المحتوى الرئيسى

د. نادر فرجاني يكتب:عودوا إلى الشعب.. صاحب السيادة ومصدر السلطات جميعا

06/20 14:39

هل تعاني السلطة الانتقالية، المجلس الأعلى للقوات المسلحة وحكومته برئاسة د. عصام شرف، من الفصام، وتتمزق ليل نهار بين الدور التاريخي والشريف، الوحيد الواجب، والذي يقضي بالحرص على ثورة شعب مصر الفل، وبين أغراض وأهواء مُبطنة، وضغوط لا تطيق تحملها أو مقاومتها؟ أو أنها كانت تحاول أن تتجمل بطبقة كثيفة من الأصباغ الثورية والتي بدأت تتهاوى تحت وقع تراكم التصرفات المتتالية التي تنتمي إلى عهد حكم الرئيس المخلوع؟

الكاتب ممن يقدِّرون للمجلس أن أعلن أنه لن يوجه سلاحه للشعب عاري الصدور، ويقدِّر أن أظهر رئيس حكومة المجلس أنه يستمد شرعيته من الثورة. ولكن الرجل ارتضى أن يكون مقصوص الجناحين مغلول اليدين. وزاد على ذلك أن اصطنع له معاونين ينتمون إلى عصر الرئيس المخلوع، ذهنيا، إن لم يكن انتماؤهم عضويا كحال وزير ماليته الذي عينه الطاغية المخلوع وولده في أكثر من موقع (لجنة السياسات، مجلس الشعب، رئاسة اللجنة الاقتصادية بالمجلس، ووزارة المالية) في أيام حكمه الأخيرة.

وبناء عليه، ينطبق التساؤل في صدر المقال، على الحكومة بدرجة أشد، حيث قدّم رئيس الحكومة مسوغات انتمائه لثورة شعب مصر، بينما يشي قوام حكومته بتغلغل شخوص وذهنيات عصر الحكم التسلطي الذي سعت الثورة لإسقاطه. ومن ثم فليس بمستغرب أن تقدم حكومته، ومستشاريها، الدلائل بشكل شبه يومي، على نقيض الشعار المشهور، على أن حكومة مصر بعد 25 يناير لا تختلف في سياساتها عن حكومة مصر قبل ذلك التاريخ. ولا يفلح مع تراكم هذه المظالم، التي أدت إلى اندلاع الثورة في المقام الأول، الأدب الجم والدماثة الفائقة اللذان يبدي د. شرف ولا التمتمة  المحببة: "إنشاء الله، بإذن الله"!

أيا كانت الإجابةعلى التساؤل، تبقى المعضلة بأن السلطة الانتقالية تبدو غير قادرة على حكم البلاد بما يفضي إلى نيل غايات ثورة شعب مصر الفل في الحرية والعدل والكرامة الإنسانية من خلال الانتقال الآمن والسريع إلى الحكم الديمقراطي الصالح ما يهدد فعليا بتصفية الثورة على يد السلطة الانتقالية.

لا نريد الاستغراق في تقديم الأدلة على هذا التقييم ونكتفي ببعض إشارات يمكن توثيقها بسهولة.

لا يثور شك في ذهن الكاتب أن المجلس قد ارتكب أخطاء كثيرة، يقارب بعضها الخطايا. ولا يفيد في هذا الصدد تكرار الإنكار، فعندما يكون هناك داع للخجل، يصبح الإنكار ضربا من الاعتراف الاعتذاري.

ويأتي على رأس هذه الأخطاء انتزاع المجلس لنفسه السلطة، في التشريع ورئاسة السلطة التنفيذية، مطلقة من خلال الإعلان الدستوري الذي أنشأ، في مجمله، من طرف واحد، من دون أي استشارة شعبية. وتلى ذلك الإعلان بممارسة السلطة المطلقة بأشكال غابت عنها الحكمة ويشتم منها طغيان غشوم في أحيان كثيرة .

ولا يقل أهمية أن كل المحاكمات التي تجرأت السلطة الانتقالية على عقدها لرؤوس نظام الساقط، بعد تباطؤ مريب، تجري في ظروف تبدو مصممة لضمان حمايتهم من مجرد المعاملة كمتهمين بجرائم دنيئة. وقد تنتهي، خاصة بسبب قصور القوانين والإجراءات التي اصطنع حكم الفساد والاستبداد، والتباطؤ المتعمد لتسوية المتهمين لأوضاعهم، وتكييفات النيابة البهلوانية في الفنيات القانونية الدقيقة إلى إطلاق سراحهم، بكفالة مالية لا توازي إلا نذرا يسيرا مما نهبوا من الشعب، أو تبرئتهم في النهاية، بحيث ينجلي غبار المحاكمات في النهاية عن أن لا أحد من أساطين النظام الساقط قد نهب مصر، ولا يعود مليم إلى خزينة الشعب التي نهبوها، وأن لا أحد منهم قتل خيرة شبابها. وقت الكتابة مثلا كانت "السيئة" الأولى مطلقة السراح على الرغم من إدانتها بالتزوير واتهامها بنهب الآثار بالتواطؤ مع وزير الآثار في حكومة السلطة الانتقالية، وكان الفاسد الأكبر " حسين سالم" قد أفلت من المحاسبة في مصر.

كما صدَّر المجلس والحكومة كليهما، المتزلفين والمنافقين والمتشدين دينيا الذين قُدّموا باعتبارهم وجهاء المرحلة وسفراء السلطة الانتقالية إلى الشعب، وبلغ السفه بأن تردد عن أحدهم أنه نعق بأن من ينقد المجلس يعد مرتدا! وليس المهم إن قال ذلك من عدمه ولكن المهم أن المناخ السائد يفضي إلى الميل باتهامه بهذا الافتراء! وقدّم هؤلاء أنفسهم، وبرزَّتهم السلطة الانتقالية، على أنهم "دعاة" لاستجلاب الاتباع الساذج من غالبية البسطاء المتدينين بالسليقة. وليست صفة "داعية" المدعاة وظيفة أو مهنة، فليس في الإسلام كهنة أو كهنوت، وهي إحدى مزايا الإسلام ومن كبريات فضائل الخالق على المسلمين.

بسبب هذا، وغيره، وعلى خلاف تأكيد المجلس بأن الدولة القادمة لن تكون عسكرية ولا دينية، يُخشى أن طبيعة الحكم التي ستسفر عنها عملية الانتقال التي يصر عليها المجلس، وتبدو الحكومة قليلة الحيلة بصددها، ستكون مزيجا بين الدولة ذات "المرجعية الدينية"- الساعية للانتقاص من الحقوق المدنية والسياسية للنساء وغير المسلمين- والعسكرية- على الأقل بتحصين القوات المسلحة من المساءلة كما تردد في جنبات مؤتمر "الوفاق" الوطني على لسان أحد أعضاء المجلس البارزين وأيده بعض البسطاء تملقا، وبتعيين قادة عسكريين لرئاسة مؤسسات مدنية، وتحصين العسكريين من المثول أمام القضاء المدني في قضايا الكسب غير المشروع ولو بعد الخروج من الخدمة، ما يشي بتأسيس أرستقراطية عسكرية من جديد وتحويل المصريين غير العسكريين إلى مواطنين من الدرجة الثانية. ولا يصح هنا الاعتداد بإدعاء عضو في المجلس العسكري بأن مصر كلها أصبحت منطقة عسكرية. هكذا من دون إعلان أو تبرير، ياللهول، ماذا فعلت بنا هذه السلطة الانتقالية! ونتساءل لماذا تذهب الشرطة العسكرية لفض الاعتصامات مسلَّحة بالرصاص الحي؟ ألا يعني هذا إن إطلاق الرصاص على المعتصمين هو مسألة وقت ليس إلا، ولو عن طريق الخطأ؟
والخشية كل الخشية أن تؤدى بذور الصراع الكامنة في طيات هذا المزيج المتفجر إلى أن يتفجّر علنا في حلقة جديدة من النزاع العنيف بين العسكريين والتيارات الإسلامية المتشددة ينكوي بناره مصر والمصريين جميعا.

ولا شك في أن إخفاق المجلس وحكومته الأكبر هو في الفشل في ضمان الأمن بدعاوى ساذجة أحيانا ومستهجنة في أحيان أخرى. وقد أهمل المجلس، ورئيس الوزراء ووزرائه ومستشاريه، بتصميم يثير الريبة، أن التشكيل العسكري الإجرامي لوزارة الداخلية تحت نظام الحكم الساقط كان قد فسد حتى النخاع بحيث أصبحت مهمته التي يُكافئ عليها بسخاء هي ترويع المواطنين بدلا من ضمان أمنهم وحماية حقوقهم. ومثل هذا الصنف من الفساد لا يجدي فيه الترقيع التجميلي على السطح الخارجي كما دأبت الحكومة ووزراء داخليتها. بل اتهم وزير الداخلية السابق في آخر حكومات الجلاد المخلوع، حكومة أحمد شفيق، باشتراكه في تدبير موقعة الجمل الحقيرة. ومؤخرا تمادت الداخلية تحت الوزير الحالي الذي تأكد فشله في مهمته، على تحدي الحس الشعبي بإدارة محاكمة المجرمين من أفراد وضباط الشرطة السابقين، وبترقية بعض من كبار ضباطها الأسوأ سمعة والمتهمين بقتل المتظاهرين والتبجح بإهانة الشعب وإذلاله من قبل "أسياده" من الشرطة، خسئوا وخسئت مثل هذه الأجهزة جميعا. وبعد أن كان الشعب يقاسي بطش التشكيل العصابي للشرطة تحت النظام الساقط، أصبح معرضا أيضا لترويع الشرطة والقضاء العسكريين، في مخالفة صريحة للإعلان الدستوري المجلس العسكري وللمبادئ الفوق دستورية المستقرة. وفي أحيان تواطأت النيابة العسكرية مع الشرطة لترويع المواطنين، كما حدث مؤخرا مع الشاب محمد شمس الذي فقد بصره نتيجة لاعتداء ضابط شرطه وتعنته في علاجه، ولم تنصفه النيابة العسكرية، ولا يجب أن ننسى اعتداء الشرطة العسكرية على عمال شركات قناة السويس المعتصمين وتكرر إحالة الإعلاميين إلى النيابة العسكرية. وعلى العموم يبدو أن مهام جهاز أمن الدولة المنحل، قد آلت، ربما مع قدر من التحسين الشكلي، لجهات عسكرية.

وقد انتقص من إنجازات السلطة الانتقالية في المجال الإقليمي، أي المصالحة الفلسطينية وفتح معبر رفح، أن عادت، بضغوط أمريكية، لضخ الغاز للعدو الإسرائيلي، على الرغم من رفضه مراجعة الأسعار لتحقيق ولو حدا أدني من العدالة وترددت الأنباء عن زيارات سرية لمسئولين إسرائيليين لمصر، ما يوحي بالعودة للانضواء تحت ضغوط المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة العربية.

ولعل أخطاء الحكومة أكثر.

فقد رسبت الحكومة في أول اختبار حقيقي لتحقيق العدالة الاجتماعية، التي ادعت حرصها عليها، وركعت أمام سطوة رأس المال وضغوط رجال الأعمال وفئات "المستثمرين" دون أدنى مقاومة.

تراجع وزير المالية المخاتل عن الإصلاحات البسيطة على هيكل الضرائب والمستهدِفة لقدر بسيط من العدالة الاجتماعية، ما يدل على استمرار سياسات ولي العهد المخلوع في الرأسمالية المنفلتة والبربرية. ويتعين توضيح أن ما تنازلت عنه السلطة لأصحاب الأموال، بسرعة وعن طيب خاطر، ليس حقها، وإنما بعض قليل من حق المستضعفين المطحونين في هذا البلد الذين تواجههم بالحديد والنار إن تجرؤا على التظاهر أو الاعتصام المشروعيّن للمطالبة بحقوقهم المهدرة منذ عقود.

بمواقفه من رأس المال، مثل إلغاء الضرائب على الأرباح الرأسمالية بمجرد تذمر أصحاب المال. وشدة عنف حكومته تجاه المستضعفين الذين ادعت تمثيلهم، مثل فض الاعتصامات بالعنف وتحويل العمال المعتصمين للقضاء العسكري، أثبت د. عصام شرف أنه ابن بار لمجلس سياسات جمال مبارك الذي كان عضوا فيه. وأن أداء حكومته مازال رهينا لأساليب حكومة الجلاد المخلوع وولي عهده.

ويلاحظ أن الضريبة المقترحة على الأرباح الرأسمالية كانت 5% فقط، أي اقل من السائد في معظم البلدان الرأسمالية. ويبين هذا التراجع أن منطق الرأسمالية البربرية وسحق الكادحين ما برح يحكم حكومة شرف، كما كان تحت نظام حكم المخلوع.

هناك أيضا التدليس المفضوح في مسألة الأجور، فبدلا من تطبيق الحكومة لحكم القضاء بوضع حد أدنى للأجور يساوي 1200 جنيه، تحايل وزير المالية المخادع بالوعد بهذا الحد بعد خمس سنوات، لن يصبح المبلغ المستهدف وقتها كافيا للوفاء بالحد الأدنى من العيش الكريم لأبناء الشعب، وتجاهلت الحكومة تماما مسألة وضع حد أعلى للأجور بما يمكن أن يتيح الموارد لتمويل حد أدنى لائق وتغاضت عن الإصلاح المالي اللازم لإقامة العدل مهرولة للاقتراض الخارجي الضخم، الراهن للإرادة والمدمر للمستقبل.

على الخصوص، تبدو حكومة شرف وكأنها تتقمص شخصية حبيب العادلي، مجرم البطش السابق، في مواجهة المعتصمين من المستضعفين، مغلظة العقوبات حتى بالمقارنة مع العهد الساقط، بينما تركت الحكومة والمجلس العسكري البلطجية يمرحون!! حتى اصبحت "حيازة "أسلحة خشبية"، تهمة جديدة توجه للمعتصمين. فمن من مستشاري د. شرف أخذ مكان مفيد شهاب، ترزي قوانين إرهاب الشعب وقمعه؟! ولا ننسى هنا أن مستشارا "شابا" لرئيس الوزراء، أصدر منذ اسابيع "همهمات" استبدادية بشأن قمع التظاهرات لمجرد استنشاقه للسلطة، فماذا سيفعل لو امتلكها؟

في النهاية، على الرغم من انفراد السلطة الانتقالية باتخاذ القرار من دون استشارة شعبية تُذكر، فقد اختارت أن تأخذ موقف المراقب المحايد من مكافحة أعداء الثورة، أو المهادن لهم، وتكتفي بتحذير الشعب من أن استمرار البلطجة والاعتصامات (هكذا، على حدسواء؟!) سيؤدي لانتكاس الثورة. ومن سيكون المسئول حينئذ، متخذ القرار أو الشعب المسكين المفعول به؟

المجلس العسكري يقول لنا أن البلطجة والاعتصامات ستؤدي إلى انتكاس الثورة. فمن المسئول عن القضاء على البلطجة إن لم يكن المجلس وحكومته. ولو تصرفا مع البلطجية كما يتصرفون مع العمال المعتصمين بسبب مظالم حقيقة، مثل إحالة خمسة من عمال بتروجت للقضاء العسكري وسجنهم، لما بقيت بلطجة!

أم أن المطلوب هو تكدير الشعب ومعايرته بالثورة، وتهيئته لانتكاس الثورة، أو تهديده بهذه النتيجة المستهدفة من قبل السلطةالانتقالية؟

إن أصل البلاء في خطايا السلطة الانتقالية هو استنساخ سوءات نظام الطاغية المخلوع في تقييد المشاركة الشعبية وتهميش الشعب ومحاولة الاستخفاف بعقول المصريين من خلال الحوارات المدارة والإعلام الرسمي المسيّر، والمزيف للوعي من خلال تشجيع التملق والتزلف للسلطة الانتقالية والتجمل السطحي بالإنكار المتكرر للأخطاء، مع خنق المشاركة الشعبية الواسعة والعميقة، وليس أدل على ذلك من أن بعض مراسيم المجلس العسكري قد خرجت مشرِّعة نقيض ما توافق عليه أعضاء منتديات الحوار التي دعت لها السلطة الانتقالية ذاتها (مثل تفضيل القائمة الفردية في انتخاب مجلس الشعب، ما يفتح الباب لاستمرار الممارسات الانتخابية التي كرسها نظام الحكم الساقط من سيطرة المال والبلطجة على الانتخابات).

وإذا أصرت السلطة الانتقالية على اتباع طريق نظام حكم الفاسد المخلوع في تهميش الشعب، فليس لها إلا مصير ذلك النظام، وإن طال الأمد.

ومن هنا عنوان المقال، أملا ورجاءً!.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل