراك العربي الذي استمد التشجيع من بعضه البعض في تونس ومصر واليمن وليبيا والمغرب والبحرين، ليشكل بذلك إعادة إحياء مفهوم الدولة القومية وإسقاط مفهوم الدولة القطرية المنكفئة عن قضايا الأمة، حيث أصبحت أضيق من أن تستوعب جيل الشباب العربي وتطلعاته للمستقبل، فهذه الدولة لم توفر أسباب الأمان الاجتماعي والوطني والقومي فضلا عن أنها عجزت عن تحقيق النذر اليسير من العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، كما أنها عجزت عن مكافحة الفساد أو الحد منه. وعملت طوال العقود الماضية على تكريس جملة من الشعارات والمعتقدات والمفاهيم التي تقوم على قاعدة ذاتية ومذهبية من قبيل الترويج لمصطلحات "الوطن أولا" و"الإسلام هو الحل" و "حقوق الطائفة أو المذهب"، لتعطي ابعادا مغايرة لهوية المنطقة وذلك بعد انحسار شعار"القومية العربية" واستبدالها بشعارات إقليمية ودينية وطائفية. حيث ارادت مقولات الدولة القطرية ان تقنع الامة العربية بتصنيفات تقسيمية للدين وللعروبة وللأوطان وانها بمثابة صمام الامان لمستقبل يضمن حقوقهم الطائفية والمذهبية، بينما عاقبة هذه التصنيفات هي تجزأة الاوطان والشعوب، وجعلها ارضا مستباحة لاطماع الدول الكبرى. وهنا وقف الشباب العربي ليعلن نبذ الطائفية والتوجه بالبلاد نحو الديمقراطية الحقيقية ونحو الاتحاد بين الشعوب وليس الاتحاد بين الزعماء.

وقد اسقط الشباب العربي خلال انتفاضته مقولة استسلام الشعب العربي وخنوعه لمنظومة التسلط والقوة والبطش، حيث برزت جليا معاني وتعبيرات استرداد روح اليقظة والتحدي والتمرد لدى الشباب العربي، وأثبتت أن هذا الشاب يمتلك مخزوناً هائلاً من إرادة الحياة وإرادة مواجهة القهر والإصرار على نيل الكرامة والحرية، وليس مستغربا أن تحظى الشجاعة التي واجه بها الشباب العربي أنظمة التسلط على إعجاب أحرار العالم، فهي عنوان رئيس لكسر عقدة الخوف التي استمرت لعقود طويلة وهي أيضا تنم عن الجاهزية المطلقة للتضحية بالنفس في سبيل حرية المجتمع وبناء الوطن. فقد خرج الشباب الى الساحات بأقوى مما نزلت به جماهير ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، فما جرى في تونس انسحبت تأثيراته المباشرة في القاهرة وصنعاء والمنامة وغيرهم .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل