المحتوى الرئيسى

المتنبئ والمتنبي بقلم:ياسين السعدي

06/20 00:37

هدير الضمير

المتنبئ والمتنبي!!

ياسين السعدي

المتنبئُ، بالهمزة المتحركة في آخرها، هو الذي يستقرئ المستقبل ويربط المقدمات بالحقائق الماثلة التي يمكن أن توصل إلى نتائج متوقعة. وهي من الماضي الرباعي المطاوع (تنبأ) الذي يدل على أن الحدث كان متوقعاً، سواء وقع أم لم يقع، كما يحدث فيما يعرف بالنشرة الجوية حيث يتنبأ الراصد الجوي بحالة الطقس بناء على معطيات تعلمها من خلال متابعتها وملاحظاته وخبرته التي اكتسبها.

أما المتنبي، بالياء المنقوطة، فهو مدعي النبوة، كما نعرف من ادعاء الشاعر العربي المشهور، أبي الطيِّب، أحمد بن الحسين، الذي غلب عليه لقب المتنبي؛ لأنه ادعى النبوة لتحقيق طموحاته التي كان يتطلع إليها في الجاه والسلطة، ولم يصل إلى غايته من ادعاء النبوة، وإنما صار نبياً في ميدان الشعر، كما وصفه الشاعر القروي رشيد سليم الخوري؛ بمناسبة ذكرى مرور ألف سنة على ميلاده:

نبي ولو ضَجَّتْ شيوخٌ ورهبانُ ***** وهل بعد إعجاز ابن كندةَ بُرهانُ؟

وكثيرون هم الذين ادعوا النبوة قديماً وحديثاً، فصاروا متنبين. أما الذين لهم خبرة علمية وعملية في استقراء المستقبل، فهم متنبئون وشتان بين المتنبي والمتنبئ.

طرفة عن مدعي النبوة

ادعى النبوة أحد الزنادقة في زمن الخليفة العباسي، أبي جعفر المنصور. فجيء به إلى الخليفة الذي قال له إن لكل نبي معجزة أو معجزات، وسأله عن معجزاته التي يدعيها.

أجاب ذلك المتنبي: معجزتي هي إحياء الموتى. فقال له المنصور: وكيف ذلك؟ قال: اقطع رأس عمك علي بن عيسى وأنا أحييه لك هذه اللحظة. وكان علي حاضرا فقال سريعاً: أنا أول من أؤمن به يا أمير المؤمنين. فضحك الجميع وأخلى المنصور سبيله بعد أن استتابه.

هل كان القذافي متنبئاً؟

بعد أن بدأت الثورة الليبية راح العقيد معمر القذافي (يقذف) حمم سخطه على الثوار المتمردين الذين وصفهم بالجرذان حينا، وبالمهلوسين حيناً آخر، وبالعملاء والمأجورين والإرهابيين، وغير ذلك من الصفات.

كان مما ردده، وتردده الفضائيات عنه كثيراً، عبارة يهاجم فيها (بعض) الأنظمة العربية، ويصفها بأنها صارت أنظمة (مهترئة)، قائلاً: أمريكا تعرف أن بعض الأنظمة العربية صارت غير صالحة لخدمة المخططات الأمريكية، وأنها بحاجة إلى التغيير فهي expirede في إشارة إلى أنه مثقف ويتقن الإنجليزية، مع استحضار أفكاره النيرة وهو يبحث عن صفته التي استدل عليها بعد جهد جهيد، واصفًاً نفسه بأنه (عميد القادة العرب) بأسلوبه القذافي المميز، الذين وصفهم بأنهم expirede وأنه بريء من هذه التهمة، لأنه قائد ثورة، وليس زعيما وليس له منصب رسمي.

كنت أعتقد أن هذه الملاحظة التي ترددت ولا تزال تتردد حتى اليوم عبر فضائية الجزيرة خاصة، من شطحات خياله الخلاق والمتميز بالفكر الثوري والإصلاحي، وبأن أمريكا تريد استبدال الأنظمة العربية (المهترئة) لأنها صارت مكشوفة أو (محروقة) كما نصف العملاء الذين يصيرون معروفين للجميع.

كنت أقول بيني وبين ذاتي: خذوا الحكمة من أفواه المجانين. وهل تدل أعماله وتصرفات كتائبه على أنه غير ذلك؟ وكنت أقول، ولا بد أن كثيرين مثلي يقولون، إن الرجل لم يأت بجديد؛ فالكل يعرف الكل، والكل يعرف (المحروقين) والمهترئين من صنائع أمريكا الذين ترى أنهم يجب استبدالهم، إلى أن أرسل لي صديق عزيز رسالة عبر بريدي اليكتروني مما جعلني أتوقف كثيراُ عند قراءتها.

والرسالة التي وصلتني هي عبارة عن ملخص لمحاضرة قيمة للدكتور عبد الله النفيسي، كان قد ألقاها في جامعة الكويت يوم الأحد بتاريخ 15/4/1432هـ الموافق 20/3/2011م، وعنوانها: (موجة التغيير الشعبي في الوطن العربي: السياق والدلالة). وأتبع الصديق رسالته النصية برسالة أكثر توثيقاً، هي عبارة عن شريط فيديو كامل بالصوت والصورة لتلك المحاضرة التي تدل على سعة ثقافة الرجل وتحمله للمسئولية، ومقدرته الفائقة في نقل أفكاره إلى قرائه ومشاهديه وسامعيه.

ومع أن المحاضرة في الأساس تحذر من خطر الأطماع الإيرانية في الخليج، وتنبه إلى المخططات التوسعية للنظام الإيراني، إلا أنه يعرج على أوضاعنا وما آلت إليه بعد موجة الاحتجاجات التي تجتاح الوطن العربي مطالبة بضرورة (تغيير النظام) بعد أن بدأت بالمطالبة ب (إصلاح النظام).

وأقتبس بعض ما ورد في الرسالة التحليلية وأترك للقارئ الرجوع إلى المحاضرة التي يمكن الوصول إليها بسهولة عبر النت، سواء جوجل أو اليو تيوب أو غيره:

(وذكر النفيسي تعليقا على ثورات مصر وتونس فقال: شعوبنا عاطفية، فحين نشاهد هذه التحولات نتصور أن مشكلاتنا حلت. وهذا غير صحيح أبدا. وأذكر هنا أن كوندليزا رايس حين رشحها الرئيس الأمريكي لوزارة الخارجية، وتم عمل مقابلة لها في الكونجرس، فسألوها عن مشروعها فقالت: سوف أجتهد في التخلص من الحلفاء السابقين؛ لأنهم انتهت صلاحياتهم واستهلكناهم، فلابد من التخلص منهم والإتيان بحلفاء جدد).

من المؤكد وأجزم يقيناً أن القذافي قد وصلته هذه المعلومة في حينه، ولذلك بدأ بأخذ الحيطة مبكراً منذ أيام كونداليزا رايس، وخصوصاً بعد سقوط جاره من الغرب، زين العابدين بن علي، وتداعي جاره من الشرق، حسني مبارك، إلى السقوط.

من الواضح الآن أن استمرار مقاومة القذافي هي نتيجة حيطته وحشده لكل الطاقات والإمكانات؛ من مرتزقة وأسلحة وأموال ورجال، تحسباً ليوم كان يدرك أنه قريب، وأن العاصفة تقترب من (باب العزيزية)، ولا بد أن تصل إليه.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل