المحتوى الرئيسى

الإخوان المسلمون والأقليات الإسلامية

06/20 12:37

بقلم: السيد شعيب

عني الإخوان المسلمون بقضايا المسلمين أينما كان وجودهم انطلاقًا من مبدأ الإخوة الإسلامية التي تفرض على المسلمين التواد والتعاطف والتلاحم فيما بينهم، كما أوصى بذلك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في قوله: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، وقوله كذلك: "مَن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم".

 

لذا فلا غرو أن يهتم الإمام البنا بقضايا ومشكلات المسلمين، ويوصي أتباعه وإخوانه في وصاياه الخالدة التي لا تزال ترن في سمع الزمان "أن تعتقد أن كل مسلم أخ لك تألم لألمه وتفرح لفرحه، وأن كل شبرٍ من الأرض فيه مسلم يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله إنما هو قطعة من حمى الله الذي يجب على كل مسلم أن يذود عنه، ويحتفظ به، ويعمل لخير أهله".

 

ولقد كتب الإمام البنا في قضايا الأقليات الإسلامية كثيرًا من المقالات، ونبَّه إليها في كثيرٍ من المناسبات المختلفات والمواضع المتفرقات، فقد نادى بالأخوة الإسلامية بين كل المسلمين في كل بقاع الدنيا، وجعل نصرة المسلمين من صميم العقيدة فقال: "إن الأخوة الإسلامية جعلت كل مسلم يعتقد أن كل شبرٍ من الأرض فيه أخ يدين بدين القرآن الكريم قطعة من الأرض الإسلامية العامة التي يفرض الإسلام على كل أبنائه أن يعملوا لحمايتها وإسعادها".

 

كما جعل من أهداف جماعة الإخوان المسلمين وأغراضهم: "العمل على استنقاذ الأقليات الإسلامية في كل مكان ومساعدتها إلى الوصول إلى حقها، وتأييد الوحدة العربية والسير إلى الجامعة الإسلامية".

 

لقد سعى الإمام البنا إلى تذكير العالم الإسلامي بقضايا الأقليات الإسلامية وإثارة الوجدان المسلم والشعور الإسلامي تجاه قضايا إخوانه، من ذلك ما كتبه عن ضياع حقوق الأقليات الإسلامية سدى لا سيما بعدما بسط الاحتلال الغربي على العالم الإسلامي سلطانه بأسماء مختلفة من احتلال واستعمار ووصاية وانتداب وتقاسمته على هذا النحو فقال في رسالة:
"هناك الأقليات الإسلامية المنثورة في كثيرٍ من البلدان لا تعرف دولة تلجأ إلى حمايتها، أو حكومة مسلحة تحتمي بجنسيتها كالمسلمين في الحبشة والصين والبلقان وبلاد إفريقية الوسطى والجنوبية والشرقية والغربية" (الرسائل).

 

كما ناشد الإمام البنا المسئولين أن تتحرر وتستقل، وتنال حقوقها، ويُرفع عنها الظلم والحيف، وتكون بمأمنٍ من الظلم والعدوان.

 

ففي ألبانيا ومنذ وقتٍ مبكر طالب الإمام البنا بعودة الحكومة الإسلامية التي كانت في ألبانيا قبل هذه الحرب العالمية الثانية بما أن غالب سكانها من المسلمين من بقايا المهاجرين من الترك والبلقان، فمن الواجب أن تعود هذه الحكومة، ومن العدل والنصفة أن تساعد مساعدة فعلية على أن تكون حامية لحقوق الأقليات الإسلامية في بلاد البلقان، ففي يوغسلافيا وفي اليونان وفي بلغاريا وفي غيرها أقليات إسلامية مظلومة يعتدي عليها، وتستلب حقوقها ولا يدري بذلك أحد، والمسلمون في كل مكان أمة واحدة يسعى بذمتهم أدناهم إذا اشتكى عضو منهم تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، فمن الواجب أن تسند مهمة الإشراف على إنصاف هؤلاء إلى أقرب الحكومات الإسلامية إليهم.

 

كما ناهض فكرة ضم اليونان لجنوب ألبانيا، وأرسل برقيةً إلى وزير اليونان المفوض جاء فيها:

بعد التحية والاحترام، يتقدم الإخوان المسلمون- وهم يعبرون عن الرأي العام الإسلامي- بالاحتجاج الشديد على طلب ضم بلا حق أو دليل.

 

فقد تواترت الأنباء معلنةً أن اليونان تقدمت إلى مؤتمر وزراء خارجية الدول الكبرى مطالبةً بهذه البلاد الألبانية الأصيلة التي يسكنها شعب ألباني خالص.

 

وكنا نعتقد أن اليونان التي حاربت للدفاع عن حريتها، وذاقت آلام التمزيق، وعانت مصاعب الاحتلال، وقاست أهوال المطامع وجشع الجيران، تربأ بنفسها عن هذا الظلم وتترفع عن هذا الطمع؛ لأنها الدولة التي تقول إنها حاربت وتألمَّت وتحمَّلت في سبيل الديمقراطية؛ ولأنها وقَّعت على ميثاق الأطلنطي الذي يقرر حرية تقرير المصير ويقطع الطريق على اعتداء الجار على الجار.

 

يا صاحب السعادة: إن المباحث الجيولوجية والحقائق الجغرافية تظهر بطلان هذا الادعاء، وإليكم ما قاله الدكتور "مارتن أوريان" في كتابه "التشكيلات الاجتماعية في جنوب ألبانيا": "إن جنوب ألبانيا هو الأرض التي ترويها أنهار مشكوميني وكايفولي وأرسون وبسترنسا وبافلا، وتشتمل هذه المساحة على مديريات البسان- يراث فالونا- كورنزا- أرجيروا كاسترو".

 

أما من وجهة النظر العنصرية، فهذه لو حققت ونظرت بمنظار العدل لكانت نتيجتها مضادة لأطماع اليونان، فلألبانيا ثمانون ألفًا من الألبانيين المسلمين في مقاطعة يانينا، وليس لليونان إلا نسبة ضئيلة لا تُذكر في جنوب ألبانيا الذي يوجد فيه 90% من السكان ألبانيين، والبقية ولا يزيدون عن 10% خليط من رعاة العرب والبلغار واليونان.

 

وإذا ادَّعت اليونان أن ضم هذه البلاد تقتضيه ضرورات عسكرية، فإن الأدلة قامت على عكس ذلك، فتخطيط الحدود أثبت عكس ذلك، وجبال الجراموس الموازية للحدود وقفت سدًّا منيعًا لحماية اليونان، وقد تمكن بفضلها الجيش اليوناني الصغير من هزيمة الإيطاليين شر هزيمة.

 

بقي أن اليونان تدعى أن سكان هذه البلاد أرثوذكس، وهذه حجة خطيرة أولى لليونان ألا تثيرها؛ لأن فيها من الأقليات المسلمة ما يصح أن تطالب بتبعته أية دولة إسلامية، وهذا كلام قديم لا يصح أن يثار في هذا العصر الذي كفلت فيه حرية الأديان، وإلا لصح أن تطالب ألبانيا بمقاطعة يانيتا في اليونان والبوسنة والهرسك في يوغسلافيا.

 

إن حماية الأقليات الدينية في الدول المجاورة حجة باطلة وفكرة خبيثة شريرة لا تتمشى مع روح هذا العصر التي تحققت فيه الحريات الدينية.

 

إن اليونان لها من الروابط بالبلاد الإسلامية والعربية ما جعلها تحظى بالعطف في أيام محنتها، فقد فتحت لها أذرع العطف والرعاية وتدفق اللاجئون فلم يشعروا أنهم أغراب بل عوملوا بالمحبة والاحترام، ووجدت الحكومة اليونانية نفسها في بلاد صديقة أحسنت ضيافتها وقدمت لها كل أنواع المساعدات.

 

فلعل اليونان لا تقطع هذه الصلات ولا تضحي بهذه العواطف؛ لأن الاعتداء على استقلال ألبانيا واغتيال شبر واحد من أراضيها سيشعر العالم الإسلامي بالمرارة والأسف، ويدفعه إلى اتخاذ كل ما يكفل السلامة لهذه الشقيقة الصغيرة الباسلة.

 

وإن ألبانيا ستدافع عن حقِّها بكل وسيلةٍ يؤيدها الحق وتسندها مجموعة الشعوب الإسلامية وحكوماتها.

 

وأملنا أن تسحب اليونان هذا المطلب الظالم الذي لا يؤيده دليل أو يقويه حق.

 

وفي انتظار رفع هذا الاحتجاج لحكومتكم الموقرة نُقدِّم لكم وافر الشكر والاحترام".

 

كما عملت مجلات الإخوان المسلمين وصحفهم على الاهتمام بقضايا الأقليات الإسلامية، ففي مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية وتحت باب (ما يجب أن تعرفه عن) قامت المجلة بنشر تاريخ المسلمين وأوضاعهم ومشكلاتهم في العديد من البلاد الآسيوية والأوربية والأفريقية مزودة القارئ بالصور والمعلومات التاريخية والجغرافية والسكانية والسياسية والاجتماعية عن مسلمي هذه البلاد والمراكز الإسلامية الموجودة في هذه الدول...إلخ.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل