المحتوى الرئيسى

دراسة تربوية مقارنة لرواية معروف في بلاد الفلوس للكاتب يعقوب الشاروني - دراسة تحليلية مقارنة بين ألف ليلة وليلة بقلم د أميمة منير جادو

06/19 21:46

رواية " معروف فى بلاد الفلوس "

دراسة تحليلية مقارنة - بقلم د أميمة منير جادو

omaima_gado@hotmail.com

تمثل قصة (معروف فى بلاد الفلوس ) القصة الثالثة والأربعين فى سلسلة أولادنا التى تصدر عن دار المعارف بمصر ، وقد صدرت عام 2004 .

وتقع القصة فى ما يقرب من خمسة وسبعين صفحة من القطع المتوسط .

وقد تصدّرتها رسوم عادل البطراوى المُميّزة وفى عدة لوحات حوالى أربعين لوحة معبرة بريشة فنية مُتميّزة . وتشير اللوحات عبر الملابس والبورتريهات إلى شخوص القصة أو الرواية القصيرة ، حيث تأخذنا إلى سحر ليالى الشرق الدافئة فى ألف ليلة وليلة فها هى الأميرة وها هو الملك وها هو الوزير وها هو شهبندر التجار وها هو عم معروف بطل القصة وزوجته البشعة وبائع الكنافة الطيب ... الخ .

والرواية القصيرة أو القصة الطويلة تثير فينا الحنين للمغامرة وتشدنا بالشوق والانجذاب لعالم الدهشة عبر تفاصيل الحكى لما تنطوى عليه فى بعض مواقفها الفانتزية من جذب ومتابعة مُشوّقة ، ولما فيها من بعض مواقف خارقة وسحر وخيالات مدهشة رائعة ...

وقصة " معروف فى بلاد الفلوس " حكاية معروفة لنا بداية خلال قصة معروف الإسكافى المطروحة من قبل فى ألف ليلة وليلة الشهيرة ... فالقصة هى فى مجملها استلهام من ألف ليلة وليلة ، فى الفكرة والشخوص والمواقف ... الخ .

فماذا قدّم الشارونى فيها من جديد ؟

أولاً هذا هو السؤال المطروح ...

أولاً : الأسلوب :

وبداية فإن الأسلوب السهل البسيط الذى قدمه يعقوب الشارونى يُعد بحق مما يحسب للكاتب حيث تخَلَّص من معظم الحشو والمفردات والإسهاب أو التطويل والوصف و ... و ... وكل ما تميزت به قصص ألف ليلة وليلة ، وبما لا يناسب الطفل المُعاصر فقدّم لنا الفكرة بداية بأسلوب سهل بسيط ومُركّز بما يتناسب مع طبيعة العصر الحديث وبما يتناسب مع طبيعة الطفل المصرى الذى فرضت عليه مُقتضيات العولمة السرعة أو قانون " التيك أواى " .

ثانيًا : الشخصيات :

كثف لنا الشارونى مواقف بعض الشخصيات كما هَذَّب من بعض الأسماء التى رآها غير لائقة بثقافتنا الآن ، فنجده يُسمى زوجة معروف " بالصّياحة " ( لأنها تصيح كُلّما بدأت أتحاور معها حول أى شىء ) ( ص5 ) .

بينما كانت فى ألف ليلة وليلة تُلقّب ( بفاطمة العرَّة ) . ( 1 )

وأبقى على بعض الأسماء كما هى لتأكيد مصداقية الاستلهام ولأمانة الشارونى فى عدم الإخلال ببعض المواقف أو الشخوص وهذا مما يُحسب له أيضًا ( 1 ) . فنحن نجد شهبندر التجار فى ألف ليلة وليلة ابن

الشيخ أحمد العطار هو نفسه يقابله ذلك عند الشارونى ، لكن الشارونى أضاف اسمًا للأميرة ، فأسماها ياسمين ولم يكن لها اسم فى ألف ليلة وليلة ( فى النسخة التى اعتمدنا عليها ) .

ولعل فى هذا توظيف مُناسب لاسم شخصية الأميرة حيث الطفل يتعامل مع الأسماء والمحسوسات أكثر من المُجرّدات التى قدّمتها ألف ليلة وليلة للكبار .

ثالثًا : الأحداث الدرامية :

كثـّف لنا الشارونى الأحداث فى بساطة دون إخلال ، فقد حذف الكثير من المواقف التى يُمكن حذفها وربما لا تضيف للطفل كثيرًا وقد تصرفه عن القراءة ، على سبيل المثال :

ففى ألف ليلة وليلة نجد مثلاً الزوجة ( فاطمة العِرَّة ) زوجة معروف الإسكافى قد شَكَتْهُ ثلاث مرات قبل أن يغادرها ويرحل عنها إلى حيث لا تعلم ...


( 1 ) ومما يرد به على بعض الاتهامات الموجهة إليه بأنه أتى بأسماء ألف ليلة وليلة كما هى دونما تغيير وكذلك بالمواقف ، لكننا نرى أن هذا ليس دليل إتهام بقدر ما هو دليل تبرئة ذمّته وأمانته واعترافه بأنه استلهم القصة من ألف ليلة وليلة وحيث يقول ( لقد تركت اسم معروف كما هو معروف لدينا جميعًا عن معروف الاسكافى ، وأنا لم أغيّر الأسماء لكى أؤكّد للقارئ استلهام لها من التراث ) .

شَكَتْهُ مرة للقاضى ومرة أخرى للقاضى الآخر ومرة ثالثة للباب العالى ...

بينما فى قصة الشارونى نجد أنه لخّص لنا كل هذا بأنّها زوجة صيّاحة ومُتعِبة وتستدعى الجيران ، مما دفعه لاستحالة العِشرة معها ، وتمنّى الهروب بعيدًا عنها ، وتحقّقت له رغبته عبر الجنى الذى انشق عن الحائط ...

كذلك فإن ألف ليلة وليلة حكت لنا حكاية الجنى الآخر الذى يتم استدعاؤه عبر حك الخاتم المُطلسم ... لكن الشارونى لم يجد بُدًّا من هذا الحكى وإنما جعل من الجنى أداة فقط لتحقيق أحلام الرجل .

كذلك أنهى الشارونى القصة عندما تحقّق حُلم معروف وحمل الذهب والمُجوهرات وغيرها إلى قصر الملك الذى زوّجه ابنته . بينما فى ألف ليلة وليلة طالت الحكاية وأدخلتنا فى سلسلة من يملك الخاتم هو الذى يصير ملكًا ، فمرة يملكه معروف ثم مرة يملكه الوزير ثم مرة زوجة معروف الأميرة ثم مرة تبحث عنه الزوجة الأولى التى يحملها الجنى إليه ثانية فى بلاده البعيدة ... الخ .

لكــن الشارونى اكتفى بنهاية موضوعية ومُقنعة دونما إخلال بالمضمون العام للقصة ، فقــد كثـّف الشارونـى الأحداث وما تنطوى عليه من معان وأفكار عبر المواقف التى استلهمها ورتّبها بعدما هذّبها وشذّبها من ألف ليلة وليلة مُراعيًا فى ذلك الزمن النفسى للطفل القارئ ( طفل ثقافة كبسولات الأدب ) فطفل اليوم لا طاقة له على تحمّل قراءة عمل طويل جدًّا مهما كانت مغامراته مُمتعة ، فإنه فى عُمـر لا يسمح له أحيانًا بها ( النفس الطويل ) كما فى ألف ليلة وليلة ، لكنّه يلهث بسرعة ، فطبيعة المرحلة العُمرية والنمو الجسمى والعقلى تفرض عليه ذلك .

رابعًا : المُعالجة الدرامية :

اختلفت المُعالجة الدرامية بداخل السياق القصصى عبر المواقف المُختلفة عند الشارونى عنها فى ألف ليلة وليلة التى استلهم منها قصّته .

هذا الاختلاف عبر طرح فكرة ما أو قيمة ما إنّما هو أفكار الكاتب ( الشارونى ) التى يلفت النظر إليها أو يؤكّد عليها أو يتخذ منها نقطة انطلاق تثير التأكيد على قيم تربوية هادفة ومقصودة ولعل فى هذا ما جاء به الشارونى جديدًا يحسب له .

فقد نقح التراث وفق رؤية واعية ومُناسبة للعصر الحالى ، واستبعد ما لا يتسق وسياقات الثقافة فى عصر العولمة وما يتعلّق بها .

ونقرأ على سبيل المثال ما يلى :

1 – يبدأ الشارونى القصة بداية غير تقليدية تدعو للدهشة والتساؤل والفضول لدى القارئ إذ تبدأ القصة هكذا ( خُذْ حذرك يا عم معروف .. سِنْ المخراز التى تثقب بها الجلد ستدخل فى يدك ) . ( نص الرواية )

( وفى الحال توقّفت عن العمل فى إصلاح الحذاء الذى بين يدى كما توقّفت عن حكايتى التى كانت السبب فى ذهولى عن المخراز .. ) ( نص الرواية )

وحين يستهل الكاتب القصة بعبارة تنبيهيّة هكذا ( خُذْ حذرك ... الخ ) .

فإنها تدعو القارئ للتساؤل : من قائل هذه العبارة ؟ ولمن ؟ ولماذا ؟ بمعنى آخر : إنها رسالة فمن قائل الرسالة ؟ ومن متلقى الرسالة ؟ وما مضمون الرسالة ؟

إنها ثلاثة عناصر ضمن المنظومة التربوية .. وعلى الفور نتعرّف إلى القائل : الطفلة نسمة ، والتى تصلّح حذاءها عند عم معروف هذا الإسكافى ...

وتُجيب بقية أحداث القصة فى بعض المواضع عن السؤال الثالث لماذا ؟

فنكتشف أن معروفًا إنما يجتذب زبائنه من الأطفال عن طريق حكى الحكايات لهم فيسليهم .

وبهذا استطاع الشارونى أن يؤكّد أهمية الدور الذى يُمكِن لأى إنسان أن يلعبه فى تربية الناشئة ، وأن يؤثر عليهم مهمـا كان بسيطًا سواء بقصد أو بدون قصد ، إنه دور الراوى الجيد للحكايات ، وحيث لا يصلح أى إنسان أن يكون راويًا ، لكن الراوى لابد أن يكون ذو حنكة وخبرة ودراية ومودّة وتحبّب وإلاّ فلن ينجذب إليه الأطفال وقد ينصرفون عنه .

فمعروف الإسكافى عند الشارونى ليس بولىّ أمر أحد الأطفال ، لكنّه يلعب هذا الدور أو يقوم بدور الجدة فى حكى الحكايات أثناء تصليحه للأحذية . ومن الواضح أن حكاياته مُسلية ويُحبّها الأطفال وتجذبهم إليه ...

وهنا يؤكّد الشارونى ضمنيًّا - أيضًا - على دور الحدوتة أو الحكاية فى التربية ، فهى إذن أحد الوسائط التربوية والتعليمية للأطفال .. كما يؤكّد على أهمية دور الراوى دون أن يلفظها صراحة بشكل مُباشر ، لكنّنا نستطيع الوقوف على ذلك من السياق الضمنى للحكاية ، كما يؤكّد ضمنيًّا على دور الشراكة الاجتماعية فى التنشئة الاجتماعية خلال التربية التلقائية أو اللا نظامية خارج المدارس فمعروف الاسكافى هنا يُساهم فى هذه التنشئة والتربية وهو بمثابة مُعلّم للأطفال ومُربى لهم دون أن يكون داخل سور المدرسة .

ويُضفــى الشارونى على حكاياته صيغة الخيال للتشويق ، ولإثارة فضول الطفل ، ولإعمال عقله وإنماء خياله وإذكاء روحه نحو عالم الإثارة والمُتعة .

يعود الشارونى فى مُفتتح قصّته لإثارة الوعى لدى القارئ بأن القصص يُمكِن أن تنتهى نهايات مُختلفة بحسب الراوى والمُستمع وزمن الرواية .

وهذا يمنحنا انطباعًا – ما - بأن القصة ( أى قصة ) قابلة للتطوير وللمرونة وليست بالضرورة نصًّا مُقدّسًا ، والمعروف أن النصوص الشعبية خاصة نصوص مرنة قابلة للتطوّر والطواعية وفق مُعطيات العصر ، فهى تتخلّى عمّا لا يُناسب العصر وتتطوّر إلى ما يُناسب مفردات العصر الحالى الذى أبدعها دونما إخلال بالفكرة الرئيسة أو روح النص .

يقول الشارونى فى الرواية :

( وعادت الصغيرة نسمة تقول فى شغف : وماذا فعل الجنى بالصيّاد المسكين ؟

قلتُ : تقول الحكاية القديمة إن الصيّاد نجح فى إرجاع المارد الشرير إلى الوعاء النحاسى الذى كان سجينًا فيه ..

ثم تمهّلت قبل أن أضيف : لكننى سمعتُ نهاية أخرى للقصة .

قالت نسمة ضاحكة : ونحن نحب سماع نهاياتك الجديدة .. هل أخذ الصيّاد الجنى ليتفرج عليه أبناؤه ؟! ) ( ص 4 ) .

إن القراءة المُتأنية للسطور السابقة - كافتتاحية أو ( استهلال ) - لقصة معروف فى بلاد الفلوس إنما هو المُعادل الموضوعى لطرح الشارونى لنفسه ككاتب مُختلف عند استلهام التراث ... وليس بالضرورة أن يكون المُعادل الموضوعى رمزًا - ما - مُقابل أفكار مطروحة سياسية كانت أو اجتماعية ، لكنّها فى رأينا مًمكنة كأن يكون إنسان ما يُشكّل هذا الرمز الجديد لطرح مُختلف جديد وجيّد .

ذلك أن من يقرأ " معروف فى بلاد الفلوس " سيظن لأول وهلة إنها هى نفسها قصة معروف الإسكافى ، ذلك لتشابه الأحداث والشخوص تمامًا ...

لكن الجديد عند الشارونى هو كقفية توظيفه لهذه الأحداث مع هذه الشخوص لطرح فكرة تربوية جديدة أو رؤية مُغايرة أو خطاب مُحدّد ينطوى على قيمة ما خلقية أو اجتماعية أو علمية أو دينية أو ... أو .. الخ .

لذا فإنه من المُناسب جدًّا أن نقرأ القصة الأصل ، ثم نقرأ القصة المُستلهمة ، ثم قبل أن نصدر أحكامنا ، علينا باتباع المنهج المُقارن ...

على أن تكون المُقارنة ما بين شخوص الرواية الأصل وشخوص الرواية المُستلهمة ..

وأن تكون المُقارنة بين الأحداث فى الرواية الأصل والأحداث فى الرواية المُستلهمة ..

وكذلك مُقارنة الأسلوب ...

ثم تأتى أهم المُقارنات على الإطلاق - فى رأىَّ - وهى المُعالجة الدرامية للمضمون ، والتى تطرح فكرة ما جديدة ، أو نهاية مُختلفة !

هذا الطرح الجديد هو الذى يُحسب للكاتب الذى يستلهم التراث ويُجدّد فى تناوله ، بحيث يصير قلمه بمثابة المنخل أو الغربال الذى يعمل على فرز المُناسب واللا مُناسب ... وهذا لا يتحقّق إلا لكاتب مُتمرّس ذكى ، ذى خبرة مثل يعقوب الشارونى ...

ولعلّنا فى هذه السطور نستكمل بقية المُقارنة عبر الجديد الذى قدّمه لنا الشارونى حيث يقول فى حدّة ، على لسان البطل معروف :

( كان النهار طيّـبًا ، سعدت فيه بصحبة زبائنى الصغار ، ضحكنا ومثّـلنا الأدوار ، وعشنا لحظات مع الخيال ، لكنّهم فُقراء مثلى يعيشون بالأمل والأحلام ، وكل فلوسهم لا تكفى لشراء الكُنافة بعسل النحل التى طلبتها زوجتى ) . ( نص القصة )

تشعرنا العبارة السابقة بمجموعة من القيم تبدأ بالرضا والقناعة ( كان النهار طيّـبًا ) وحيث الرضا عن العمل من أهم مُقومات نجاحه والذى يفضى بالإنسان إلى السعادة ( سعدت فيه بصحبة زبائنى الصغار ) . ( نص القصة )

ثم يؤكّد الكاتب على قيم التفاهم والامتزاج بين من يقوم بدور المُربى – فرضًا - وبين الأطفال ( ضحكنا ) فالضحك لا يكون إلاّ عن مودّة ورضا وتفاهم ومحبّة خاصة مع الصغار لأنّنا عادة حين نضحك مع الصغار ، ونجعلهم فى حالة ضحك فإنّها عادة حالة صدق تربوى .

ثم يُشيرُ الشارونى لعملية تربوية غاية فى الأهمية وهى ( تمثيل الأدوار ) أو ما يسمى باللعب التمثيلى أحيانًا أو التخيّلى وهو من أهم عوامل نجاح العملية التربوية ذلك لمناسبته للصغار فيقول : ( ومثلنا الأدوار ) ( ص5 ) .

ويُكمّل : ( وعشنا لحظات مع الخيال ) ( ص 5 ) .

وهنا تأكيد لدور الخيال فى تربية الطفل ... وكلها عبارات بسيطة سهلة مُختصرة مُكثفة ، لكنها تنطوى على معان تربوقة ومضامين فى غاية الأهمية .. إن هذا هو ما يُعرف حديثًا ( بالخطاب التربوى للطفل ) أى الموجه للطفل ... عبر أى موقف تعليمى سواء أكان حكاية أو تمثيلية أو مسرحية أو أغنية أو لعبة ... الخ .

ليكون السؤال المطروح هنا : على ماذا ينطوى الخطاب التربوى فى هذا الوسيط التعليمى المُقدّم للطفل ؟

وبناء عليه يكون الخطاب التربوى أو .. ما مضمون الرسالة التى قدّمها الكاتب للطفل ؟ ( أو الرسالة ) عند الشارونى مُتضمّنًا خلال افتتاحية قصة " معروف فى بلاد الفلوس " ويهدف إلى ما يلى :

الرضا والقناعة والتفاؤل والحب والتفاهم والطموح إلى الآمال والرغبة فى تحقيقها ، والحلم بآمال أكبر والعمل على تحقيقها ولو عبر الخيال ، هذا الخيال الذى قد يؤرّق صاحبه فيدعوه دائمًا للتفكير وإعمال عقله حتى يُحقّق أحلامه .

يقول الشارونى على لسان معروف :

( قلت لزوجتى بقليل من الخيال نستطيع أن نأكل كنافة بعسل القصب ونتصورها بعسل النحل ) ( ص6 ) .

( قلتُ : سأغمض عينى وأنا آكلها وأتصور نفسى على مائدة السلطان ) ( ص7 ) .

كما يبدو خيال الزوج القانع الطيّب فى مُقابل طمع الزوجة الجشعة الشريرة ليوضّح الفارق بينهما ، فتتعاطف نفسيًّا مع رمز الخير وترفض الشر .

يقول الكاتب مستلهمًا من التراث الشعبى ( وصرخاتها تتزايد وهى تُردّد كالمجنونة : جائع ويحلم بمائدة السلطان ) ( ص9 ) .

وقد جاءت على لسان الزوجة الشريرة زوجة معروف الإسكافى وهى استلهام من المثل الشعبى : " جائع ويحلم بسوق العيش أى ( الخبز ) " .

ثم تسير أحداث القصة المعروفة حيث يخرج معروف من البيت رافضًا معاملة زوجته النكدية ، ويسكُن مكانًا لقصور قديمة ويتمنّى لو يذهب لمكان بعيد عن زوجته ، فإذا بالحائط ينشق ويخرج منه الجنى الذى يُحقّق أحلامه ، ويأخذه ويُلقى به على جبل . ثم ينزل من فوق الجبل لمدينة فيندهش الناس لرؤيته بها ، لاختلاف ملابسه عنهم ، ولا يُصدّقون أنه جاء من مصر منذ الأمس فقط ، حيث لا طائرات بالطبع فى هذا الزمان ..

ولعل فى القصّتين ( معروف الإسكافى ، ومعروف فى بلاد الفلوس ) استلهام من " الإسراء والمعراج " الذى حدث لرسول الله ( ص ) عندما ركب البُراق وذهب من أرض الحجاز إلى القدس ما بين عشية وضُحاها ، وعاد ثانية للحجاز فى اليوم التالى فلم يُصدّقه أحد ورموه بالجنون ..

إن هذا الاستلهام يؤكّد شيئين :

1 – الأثر الدينى والتراثى فى القصّتين ( الأصلية والمُستلهمة ) .

2 – إن خيال الأمس هو حقيقة اليوم .. وإن خيال القصص هو نبوءة المستقبل ، ولذلك يجب ألاّ يتخلّى الإنسان عن أحلامه وخياله ، إنهما المُعادل الموضوعى لتجميل الحياة واحتمال قسوة الواقع أحيانًا مع سعى الإنسان للتطوّر .

ونستكمل القصة : يتعرّف معروف لأحد التجار الذى يسأله من هو ، ثم تحدث المُفارقة والمُفاجأة ، فيكتشف أن هذا التاجر كان صديقًا له فى الطفولة وقد سرقا فاكهة فهدّده والده عندما علم بأن صاحب الحديقة سيقطع رأسه ، فخاف الطفل وهرب منذ ذلك اليوم ولم يسمع عنه أحد ... ثم نكتشف أن هذا التاجر هو طفل الأمس صديق معروف وقد هرب خوفًا على نفسه ووالده .

إن المُعالجة فى هذا الموقف تؤكّد أن العقاب بـ ( التهديد والتخويف ) فى عملية التربية لا تؤتى بثمارها الحسنة وإنما دفعت الطفل للهرب . وهو تنبيه تربوى وتحذير يبثه الكاتب بين ثنايا السرد .

ثم يطرح الكاتب فكرة القوة والاحترام والنفوذ من خلال قيمة المال وكأنه يُنبه إلى سيطرة عصر القوة من خلال المال فيقول الشارونى فى ص 18 :

( فوجدت أهل هذه المدينة يعيشون من أجل المال ويحترمون من يزيد رقم ما يملك على رقم ما يملكه غيره ) .

( قلت لهم : أنا تاجر وقد سبقت قافلة الجمال الكبيرة التى تحمل بضائعى ، عندئذ عاملونى بكثير من الاحترام والترحيب ) .

وهنا يُقدّم الكاتب طرحًا مُختلفًا عن ألف ليلة وليلة ، ذلك أن معروف ( ألف ليلة وليلة ) ظل يستدين بعدما شجّعه صديقه العطار وراح يوزّع ما يستدينه على الفقراء حتى استدان أكثر من 70 ألف دينار ، بل ذهب لملك المدينة واستدان منه أيضًا بعدما شكوه الناس إليه وكان هذا بناءً على تقديم صديقه له الكاذب بأنه تاجر كبير ثرى وقد سبق حافلته المليئة بالبضائع .

جاء فى ألف ليلة وليلة على لسان صديقه ( فلمّا أصبح الصباح أعطاه ألف دينار وألبســه بدلـة وأركبه بغلة وأعطاه عبدًا ، ثم أنه ركب البغلة ومشى قُدّامه العبد إلى أن وصّله إلى باب سوق التجار ، وكانوا جميعًا قاعدين والتاجر قاعد بينهم فلمّا رآه قام ورمى روحه عليه وقال له : نهارك مبارك يا تاجر معروف يا صاحب الخيرات والمعروف ) .

ثم قبّل يده قُدّام التجار قال : يا إخواننا آنسكم التاجر معروف فسلّموا عليــه ، وصـار يُشير لهم بتعظيمه ، فعظم فى أعينهم ، ثم أنزله من فوق ظهر البغلة وسلّموا عليه ... فقالوا له : هل هذا تاجر ؟

فقال لهم : نعم بل هو أكبر التجار ولا يوجد واحدًا أكثر مالاً منه … الخ ) ( ص33 ) ( ألف ليلة وليلة ) .

بينما رواية الشارونى اعتمد المؤلف على العمل الحقيقى والتجارة الحقيقية وليس الكذب والإدّعاء ، يقول الشارونى على لسان معروف ( وفى الصباح ذهبت إلى السوق واشتريت ثلاثة أصناف مختلفة من الشاى ، وفى بيتى خلطت تلك الأصناف معًا بنسب مُعيّنة كنت أعرفها من مصر ، ثم ذهبت أبيعها فى السوق ، وسرعان ما أجمع الذين اشتروا منّى على قول واحد : هذا تاجر يبيع أفضل ما تذوّقنا فى حياتنا من شاى ) .

( ربحت فى اليوم الأول خمسين دينارًا ، اشتريت بها شايًا جديدًا ، وخلال أيام أصبح أهل المدينة جميعًا لا يبحثون إلاّ عن الشاى المصرى العجيب ، فتنافس التجار يشترون منى بالجملة فكثرت أرباحى ورددت ما اقترضت وفوقه ما يساويه وأكثر . وسرعان ما نسى الناس حكاية قافلتى التى لم تصل أبدًا ) ( ص 19 ، 20 ) .

وهنا نقرأ بوضوح الطرح المُختلف عند الشارونى ، حيث المكسب عنده من العمل ومن التجارة ، والتجارة شطارة وحيث توظيف الخبرات السابقة لدى معروف ( فى خلط الشاى مثلاً ) ، كما يؤكّد الكاتب قيمة الانتماء للوطن ، وحب مصر والانتماء إليها ، عندما يذكر ( اسمها ) فى موضعين مُتتاليين : ( من مصر ) ، ( الشاى المصرى العجيب ) .

ويعود الشارونى فى موضع تال من الرواية يؤكّد إعلاء ( قيمة المال ) عند هؤلاء التجار فى المدينة وأنها مصدر للقوة وكأنها تنبيه لسيطرة المادة وطُغيانها على الحياة فيقول فى ص 23 :

( وصلت سوق التجار فلم يتنبه أحد إلى وصولى ، كانت الأرقام تشغلهم جميعًا ، كل واحد قد أمسك ورقة وقلمًا وهو يسأل نفسه : كم سأكسب ؟ أو يسأل جاره : كم خسر فلان ؟ )

ويُثير الشارونى قضية أخرى عبر القص وهى ( احتيال المُتسولين بكافــة الطرق استدرارًا للشفقة ) وهى جديدة على نص ألف ليلة وليلة يقول الشارونى :

( أمّا أنا فلأننى أعرف من خبرتى ما يُعانيه الفُقراء من مذلَّة تدفعهم أحيانًا إلى التظاهر بفقد البصر لاستدرار عطف أصحاب ( الأرقام ) ، فإنه عندما اقترب الشحاذ منّى ملأت قبضتى بدنانير الذهب وأعطيتها له : وقد اضطر الشحاذ أن يتخلّى قليلاً عن التظاهر بالعمى الكامل لكى لا يترك أى دينار يسقط من بين كفيه ، لكن التجار من حولى لم يتنبهوا إلى أن الشحاذ كـاد يفضح حيلتـه بنفسه لأن شيئًا أهم شغل خيالهم ) ( ص27 ) .

ويطرح الكاتب قضية ( التكافل الاجتماعى ) و ( العدالة الاجتماعية ) ، طرحًا ضمنيًّـا فى سياق قيمى جميل بل رائع عبر أسلوبه القصصى ، يقول الشارونى على لسان معروف :

( قلت لنفسى : يجب أن يعرف تجار هذا البلد أن تحقيق بعض أحلام الفقراء أهم كثيرا من زيادة أرقام الثروات ) ( ص 29 ) .

ويؤكّد على هذه القيمة بقوله : ( وكنت وأنا أفعل ذلك أراقب التجار حولى بطرف عينى فأجد الأسف يعتصر قلوبهم على نقودهم التى تتسرّب من بين يدى لتصبح ملكًا للفقراء . ومع ذلك ظل الطمع يدفعهم إلى الاستجابة لمزيد من طلباتى بإعطائى مزيدًا من أموالهم التى ظللت حريصًا على أن يشاهدونى بوضوح وأنا أوزعها على فقرائهم ) ( ص 30 ) .

ويتفق هنا الشارونى مع ألف ليلة وليلة فى مسألة توزيع الأموال على الفقراء كما يتفقان على استلهام ذلك من المُعتقد الدينى الذى يستوجب الزكاة أو تزكية المال أى أن للفقير نصيبًا فى مال الغنى ، وكما ورد فى الدين : " خذ من أموالهم صدقة تزكيهم " . وفى كل الحالات دعوة للعدالة الاجتماعية والتكافل الاجتماعى مما يدفع بعيدًا بظاهرة الحقد الطبقى التى صارت تتزايد فى هذه الأيام مع الغلاء المعيشى وعدم استيفاء الفقراء لضرورات حياتهم مُقابل رغد الأغنياء بلا حدود .

يقول الكاتب مؤكّدًا على قيمة العطاء والتى تمنح صاحبها السعادة :

( كنت سعيدًا بسعادة الفقراء وقد وجدوا بعض أحلامهم تتحقّق ) ( ص 32 ) .

ثم تستمر أحداث الرواية فيصل معروف للملك بعدما يشكوه الناس له ، هؤلاء الذين استدان منهم ولم يرد لهم ديونهم بعد وقد وزّعها على الفقراء .

وقد كان من الأفضل أن يقول القارئ : لماذا لم يجعل الكاتب " معروفًا " وقد ظل يتاجر ويكسب فى البداية .. لماذا حاد به عن طريق المكسب إلى الاستدانة ؟

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل