المحتوى الرئيسى

دى مش نخلة يا ماما

06/20 08:11

كثيرًا ما تساءلتُ: لماذا فجّر الثورةَ جيلُ اليوم الألفينىّ، دونًا عن جيلى، والأجيال السابقة! جيلٌ رميناه بعدم تحمّل المسؤولية، والرغبة عن القراءة، وضحالة المعرفة، وفقر الانتماء للوطن، والانخراط فى الاستهلاك والمُلهيات العابرة، حتى فاجأنا، جميعًا، بأنه يعرف جدًّا، وينتمى جدًّا، ويتحمل المسؤولية جدًّا! إليكم حكاية طريفة قد تفسّر الفرق بين جيل الثورة، وما سبقه من أجيال.

عند مدخل الحى الذى أسكنه، توجد نخلةٌ عالية، تفوق ما حولها من أشجار وبنايات، شديدة الاستقامة، لا تعتور جزعَها انحناءةٌ. عمودية على الأرض بزاوية قائمة حاسمة. أوراقُ جريدِها مُشذّبة منسّقة حاسمةُ التماثل والانتظام والاخضرار، لا تشوبها ظلالُ صُفرة أو جفاف! أعجوبةٌ بين نخيل الأرض! لسنواتٍ سبعٍ، كلما مررتُ بها أقف برهة، وأقول: «سبحان الله!» حين دخل ابنى قسم العمارة بكلية الهندسة، فكرتُ أن أعطيه درسًا فى الجمال. أخذته إلى حيث النخلة الفريدة وشرعتُ فى سرد المحاضرة: «انظرْ يا مازن إلى هذه النخلة.

 ماذا يريد أن يقول لنا اللهُ عبرَها؟ هنا رسالةٌ تقول: كل ما تعلمتموه من هندسة إقليديسية وديكارتية وحساب مثلثات وزوايا قائمة ونظريات تماثل واتزان وهارمونية بنائية ولونية وفراغية، هى أمور بسيطة جدًّا علىّ، أقدّمها لكم فى هذه النخلة النموذج، لكننى، أنا الله، صانعُ الجمال، المبدع البديع، أحببتُ أن أعلمكم أن الجمال البكر لا يأتى من الانتظام بقدر ما يأتى من الفوضى، ولا يأتى من اخضرار أوراق الشجر وتنوعها، بقدر ما يأتى من مزيج الأخضر والأصفر والبنّىّ، ومن والوقوف بين اللين والجفاف، الصحة والعطب، الاكتمال والنقصان.

 لذلك خلق اللهُ لنا النخيلَ والشجر والزهر والجبال والبشر ووو...، لا تشبه إحداها الأخرى، ولا يطابقُ أحدُها سواه. هنا درسٌ صعب فى الجمال يا صغيرى، فحاول أن تتأمل هذه النخلة، وتقارن بينها وبين بقية نخيل الحى التى تنحنى وتتمايل وتصفرُّ أوراقُها وتسقط....» قاطعنى صغيرى وقد ضجر من محاضرتى قائلا: «بليز يا ماما اوعى تقولى الكلام ده تانى قدام حد، انتى كاتبة ولك اسمك!» رمقتُه والشررُ يتطاير من عينى، لأنه أفسد علىّ اللحظة. فبادرنى بهدوء: «دى مش نخلة يا ماما! دى برج تقوية لشركة محمول! عملوه على شكل نخلة كى يتناغم مع طبيعة الحى الخضراء!» وبهدوء وجّه كاميرا موبايله إلى النخلة مقتربًا بالزووم من رأسها، وسألنى: «شايفه، إيه اللى تحت الجريد ده؟» فقلت له: «بلح!» قال: «لأ، دى أجهزة التقاط الموجات!».

الذى حدث ببساطة أن ابنى، وجيله، يرون الواقعَ كما هو، ببساطة. أما أجيالنا، فلا ترى إلا الحُلم. نرى ما نريد أن نراه. نلوى عنقَ الواقع ليطابق الحلمَ الذى يسكننا. وددتُ أن أرى برجَ التقوية نخلةً، فكان نخلةً سنوات طوالاً! نفس ما فعله أحمد رامى، حين ظلّ يكتب قصائده لسنوات فى فتاة تجلس وراء المشربية وتضع طرحة على رأسها. وفى يوم انفتحت شراعةُ المشربية وشاهد رامى امرأةً ترفع غلالة القماش عن «القُلّة» الموضوعة على جلسة الشباك وتشرب. فأدرك الشاعرُ أن فتاته التى عشقها ليست إلا «قُلة» من خزف. نحن غرقنا فى القراءة، فصنعت الكتبُ حائلاً ضخمًا بيننا وبين الحياة، وغرقنا فى الحلم. الجيل الجديد أغلق الكتاب، وأنصت بعمق إلى وقع الواقع المرّ، فشاهد الفقر والقمع والمرض والجهل، فانتفض وثار!

منذ سنوات، كنت أتجول فى شارع «مصر والسودان» بحدائق القبة. شاهدتُ دكانًا لبيع الزهور مكتوبًا على يافطته: «عَبَدَةُ الزهور الجميلة»، تعجبت من ثقافة صاحب المحل ودخلتُ لأحييه على العنوان المبتكر الذى حاكى فيه أساطير الإغريق فجعل من الزهور إلهة ومن محبى الزهور عبيدًا للجمال. اندهش الرجلُ من جهلى وأُميّتى وقال لى: سلامة الشوف يا هانم: اليافطة بتقول: عبده، للزهور الجميلة. عشان أنا اسمى «عبده»!! هكذا وضعت عيناى نقطتين فوق حرف الهاء، لألوى عنق الواقع. لا شك لن يقع ابنى، وجيله، فى هذا الخطأ اللغوى الساذج.

fatma_naoot@hotmail.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل