المحتوى الرئيسى

كلمة أخيرة فى موضوع ممل

06/20 08:11

أدرك أن غالبية القراء بدأوا يشعرون بالملل من هذا الجدل المحتدم حول قضية: الدستور أم الانتخابات أولاً؟

ومعهم كل الحق، فحالة «التخندق» الراهن بالنسبة لقضية يفترض أنها بالغة الأهمية حوّلت الحوار المأمول حولها إلى جدل عقيم لا طائل من ورائه ولا جدوى. ولأننى لست منخرطاً تنظيمياً فى أى حزب أو جماعة أو حركة سياسية، لا أعتبر نفسى طرفاً فى أى خصومة سياسية، وليس علىَّ سوى أن أقول كلمتى وأمضى، شأنى فى ذلك شأن أى مواطن أو صاحب رأى، لذا أرجو أن يسمح لى قرائى بكلمة أخيرة فى هذا الموضوع «الممل»، رغم تسليمى بعدم جدوى استمرار الحديث فيه.

 يدفعنى إلى ذلك شعور بالانزعاج من حالة الاستقطاب القائمة حالياً، التى نجمت فى تقديرى عن خلط شديد فى الأوراق، تبدو فيه الساحة السياسية منقسمة إلى فريقين لا يجمع بينهما رابط. فهناك فريق صوّت بـ«نعم» فى استفتاء 19 مارس، يحاول البعض إظهاره وكأنه الفريق الأكثر التزاماً بالديمقراطية، والأمضى إصراراً على السير وفق النهج الذى حدده الاستفتاء، والذى يقضى، من وجهة نظره، بإجراء الانتخابات البرلمانية أولا.

وهناك، على الطرف النقيض، فريق آخر صوّت فى الاستفتاء بـ«لا»، ويحاول البعض إظهاره وكأنه يرفض الالتزام بما قررته الأغلبية، ويسعى للالتفاف على نتيجة الاستفتاء، تارة بالتشكيك فى نتائجه، وأخرى بطلب الفتوى من مجلس الدولة... إلخ، بل لقد ذهب البعض إلى حد التأكيد أن الذين صوّتوا على الاستفتاء بـ(لا) «ليبراليون» و«علمانيون» و«لا يمتون إلى الإسلام بصلة»، وهو كلام سخيف وخطر. هو سخيف لأنه لا يمت للحقيقة بصلة، ولا أعتقد أن الذين يقولون به يعرفون أصلا معنى الليبرالية أو العلمانية، وهو خطر لأنه يصنف الناس وفق أيديولوجيات سياسية معينة، ثم يتهم كل من ينتمى لها بالكفر والخروج على دين الإسلام.

صحيح أن هناك أغلبية ساحقة صوّتت على استفتاء 19 مارس بـ«نعم»، وأن هناك أقلية صوّتت بـ«لا»، لكن من يجرؤ على القول بأن كل من صوت بـ«نعم» هو مسلم صحيح الإيمان، وأن من صوّت بـ«لا» غير مسلم بالضرورة أو «غير صحيح الإسلام»، وبالتالى فهو بالضرورة إما أن يكون «نصرانياً» أو «ليبرالياً» أو «علمانياً». فلا يمكن لحوار يدور فى مثل هذه الأجواء المسمومة أن يفضى إلى أى نتائج مثمرة. الأخطر من ذلك أن تياراً سياسياً بعينه أعطى لنفسه الحق فى التحدث باسم فريق «نعم» للإيحاء بأن 78% من الشعب المصرى صوتوا له ومنحوه ثقتهم وهذه فرية كبرى!

ومن بين أسخف الحجج التى تتردد بكثافة الآن إصرار البعض على القول بأن أغلبية الناخبين فى مصر صوتوا لصالح الانتخابات أولاً، فهؤلاء يتجاهلون عن عمد أن الاستفتاء جرى على مجموعة كبيرة من المواد، وأنه فرض على الناخبين أن يصوتوا بـ«نعم» أو «لا»، على كل المواد التى تم تعديلها فى الدستور دون تمييز، مما جعل من المستحيل الادعاء بأن نتيجة الاستفتاء تخص مادة أو فقرة أو للإجابة عن سؤال بعينه. فلو كان قد أتيح للناخب أن يصوت على كل مادة على حدة لاختلفت النتيجة بالقطع، ولتفاوت عدد المصوتين بـ«نعم» أو «لا» من مادة إلى أخرى. ولأن كلاً منا صوت بـ«نعم» أو بـ«لا» لدوافع واعتبارات مختلفة، فمن التعسف الادعاء بأن 78% من الناخبين قالوا «نعم» للانتخابات أولاً، أو قالوا «لا» للدستور أولاً. أما الإصرار على هذا الادعاء فينطوى، فى تقديرى، على نوع من التدليس والتضليل، لا أعرف له سبباً ولا أرى له ضرورة.

المطالبة بالدستور أولاً ليست موقفاً موجهاً ضد التيار «الإسلامى» أو معادياً للديمقراطية ولا ينطوى على أى محاولة للالتفاف على رأى الأغلبية. إنها وجهة نظر منطقية تحتمل الصواب والخطأ، وترتكز على حجج قانونية، كان يمكن حسمها بالاحتكام إلى مجلس الدولة لإصدار فتوى توضح ما التبس على غير المتخصصين، لكن التشنج كان سيد الموقف للأسف، وآمل ألا يتطور الموقف إلى الأسوأ، فرغم موافقتى على اللجوء إلى مجلس الدولة لإيجاد مخرج قانونى من أزمة سياسية، فإننى لست مع هؤلاء الذين يريدون نقل المعركة إلى الشارع وجمع توقيعات تطالب بـ«الدستور أولاً»، وآمل أن يتوصل الجميع إلى كلمة سواء، وأن تكون تلك هى المرة الأخيرة التى أضطر فيها للحديث عن هذا الموضوع «الممل».

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل