المحتوى الرئيسى

دراسة نقدية تربوية تحليلية لرواية سر الاختفاء العجيب- للكاتب يعقوب الشاروني - بقلم د.أميمة منير جادو

06/20 17:46

دراسة تحليلية تربوية نقدية في رواية " سر الاختفاء العجيب "

للكاتب يعقوب الشاروني

بقلم د/ أميمة منير جادو

تقديم :

بداية ، تنتمى هذه الرواية إلى جنس الروايات الواقعية أو الواقعية المُمتزجة بخيال قابل للتحقُّق أحيانًا فهو خيال غير مُسرف تمامًا ، وهى اجتماعية نفسية وبيئية أيضًا – حيث الأحداث تدور فى بيئة جغرافية ذات خصوصية تُراثية وحضارية وحيث لعبت ( البيئة / المكان ) دورًا بطوليًّا لا يقل عن بطولة الأشخاص . كما تتيح لنا هذه الرواية أكثر من ( زاوية للرؤية ) إن جازت التسمية سنطرحها فى هذه الورقة .

ولكن قبل الولوج فى قراءة العمل من زوايا متعددة يجدر بنا أن نشير إلى هذا الكم المدهش والرائع من وعى الكاتب بالفكرة والقيم والقضايا المطروحة فى الرواية .

ولعل هذا يعود فى حقيقة الأمر إلى تمكن الكاتب وخبرته الطويلة فى مجال التخصص ( الطفولة ) بحيث مكنته هذه الحنكة فى تجربته الروائية الحالية من مراعاة جميع جوانب السرد الدرامى لتأكيد الفكرة والقيم التى هدفت لها هذه الرواية خلال عفوية السرد وبساطة اللغة وعذوبتها ورشاقة الأسلوب وكثافة الجملة المعبرة عن المواقف المختلفة .

وبلا أدنى مجاملة أو مبالغة فقد قرأتُ عملاً ربما استلهم الفكرة الـ ( كنز ) بشكل عام و ( كنز المصريين ) بشكل خاص ولكن فى معالجة جديدة تمامًا تتماشى مع روح العصر وقيمه ومستحدثاته دون أن تنسلخ من الحرص على القيم الأصيلة وتأكيد الهوية .

إننا بصدد عمل يجمع بين ( الأصالة والمعاصرة ) وهذا ما ندعو إليه دائمًا فـى

* عُرضت هذه الدراسة فى الندوة المُنعقدة بمكتبة سوزان مبارك - القاهرة - الخميس الموافق 17 أبريل 2003 .

توصيات الندوات والمؤتمرات ، جاء هذا العمل هكذا ليؤكد فى بساطة وسهولة - ( هى السهل الممتنع ) – فى أسلوب شيق جذاب هذه الدعوة وذلك عبر زوايا الرؤية .

والآن ما هى زوايا الرؤية ؟

ما الذى تهدف إليه هذه الرواية ؟

ماذا تريد أن تقول ؟

ما الإضافة التى حققتها ؟

إننا عادة عندما نقرأ عملاً – أى عمل – فإن هذه التساؤلات تطرح نفسها دون أن نعى بها باعتبار القارئ – قارئًا عاديًّا – وباعتبار أن العمل غير معنى بالنقاد أو المثقفين .

ومن هنا تتأتى قيمة العمل ومدى ما يحققه من نجاح أو إسهام أو إشباع لدى المُتلقى ، ولكن حين نقرأ العمل كمثقفين أو كباحثين - معنيين ومتخصصين فى المجال - تستوقفنا التساؤلات المطروحة وتستوقفنا عمليات التشريح التلقائية التى تتسق ومنهجيات البحث العلمى فننساق إليها عبر طبيعتنا البحثية دونما إرادة أو وعى بذلك تمامًا .

هذا ( اللا وعى ) من الباحث المتخصص يقودنا إلى منطقة ( الوعى ) لدى الكاتب وأيضًا العكس صحيح فــ ( وعى ) الباحث – أيضًا - يقودنا إلى ( لا وعى ) الكاتب ، فالعلاقة جدلية بينهما ، من هنا تبرز قيمة العمل .

فكرة وملخص الرواية :

تدور الأحداث فى قرية صعيدية ،لا ينسى الكاتب أن يؤكد هُويتها وأصالتها عبر السرد وهى ( شارونة ) عبر تكنيك ( الفلاش باك ) أى استرجاع الحدث بشكل موظف توظيفًا دراميًّا مُتميزًا .

ويتقاسم بطولة العمل الروائى أربعة هم : الصبى محمود العاجز إلى حد ما بشلل الأطفال ( أى أنه طفل مُعوّق ، أو من ذوى الاحتياجات الخاصة ) ، وصديقه سعيد الذى اختفى فجأة ، ورفاق اللعب أو المجموعة التى تشكل الإطار الفكرى والنفسى لبعض الأهالى ، والمكان ( المقبرة ) تمثل بطلاً فى حد ذاتها .

والقراءة الأولى للنص تتيح لنا أن نفهم الفكرة العامة وهى اختفاء سعيد وبحث صديقه محمود عنه حتى يصل إليه فى مغارة أو بئر ليتضح بعد ذلك أنه أحد مقابر قدماء المصريين الذى يحتوى على كنوز . وتتأتى من هذه الفكرة قيمة التحدى والإرادة للصديق الصبى المعوق أو العاجز بشكل ما ، حيث ينجح رغم عجزه فيما فشل فيه الآخرون وهو العثور على الصبى سعيد الذى اختفى ، ثم تأتى قيم الوطنية والانتماء فيما بعد عند اكتشافهما لكنز القدماء المصريين .

هذه هى الفكرة العامة أو المحوران الرئيسان للقراءة الأولى العامة أو العابرة ...

أما القراءة المتأنية للنص ( المتعمقة ) فهى التى تتيح لنا ما عبرتُ عنه بزوايا الرؤية ، فما هى إذن ؟

زوايا الرؤية :

ونقصد بها قراءة الرواية على أكثر من مستوى أو بأكثر من زاوية للرؤية والتبصر . بمعنى آخر :

1 – هناك زاوية قراءة المشاعر النفسية لشخوص الرواية وكيف لعبت هذه المشاعر دورها فى الحبكة الدرامية ؟

2 – هناك زاوية قراءة المضمون القيمى للرواية الذى يؤكّد على مجموعة من القيم الرئيسة وهى : التفكير العلمى وإعمال العقل ، الاستغلال الأمثل للذكاء والخبرات السابقة والقراءات ، الانتماء والوطنية ، القوة والإرادة والتحدى ، الصداقة وقيم رد الجميل والعرفان والإيمان بالله وحمده ، وقيم النجاح والأمل وتحقيق الهدف .

3 – هناك زاوية قراءة البُعد البيئى والاجتماعى داخل الرواية والذى يقودنا للأبعاد التاريخية والدينية معًا .

4 – هناك زاوية قراءة العلاقات بين شخوص الرواية : وكيف تؤثّر هذه العلاقات على صُنع الأحداث الدرامية بكثافة موحية .

ويُمكن أن نأتى لشرح هذه الزوايا بشكل أكثر تفصيلاً فيما يلى :

أولاً : زاوية قراءة المشاعر الإنسانية ودلالاتها :

حُفلت الرواية بعدد كبير من المشاعر الإنسانية والانفعالات المختلفة التى ساهمت بشكل جيـد فى تصوير الأحداث وبالتالى وصولها إلى الطفل المتلقى الذى هو بحاجة إلى الصدق الفنى أثناء القراءة حتى تؤدى الرواية وظيفتها فى التأثير على القارئ الصغير .

يُمكننا رصد بعض هذه المشاعر والعواطف خلال الحكى أو المواقف الدرامية على النحو التالى :

1- ( " تَجَمَّعَ " حول المعدية عدد كبير من الأهالى " يستطلعون" الخبر ) ( ص3 ) ، إن فعل " التجمع " هنا المقترن بالاستطلاع للخبر إنما يؤكد مشاعر الفضول البشرى وحب الاستطلاع الإنسانى الذى عادة ما يتصف به الإنسان عامة عندما يتعرض لموقف غامض يثير فضوله ، كما أنها تفيد الدهشة أيضًا .

2- ( وانزعج الناس وهم يتساءلون عن السر فى حضور كل هؤلاء الزائرين ) ( ص3 ) ، ولعل الفعل ( انزعج ) هنا يفيد أن الموقف غير سار ومُحاط بالغموض المذهل . وفى هذا ما يفيد القارئ وما يدعوه ( العمل الفنى الروائى ) للدخول إلى التفاصيل التالية لاكتشاف الخبر أو الموضوع ، إن الأفعال الثلاثة ( تجمع ويستطلعون وانزعج ) كلها تدعو للدهشة خلال السياق وبالتالى للتشوق لمعرفة ومتابعة باقى الأحداث ، والتى سيكتشفها القارئ عبر تكنيك الـ ( فلاش باك ) وهو تكنيك درامى سينمائى غير تقليدى بالنسبة للقص الروائى لأدب الأطفال .

3- ثم تأتى خطورة الحدث والمشاعر التى تؤكد عليه خلال المواقف التالية :

( كان يجرى والعرق يسيل على وجهه ، وعلامات الفزع ترتسم على ملامحه ) الرواية ( ص4 ) .

( وما إن دخل حامد القرية ، حتى شاهده محمود ، وأحس أنه يواجه شيئًا خطيرًا ، فانتصب واقفًا ، واندفع ناحيته وهو يجرى ويقفز معًا ) الرواية ( ص4 ) .

هنا الأفعال موحية وسريعة ( دخل ) ، حتى ( شاهد ) ، و ( أحس ) ، و ( فانتصب ) ، و ( اندفع ) ، وكلها تصويرية تؤكد على خطورة الموقف الذى لم يزل غامضًا .

ويتبع ذلك تصوير للمشاعر النفسية المركبة فى لحظات الخوف والحيرة والارتباك والتوتر وكلها تؤكد كيف وضع الكاتب أيدينا على بداية المشكلة داخل الرواية فيقول :

( لم يتوقف ، حاول أن ، اضطر أن ، وسأله ثانية ، كان يلهث ) ثم ختم بعبارة مكثفة مباشرة ودالة حاسمة ( وقاطعة : سعيد أخى .. سعيد اختفى ) ( ص4 ) .

4- ويُجسد وجود المشكلة كأمر واقع ، مشاعر الإحساس بها ، وكيفية مواجهتها ! ويدل على هذه المشاعر :

( انقبض قلب محمود خوفًا على سعيد وصاح : كيف اختفى ؟ أين كنتما ) ( ص4 ) .

( صاح حامد وهو يحاول تخليص ثوبه من قبضة محمود ، اختفى فى الجبل ، اتركنى لأخبر والدى ) ( ص4 ) .

( وتراخت قبضة محمود عن ثياب حامد ، أصفر وجهه ، تسارعت دقات قلبه ، وواصل حامد جريه ) ( ص4 ) .

كل الأفعال هنا جاءت وظيفية تؤكد الدهشة الانفعالية والخوف على الصديق ( انقباض القلب والصياح وأصفرار الوجه ) كلها تنم عن حب حقيقى لهذا الصديق وأنه لولا وجود هذه المشاعر الصادقة لما تأثر لصديق ( محمود ) كل هذا التأثر .

فهنا مشاعر الحب والصداقة جاءت أصيلة بحيث تمثل لنا فيما بعد ( الدافع ) و ( الحافز ) الذى يدفع البطل الصديق محمود للبحث عن صديقه أو ( اتخاذ خطوات إيجابية نحو حل المشكلة ) .

5- تطرح الرواية ببساطة شديدة اختلاف مشاعر الناس تجاه الحدث الواحد والذى يمثل مشكلة الرواية ( اختفاء سعيد ) فنقرأ خلال السرد :

( تأمل مبروك زملاءه ، فوجد محمودًا حزينًا ، وعلامات القلق الشديد تبدو على وجهه ، فقال لزميليه فى سخرية : تطلعا إلى محمود ، تشغله الهموم كأنه العمدة يفكر فى حل خلافات أهل البلد . تنبه محمود ونظر إلى وجه مبروك وقال معبرًا عما يقلقه ويشغله ويثير غضبه كيف يترك أهل البلد الجبل ويعودون قبل أن يعثروا على سعيد ؟ ) الرواية ( ص6، 7 ) .

وتؤكد العبارة السابقة على رد فعل الناس تجاه المشكلة فالصديق مهموم حزين ، والآخرون غير مُبالين بالقدر الذى ينبغى أن يكون ، ولسان الحال يؤكد : كيف يتخلى الناس عن القضية ؟ إذن نستطيع أن نقرأ خلال هذا الطرح بشكل رمزى أن الناس عادة لا يستجيبون للهم الواحد بنفس الدرجة الشعورية ( أو المشاعرية ) وإنما تختلف استجاباتهم العاطفية بحسب أهمية الموقف أو ما يشكله من قيمة لديهم إذ لا يتفاعل فى الموقف إلا الإنسان الأصيل ذو الصلة الحميمية والذى يمثله ويُرمز له الصديق فى الرواية .

6- كما تطرح الرواية رأى الناس وفكرتهم وسلوكهم إزاء شخص ما وكيف يؤثر ذلك على مشاعره الإنسانية وشخصيته أيضًا ، نقرأ عبر السرد : ( جاء رد مبروك فى سخرية ، هل نستطيع نحن الصغار أن نفعل ما عجز عنه الكبار ؟ أم تظن أنك بهذه الساق العرجاء سوف تفعل ما لم يفعله الرجال الأشداء ؟ جرحت كلمات مبروك مشاعر محمود جرحًا عميقًا ، فعاد إلى بيته وهو فى شدة الغيظ والقلق ، كانت كلمات مبروك الساخرة تتردد فى ذهنه بعنف ، وهى سخرية كان يتعرض لمثلها من بعض أهل القرية ، فطار النوم من عينيه ) ( ص7 ، 8 ) .

فالسخرية من الشخص المعوق تجرح مشاعره وتؤذيه وتؤثر فيه ويفيد الفعل ( تتردد فى ذهنه بعنف ) وأيضاً ( فطار النوم .. ) فى تأكيد هذا المعنى .

ثم يؤكد النص على هذا باستبعاد زملاء اللعب له ( يستبعدونه فى خشونة ) وسخريتهم منه ( فيقلدونه ) أو ( يتهامسون حوله ضاحكين ) ( ص8 ) .

وعلى الرغم من مهاراته الإبداعية الأخرى إلا أنهم لا يلتفتون إليه ، وعلى الرغم من ثقافته بالقراءة إلا أن هذا لم يكن كافيًا لتغيير فكرة الناس عنه . ومن هنا تَتَشكّل دوافع التحدى والإرادة لإثبات الذات أو ليحظى بحب الآخرين واحترامهم أو على الأقل تغيير فكرتهم عنه ويؤكد النص هذا : ( برقت عيناه فى عزم وهو يهمس لنفسه : سأجعلهم يرون مقدار ما أستطيع أن أفعل .. أنا صاحب الساق العرجاء ) ( ص8 ) .

هنا تؤكد الرواية على فكرة نبذ المجتمع للطفل أحيانًا وكيف تؤذى مشاعره ولكن كيف يتخذ الطفل المنبوذ من جراحه وسيلة بناءة لغاية أخرى أكبر وهى ( تحقيق الذات ) وكيف تبنينا الجراح بدلاً من أن تهزمنا بل وتكون دافعًا للتفوق والنبوغ ، والكاتب يؤكّد على الإرادة والفعل الإيجابى فى مواجهة العجز لقهره بدلاً من الاستسلام له .

ويؤكد النص ( سأل محمود نفسه : هل أستطيع اليوم أن أعثر على سعيد ، فأثبت لهم أننى أقوى وأذكى ممن يتباهون بسلامة أجسامهم ؟ ) ( وبرقت عيناه فى عزم .. الخ ) ( ص8 ) .

ولم يتوقف الشعور الإنسانى عند مجرد ( الأمانى ) والاكتفاء بالرغبة والأحلام ، بل تحول إلى فعل إيجابى مباشرة ، ويأتى السرد ليؤكد ذلك ( وما إن لاح الفجر حتى تسلل محمود خارجًا من القرية .. وانطلق يسير بسرعة وبغير تردد .. وازدادت سرعة خطواته .. كان يردد لنفسه وهو يسرع : لابد أن أجد سعيد .. من المستحيل أن يختفى هكذا .. لابد أن أعثر عليه ) ( ص9 ، 10 ) .

ثانيًا : زاوية قراءة المضمون القيمى التربوى للرواية :

تؤكد الرواية على طرح مجموعة من القيم التربوية يمكن ملاحظتها بوضوح عبر السرد الروائى ويمكننا رصدها على النحو التالى عبر تسلسل الأحداث الدرامية :


1- قيمة الصداقة والوفاء للصديق :

ورد فى النص ( انقبض قلب محمود خوفًا على سعيد ، أقرب الأصدقاء إليه .. الخ ) ( ص4 ) .

( تأمل مبروك زملاءه الثلاثة فوجد محمود حزينًا ، وعلامات القلق الشديد تبدو على وجهه ) ( ص6 ) .

( تنبه محمود وقال معبرًا عما يقلقه ويشغله ويثير غضبه : كيف يترك أهل البلد الجبل ويعودون قبل أن يعثروا على سعيد ؟ ) ( ص7 ) .

( قال محمود ثائرًا : كان لابد أن يستمروا فى البحث حتى يعثروا على سعيد ، كان يجب أن نسآمر نحن أصحابه فى البحث عنه ) ( ص7 ) .

إن النص لا يكتفى فقط بالتأكيد على قيمة الصداقة والوفاء للصديق ولكنه يؤكد عبر السرد الروائى بتقنية الاسترجاع ( الفلاش باك ) كيف توثقت عُرى الصداقة بينهما ويؤكد أن ( الصديق وقت الضيق ) هى قيمة الصداقة وليس فقط فى أثناء اللعب واللهو ، ويبرز النص أن سعيد ( الذى اختفى ) كان من قبل قد ساعد صديقه ووقف إلى جواره فى بعض المشكلات والمحن النفسية التى تعرض لها ، ومن هنا استوجب صداقته وكان جديرًا بها للدرجة التى تدفعه لرد الجميل وهى قيمة أخرى تربوية ثانوية تنبع من قيمة الصداقة الأساسية وترتبط بها ، فالصديق محمود حين تحمس وذهب ليبحث عن صديقه الذى اختفى فجأة فإنما كان أحد أسباب حماسه أنه كان يتذكر شهامة صديقه من قبل معه وبالتالى فهو يود أن يرد الجميل له امتنانًا واعترافًا بأنها من واجبات الصداقة .

يقول النص واصفًا للحالة النفسية لمحمود وهو يتذكر عبر الاسترجاع ( تذكر يوم شاهده مبروك فوق الجذع ، فأخذ يهز ذلك الجذع تحت قدميه ، ويضحك فى سخرية ، ولم يستطع محمود أن يحافظ على توازنه بسبب ساقه المصابة فسقط فى الماء ، بعد أن اصطدم رأسه بالجذع ، فأصابه الدوار ووجد نفسه فى الماء عاجزًا عن السباحة ، وشاهد سعيد ما حدث فاندفع إلى الماء بملابسه وأنقذ محمود من الغرق ثم عاد إلى مبروك ودخل معه معركة حامية .. الخ ) ( ص10 ) .

هنا يؤكد الكاتب على قيمة الصداقة وواجبات الصديق نحو صديقه وكيف يقف بجواره وقت الشدة ويحميه ويدافع عنه ويهتم بهمومه ، يحزن لحزنه ويتألم لألمه ، وليس فقط بأن يلهو ويلعب معه .

ويؤكد النص مرة أخرى هذه القيمة ( كان سعيد أقرب الأصدقاء لمحمود ، بل خير صديق له فى الدنيا ، فلم يحتمل فكرة أن يفقده هكذا فجأة ) ( ص10 ) .

وفى موقع آخر من النص يؤكد قيمة الصداقة عبر اللعب المشترك بينهما ويرصد مظاهره ( فهما يطاردان الثعالب ويجمعان " قروش " عبارة عن بقايا حجرية لحيوانات مندثرة ويكتشفان المنطقة وما يحيط بها من تلال ووديان .. الخ ) ( ص11 ) .

وفى موقع آخر من النص يؤكد الكاتب قيمة الصداقة عبر تلازم الصديقين معًا ومرافقتهما ويتبين ذلك من تثنية الجملة فتقرأ : ( وصل الصديقان ، تجمع حولهما ، أين كنتما ؟ ركب محمود وسعيد ، وعبرا ، وذهبا ، دخلا ، لقد عثرنا ، صورة الصديقين ، وطنيتهما ، معرفتهما ، كتما ، اكتشافهما .. الخ ) ( ص29 ، 30 ) .

2 – قيمة الإرادة والتحدى والعزم :

تبرز الرواية قيمة تربوية أخرى لا تقل أهمية عن قيمة الصداقة وهى ما يمكن تعريفه بقيمة " المقاومة " مقاومة العجز أو الألم أو الجرح .. الخ ، وهى قيمة تنزع إلى تأكيد الذات وتحقيقها عبر الإرادة والعزم والتصميم ومقاومة سخريات المجتمع من الإعاقة فى بعض الأحيان . يتأكد ذلك السرد :

( هل أستطيع اليوم أن أعثر على سعيد فأثبت لهم أننى أقوى وأذكى ممن يتباهون بسلامة أجسامهم ؟ ) ( ص8 ) .

وفى الجملة الاستفهامية السابقة بداية الطرح للقيمة ، ثم تأتى الجملة التالية لتؤكد العزم عليها : ( وبرقت عيناه فى عزم : سأجعلهم يرون مقدار ما أستطيع أن أفعل أنا صاحب الساق العرجاء ) ( ص8 ) .

( يتذكر هذه الأحداث التى زادت من تصميمه ) ( ص10 ) .

( لابد أن أجد سعيدًا .. لابد أن أعثر عليه ) ( ص10 ) .

ثم تتأكد هذه القيمة عبر الممارسات الفعلية بعد ذلك داخل المقبرة وحتى الخروج منها ووصولاً لنهاية الرواية . فيأتى السرد تتويجًا للقيمة ولإعلانها بشكل واضح وصريح : ( وحتى الآن وفى كل مرة يجتمع أهل القرية يتسامرون لابد أن يكون أحد موضوعات الحديث قصة البطل محمود الذى استمد من ضعفه قوة فأنقذ صديقه ) ( ص13 ) .

3 – قيمة التفكير العلمى :

ترصد الرواية هذه القيمة التربوية الأم ( قيمة التفكير العلمى ) بشكل واضح عبر السرد الروائى كله تقريبًا وتندرج تحت هذه القيمة الأم – إذا جازت التسمية – مجموعة أخرى من القيم العلمية تساعدها على البروز وتنبثق منها أيضًا وهى إعمال العقل ، والتفكير السليم واتخاذ الموقف المناسب فى الوقت المناسب بموضوعية ومهارة والاستغلال الأمثل للمعرفة السابقة والخبرات الماضية بذكاء يساهم فى تشكيل هذه القيمة .

وفى هذا الصدد تجدر الإشارة إلى ضرورة التفرقة بين ( التفكير العلمى ) كقيمة تربوية علمية وبين ( المعرفة ) ذاتها كمعلومة يُقدّمها السرد القصصى لنا .. ثمة فارق واضح بهذا المثل : عندما يطرح القص بعض المعلومات عن البيئة التى دارت فيها الأحداث بأنها قرية وأنها تقع غرب النيل مثلاً ، وأن هناك فى الوادى ما يطلق عليه اسم ( القروش ) يجمعها الأطفال ثم نعرف بعد ذلك أنها بقايا متحجرة لقشور الأسماك .. الخ ، فهذه معلومة معرفية وليست قيمة ، وأيضًا عندما يتعرض السرد للمقبرة الفرعونية وما تحتويه من آثار وما يتعلق بالتحنيط وأهميته وفكرة خلود الروح .. الخ ، فهذه معلومة معرفية ، وتختلف المعلومات المعرفية التى يقدمها النص لنا عن القيم العلمية والتى منها قيمة التفكير العلمى ، ومن المعلومات ما يتعلق بالبيئة الجغرافية أو التاريخية أو الاجتماعية .. الخ ، أما عندما نتناول ( التفكير العلمى ) فنحن نتناوله من زاوية الرؤية القيمية التربوية . وإذا كان من الجدير أن نذكر بأن للتفكير العلمى خطواته المعروفة فإن الرواية أو الكاتب يعترف أنه لم يقصد ذلك أثناء السرد الروائى ولم يهدف إليه ، مما يؤكد على براعة عفوية السرد وتلقائيته ويجعله أكثر مصداقية ، وفى هذا الصدد نود أن نذكر أن خطوات التفكير العلمى هى : الإحساس بالمشكلة ، ثم التساؤلات التى تعتبر بمثابة فروض للحل ، ثم اختبار صحة الفروض ، ثم تجريب الفرض انتهاء لوضع أيدينا على الحل المناسب .

وفى هذا تجدر الإشارة أيضًا إلى أن الكاتب راعى إبراز هذه القيمة التربوية العلمية منذ بداية تحديد المشكلة بـ ( اختفاء سعيد ) وحتى نهاية العثور عليه ، وما بين الاختفاء والعثور عليه تظهر سلسلة أخرى من الأحداث تمثل فى مُجملها مجموعة أخرى جديدة من المشكلات الفرعية ، نجد أن الكاتب حلها بنفس الأسلوب وهو أسلوب التفكير العلمى ، فعلى سبيل المثال مشكلة الحفرة أو السرداب ووجود الضبع بها ثم داخل المقبرة وكيفية الدخول والخروج من المقبرة .. الخ ، كما سنتعرض لذلك بشىء من التفصيل ، وكلها تؤكد على قيمة التفكير العلمى بكل مراحله ، وإذا كان من الجائز لى أن أرشح بعض القصص لرصد " قيمة التفكير العلمى " وليس الخيال العلمى فإنى أرشح هذه القصة على رأس قائمة القصص التى كُتبت للأطفال لتخدم هذا الغرض ، كما أعود لأنوه أن ثمة فارق بين ( التفكير العلمى ) كقيمة وبين ( الخيال العلمى ) كدعوة للطموح والاختراع .

أعنى أن الرواية تبرز قيمة التفكير العلمى وسندلل على ذلك عبر السرد على سبيل المثال لا الحصر : ففى الوقوف على المشكلة الرئيسة وهى اختفاء سعيد ومحاولة صديقه وعزمه على البحث عنه ، نجد أنه عندما فكر فى مغادرة القرية للتلال والجبال بحثًا عن صديقه لم يخرج على غير هُدى ولم يخرج برعونة دونما تفكير فيما يجب أن تكون عليه مستلزمات الرحلة ، لكنه قد هيأ نفسه لها بافتراضات ما يمكن أن يحدث له ويواجهه فنقرأ عبر السرد : ( تسلل محمود خارجًا من القرية ، يحمل معه كيس من القماش به زجاجة مملوءة بالماء وكمية من الخبز وبعض قطع الجبن ولم ينس عصاه الغليظة ، فالجبل به ذئاب وضباع ، كذلك أخذ حبلاً ربما يحتاج إليه ) ( ص9 ) .

إن هذه الجملة السابقة تمثل افتراضات داخل السياق القيمى للتفكير العلمى . وعبر السرد نرى أنه بالفعل احتاج للماء وللخبز ليطعم صديقه وكذلك الحبل ليخرجه به من المقبرة وأيضًا ساعدته فى قتل الضبع . وعلى هذا يمكن القول أن افتراضاته كانت متسقة مع حل المشكلة بل وساعدته على الحل وهو العثور على صديقه وإنقاذ حياته من التهلكة التى كانت واقعة لا محالة .

يقول السرد ( وجد فضلات ضبع غير جافة ، مما يدل على أن الضبع كان هنا منذ وقت غير طويل ) ( ص11 ) .

إن السرد يؤكد الافتراض والدليل وهى إحدى خطوات التفكير العلمى كما أشرنا .

وفى السرد ( هل هاجم هذا الضبع صديقه بالأمس ؟ لكنه يعلم أن هذا الوحش إذا اصطاد الفريسة يظل يأكل منها عدة أيام ، فلماذا جاء الوحش يهاجمه اليوم إذا كان قد أفترس صديقه بالأمس ؟ ) ( ص12 ) .

هذا التساؤل الأول افتراضى ، ثم المعلومة التى وردت تبرز صفة من صفات الوحش تعتبر بمثابة اختبار للفرض الأول ويعتبر التساؤل الثانى اختبارًا ثانيًا للفرض الأول .

ويعود التساؤل الافتراضى من جديد ( هل أخفى الضبع بقايا صديقه داخل المغارة ؟ ) ( ص12 ) .

( فأخذ يستجمع أفكاره ليقرر خطواته التالية ) ( ص12 ) ، هذه العبارة تصريحية تؤكد على قيمة التفكير العلمى أنه يستجمع الأفكار ( أى الافتراضات ) ليقرر الخطوة التالية أى يبدأ بالتجريب .

يقول السرد أيضًا ( لم يسمع الصوت مرة أخرى ، أخذ يتلفت حوله ، محاولاً تحديد مصدر الصوت ، هل جاء من هذه المغارة ؟ أهناك حيوان آخر يعيش فيها ؟ هل تكون أنثى الضبع بداخلها ؟ ) ( ص12 ) .

هنا الشكوك والافتراضات فى محاولة الوصول للحقيقة كلها تؤكد خطوات التفكير العلمى .

وعندما وجد عصا سعيد فقد استنتج أنه ( كان فى هذا المكان قبل أن يختفى بالأمس ) ( ص13 ) .

ويعود للتجريب فيبحث بحذر ( تقدم إلى الداخل خطوة ثم توقف ثم خطوة لكنه فجأة سقط لأسفل ) ( ص13 ) .

( وفى حذر شديد أخذ يحرك إحدى قدميه ، تناول العصا يستكشف بها قاع الحفرة ، ثم رفعها ليعرف عمق الحفرة ، فقدر أنها ليست عميقة وإلا أصابته السقطة بأضرار أشد ) ( ص14 ) .

إن وقوعه فى الحفرة يمثل فى حد ذاته مشكلة أخرى ، وما يحدث بداخلها هى محاولات للحل ، والممارسات هى افتراضات وتجريب لها ويستكمل السرد ( أخذ يفحص جوانب الحفرة ، أحدث صوتًا يشبه الصوت الذى سمعه وهو خارج المغارة ، تحسس الجانب الآخر ، فوجده متماسكًا صلبًا ، استنتج أنه سقط فى بئر حفرها الإنسان فسأل نفسه : من حفرها ؟ وهل سقط سعيد هنا ؟ وإذا كان قد سقط فأين ذهب ) ( ص14 ) .

إذن فإن البطل بإزاء مجموعة من المشكلات متسلسلة كل واحدة تؤدى للأخرى فيعود محاولاً حلها عبر افتراضات أو تساؤلات حتى يصل إلى استنتاج ما بعد تجريب الفرض .. وهكذا يظل السرد قائمًا على هذا النحو حتى العثور على المقبرة والكنز والصديق ثم محاولة الخروج منها ، ويمثل الخروج من المقبرة مشكلة فى حد ذاتها ويطرحها القص : ( ألا ترى يا محمود أننا نهرب من أهم مشكلة تواجهنا الآن ؟ كيف سنخرج من هنا ؟ ) ( ص23 ) .

ثم تأتى الفرضية العلمية عبر النص ( السقف مرتفع والأحجار ضخمة . يستحيل أن نفكر فى الخروج عن طريق السقف ) ( ص23 ) .

ثم تأتى خطوة اختبار الفروض وأعمال العقل بذكاء باستغلال الثقافة وخبرة القراءات السابقة فيقول النص ( قد يكون هناك مكان خفى نخرج منه . لقد كان المهندسون القدماء يقيمون مداخل وأبوابًا وممرات وهمية ليخفوا بها الممرات الحقيقية . هيا نفحص جدران هذه المقبرة بدقة ) ( ص23 ) .

وبالفعل يفحص البطل وتمثل عملية الفحص نفسها ( محاولات التجريب ) كما يقول النص : ( وأخذ محمود يدق بطرف عصاه مختلف أجزاء الجدران ، فيسمع صوتًا مكتومًا ، يدل على أن الجدران مصمتة ليس خلفها فراغ ) ( ص23 ) .

ويستمر الصديقان فى طرح الأسئلة والإجابة عنها وكل سؤال يمثل مشكلة وكل إجابة تمثل افتراض ضمنى فى حل المشكلة حتى يقول ( الأثاث قديم ولن يحتمل سحبنا له ، كما أن الممرات ضيقة جدًا ، لكنهم ادخلوا نفس هذا الأثاث من نفس هذه الممرات ؟ هذا التابوت أعرض من الممر الذى جئنا منه ، وفى حماس استأنف محمود الدق على جدران الغرفة ووصل إلى أحد الأركان فسمع صوتًا مختلفًا وأعاد الطرق ثم قال : هل تسمع ) ( ص24 ) .

وهنا تبدأ المشكلة فى الحل عبر خطوات التفكير العلمى التى أشرنا إليها ، فبالفعل يجد الصديقان الجدار ( مبنيًا بقطع صغيرة من الأحجار ) ( ص25 ) ( وبعد ساعات من العمل الشاق انهار ذلك الجزء من الحائط وتدفقت الرمال إلى الداخل فظهرت بداية سرداب متسع ) ( ص25 ) .

وبهذا يكون القص قد وصل إلى حل المشكلة الرئيسة غير أن هناك بعض مشاكل فرعية أخرى مثل إزالة الرمال بهدوء ، والإرهاق والتعب الذى أصابهما وبخاصة سعيد الذى لن يقدر على الزحف للخارج مثل صديقه فيلقى له بالحبل عندما يخرج هو أولاً ثم التكتم وتبليغ الشرطة عن اكتشاف المقبرة وكنوزها .. الخ أنظر ( ص26 ، 27 ) .

4 – قيمة الانتماء والوطنية وتأصيل الهوية القومية المصرية :

وردت هذه القيمة بشكل واضح فى أكثر من موضع للقص مما يؤكد تأكيد الكاتب عليها ويبدأ التلميح لهذه القيمة بالإشارة إليها أولاً عبر الإحساس بعظمة وروعة التراث الحضارى المصرى القديم فيلجأ الكاتب بداية لوصف هذا التراث ( الكنز ) وصفًا مُعبرًا يتيح للقارئ أن يتخيله وكأنه يراه ، يقول النص ( كان الصندوق الذى اتخذ شكل الجسم الآدمى موضوعًا فى تابوت حجرى ، يغطيه ذلك القناع الذى أثار ذهول محمود ، بينما رقائق الذهب تغلف بقية سطح الصندوق ، وقد نقشت عليها رسوم فى غاية الدقة والجمال . الخ ) ( ص 21 ، 22 ) .

ثم فى موضع آخر وعبر عبارة قصيرة كثيفة موحية رائعة تفيض بالمشاعر الملهوفة الباحثة عن هذا الكنز أو هذه الحضارة يقول الكاتب ( أدار سعيد وجهه إلى محمود وقال : قضى عمى عمره كله يبحث عن مقبرة مثل هذه ولم يعثر على شىء ، لقد سمعته مرات عديدة يتمنى العثور على مثل هذا الكنز ) ( ص28 ) .

وعلى الرغم من أن العبارة توحى بأن الإنسان يمكن أن يضيع عمره كله فى سبيل الوصول إلى هدف ما ، فإن هذا الهدف يمثل قيمة ( الكنز ) ولكن الكاتب ببراعة يعود ويؤكد على أن قيمة التراث والانتماء الوطنى تتجاوز القيمة المادية ( للكنز ) وأن كانت القيمة المادية نفسها دليل على قيمته الحضارية والتراثية لتأصيل هوية الشعب المصرى فهى ( سبب ونتيجة معًا ) .

ويؤكد النص بشكل مُباشر وواضح قيمة ( الانتماء والحفاظ على التراث ) فيقول ( لكن قيمة هذه الآثار الفنية والتاريخية تتجاوز ثمن ما بها من ذهب آلاف المرات ، إن هذه الآثار الرائعة ثروة قومية وليست ملكًا لأى شخص ) ( ص28 ) .

ويأتى تأكيد هذه القيمة عبر الحوار الدرامى مرة أخرى : ( هل تقصد أنك لا تعتبر هذه الكنوز التى اكتشفناها ملكًا لنا ؟ قال محمود بل هى ملك لبلدنا مصر يجب أن نحافظ عليها ونسلمها لرجال الآثار .. الخ ) ( ص29 ) ، وأيضًا ( أرجو يا سيدى المأمور أن تتصل برجال الآثار فورًا لقد عثرنا على آثار فرعونية بالغة الأهمية ) ( ص29 ) .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل