المحتوى الرئيسى

مــاذا لـو كـانوا مـازالوا أحـيــاء؟ بقلم:أحمــــــد أبــــو زيـــــد

06/19 23:11

لو كان محمد ولدي حياً اليوم لكان عمره أحدى عشر عاماً وبضعة شهور. وهي عمر مناسبة ليبدأ فيها تعلم السباحة في بحر غزة, الذي قتل على شواطئه مناصرون للقضية الفلسطينية كانوا قد جاءوا من أصقاع الدنيا لفك الحصار على أهل غزة المحتجزون في وطنهم! مثله مثل باقي الاطفال, عندما ينهون دراستهم وياتي الصيف– وقت الاجازات– حيث يبدا الجميع إما في السفر لزيارة الأهل في الضفة أو في القطاع أو المغتربين العائدون لوطنهم لقضاء الأجازات, حيث السهر والسمر مع الاقارب والجيران والاصدقاء. لو كان محمد حياً اليوم لكان قد وصل إلى الصف الخامس, وجيء لوالدته بشهادة نجاحه وانتقاله إلى الصف السادس, هو وجارته سامية الشريف, التي تكبره بثلاثة أعوام, واللذان لم يفترقا أبداً, إلا عندما تذهب ندى لصفها في مدرسة ’حليمة السعدية‘ في الطابق العلوي, بينما محمد يوجد صفه في الطبق الأرضي من المدرسة.

منذ ستة أعوام قامت قوات الاحتلال الاسرائيلي الهمجية, وبذريعة مطارة مجموعة من ’الإرهابيين‘ كما تطلق علينا جميع وسائل الاعلام الدولية والغربية, الذين كانوا – حسب الرواية الإسرائيلية – يهربون في سيارة تمر بالقرب من مدرسة ’حليمة السعدية الابتدائية‘في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة, وقت لعب الأطفال على باب المنزل , الذين لا يتعدى عمر أكبرهم إثنى عشر عاماً, دروسهم في القراءة والكتابة والرسم. قامت القوات الإسرائيلية بإطلاق صاروخاً باتجاه السيارة, فكان الضحية ثلاثة أطفال, من شقيقان (محمد جمال روقه 5 سنوات وسامية الشريف 10 سنوات) وجارهما بلال الهسي (15 عاماً). وأصيب حوالي عشرة أطفال (تلاميذ) أخرين, وساد الرعب والخوف في أرجاء المدرسة. والسبب إطلاق صورايخ من المقاومة على مستوطنات البلدات القريبة من غزة. دون أدنى أحترام لأتفاقيات حقوق الإنسان أو أتفاقية جينف وقواعد القانون الدولي, التي تمنع وتحرم تماماً إيذاء أو استهداف الاطفال والنساء وأي اهداف مدنية. ولكن الدولة الصهيونية لا تحترم أي قانون, وكيف تحترمه وهي القائمة على قانون الغاب وانتهاك وسرقة حقوق الاخرين وممتلكاتهم وميائهم وتاريخهم, وحتى احلام أطفالهم.

كان محمد وقت وقوع هذا الانفجار يلعبان سويا مع أولاد عمه أمام باب الدار, بعدما انتهيا من إتمام واجباتهم المدرسية, حيث تعودا على قضاء بعض الوقت في اللعب واللهو امام منزلهم بصحبة أبناء عمومهم وجيرانهم واصدقائهم في المدرسة وقت العصر, قبل مجيء وقت الغروب واقتراب موعد النوم, استعداداً ليوم جديد للدراسة، والحلم في بناء مستقبل أفضل وأجمل لهم ولوطنهم المسلوب. حيث يقول والد محمد جمال روقه ’’ ليس عندي ما أقوله سوى حسبي الله ونعم الوكيل.. ماذا فعل ابني محمد بهم؟ لقد كان يشرب عصير البراد أمام باب المنزل ويلعب مع أبناء عمه الذين أصيبوا في الحادث ‘‘. كان هذا قبل ستة أعوام. ومازال الرجل, الذي كبر خلال هذه المدة مايزيد عن المائة عام جراء حزنه وكمده على فقدانه ولده من فلذات كبده, اختطف من بين يداه نيران الصهاينة, كما سرقت من قبل أرضه ووطنه وأجداداه وأحلامه, واجبرته – كباقي الفلسطينيين – على اتخاذ المهجر وطناً. اما والدة محمد, فهي لا تكف عن البكاء منذ ذلك الوقت, حتى اعياها المرض وفارقت الابتسامة وجنتيها, وإن زادتها هذه الفاجعة إصرارا على البقاء في فلسطين وتشجيع أبنائها على استكمال دراستهم, حتى كبر الأبناء منهم من دخل الجامعة, والثالثة على عتبة الالتحاق بها. إن الام الفلسطينية عجيبة ولا مثيل لها, كالعنقاء, تحترق لتولد من جديد, أقوى وأروع مما مضى.

أما أخوة محمد, الذين يصل عددهم لخمسة أشقاء, فالشرود والتردد واضحاً في وجوهم – كباقي أطفال فلسطين – وكأن الحادثة وقعت بالأمس. حيث يتذكرون شقيقتهما التؤام, شروق وضحى, أخر كلمة نطق بها محمد قبل أن تغتاله صواريخ الاسرائيليين امام اعينهما ’’والله ... بحبكن‘‘ قاصدا شقيقاته الخمس. وتبكيان كلما تذكرا هذه الواقعة المؤلمة. إن داخل كل فلسطيني جرح لم يندمل بعد, وبذرة أمل تجعله دائما يردد إن ها هنا ’بـاقـون‘ رغما عن كل القتل والإرهاب والهمجية الاسرائيلية. إن اخوة محمد وقتما قتلته النيران الإسرائيلية هو وجيرانه لم يكونوا قد وعيا لماذا قتلهما, اما الأن فهم يدركون لماذا قتلا. ولهذا السبب هم باقون في غزة, ليس خوفاً, ولكن تمسكاً بحق أخوتهم وأبنائهم وأهلهم وشعبهم أجمعين. إن كل طفل أو شاب أو فتاة, شيخ وأمراة فلسطينية تروي أرض فلسطين بدمائهم الطاهرة لا يزيدهم إلا تمسكاً بأرضهم, بزيتونهم, بكرمهم. وكيف لا وهناك يرقد الاحباب وفلذات القلوب والأمهات والجدود, لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

الأن, ماذا لو كان محمد وسامية وبلال أحياء, وغيرهم من اطفال فلسطين الذين اغتالهم ألة الحرب الصهيوينة, ماذا ستكون أحوالهم, احلامهم, أمالهم وطموحاتهم؟

قد يكون محمد قد أصبح طبيباً للأطفال, يحاول قدر جهده مدوأة جروح الأطفال الفلسطينيين الذين دمرت قدرتهم وشوهت أجسادهم الطاهرة البريئة القنابل والرصاص الإسرائيلي, محاولاً قدر جهده تخفيف الأمهم. أو ربما أصبح مهندساً, يصمم ويبني مدارس ومنازل وحدائق ومساجد بدلاً من تلك التي يصر الاسرائيليين على هدمها بصورة منهجية, ويصمم نماذج لحدائق, تزرع البهجة والفرحة في اعين اهل غزة والضفة, وسط العالم المآساوي الذي فرضه عليهم الاحتلال الاستيطاني – التدميري الاسرائيلي. او حتى اصبح محمد مزارعاً, يحاول بساعديه وزنديه اعادة زراعة حقول الزيتون والكرم والليمون, اتي جرفتها ودمرتها الجرافات الاسرائيلية. فيسقيها بعرقه, ويرعاها بروحه, حتى تنضج وتطرح ثمارها, حلالاً طيباً. وقد يكون محمد اصبح ’مجاهداً‘ او ’فدائي‘. ينتقم للشهداء‘الذين أزهقت أرواحهم آلة الحرب الإسرائيلية منذ ما يزيد عن قرن من الزمان.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل