المحتوى الرئيسى

سورياو التحول من لاعب اقليمي الى ملعب اقليمي بقلم أكرم عطالله العيسة

06/19 21:35

سوريا والتحول من لاعب اقليمي الى ملعب اقليمي

بقلم أكرم عطالله العيسة

بيت لحم 19 حزيران 2011

على مدار الاربعة عقود الماضية بقيت سوريا تلعب دورا اقليميا و اختلفت الكثير من القراءات فيما يتعلق بالصدقية والوطنية والقومية التي تبنتها القيادة البعثية السورية بدء بمرحلة الأسد الأب و صولا لمرحلة الأسد الأبن والتي أعطت قرينا واضحا على عدم وجود حزب حقيقي و ديموقراطي في حكم سوريا, انما هي فئة, طبقة, وأسرة حاكمة, تخدم مصالحها وتحافظ على دورها الأقليمي من خلال اللعب على التناقضات في المحيط. وفي سبيل خدمة الهدف تمت عملية تغيير الدستور السوري ما بين ليلة وضحاها ليتلائم مع عمر الرئيس الأبن. فبدلا من الحد الأدنى لعمر الرئيس والذي كان 40 عاما تم تخفيضه ليصبح 34 عاما, وبالتالي يصبح بشار الأسد صاحب الثمانية وثلاثون عاما مؤهلا ليكون رئيسا للبلاد ,و كأن الرحم السوري لم يكن قادرا على انجاب قائدا آخر من خارج عائلة الأسد, واثباتا واضحا على الاستمرار في تكريس حكم الفرد وان الحزب والدولة في خدمة الفرد شبيه الاله.

منذ حرب أكتوبر عام 1973, أدرك النظام السوري ان بقاؤه مرهون بقدرته على استخدام القوى الأخرى بحيث تحقق هدفين رئيسيين له: الأول – اظهاره وكأنه المتصدي الأول لأية تنازلات مع اسرائيل, وانه يحافظ ويعمل على تحقيق التوازن الاستراتيجي مع اسرائيل, وبالتالي تحققت بعض المصالح المتبادلة ما بينه و بين معظم الفصائل الفلسطينية, وبعض القوى اللبنانية, وان كان ذلك بشكل متباين ما بين مرحلة وأخرى, ولكن احدى الدلالات على عدم صدقية مثل هذا التوجه هو التناقض التاريخي ما بين سوريا والعراق, على الرغم من التوجهات الواضحة من قبل نظام صدام اتجاه الاحتلال الاسرائيلي وعدوانيته, الا ان سوريا اتجهت صوب ايران العدو اللدود للعراق في حينه, ولم تبالي بامكانية اصلاح علاقته مع النظام العراقي, ومحاولة بناء تحالف قوي امام العدوان الاسرائيلي, اما الهدف الثاني , وهو الأكثر أهمية في اعتقادي هو الاحتفاظ بالسلطة السياسية, وابقاء النظام السياسي في خدمة طبقة سياسية تجمع ما بين السيطرة الطائفية و الاقتصادية. وما يعطي دلالة واضحة على ذلك ان سوريا وعلى مدار الأربعة عقود الماضية لم تشارك بشكل مباشر في اي عمل مضاد لاسرائيل, حتى في ظل العدوان المباشر من قبل اسرائيل على السيادة السورية وداخل الاراضي السورية, والذاكرة القريبة التي ما زالت ماثلة في الأذهان, عمليتي اغتيال عماد مغنية أحد قادة حزب الله في وسط العاصمة السورية دمشق, والغارة الأسرائيلية على منطقة دير الزور بحجة وجود منشأة عسكرية ذات صبغة نووية, و كانت الاجابة (الكلاشية) السورية – نحتفظ بالرد في الزمان والمكان المناسبين.

استمرت الاستراتيجية السورية المبنية على اللعب على التناقضات والتي تستفيد من الصراعات مابين الأعداء و الأصدقاء بالنجاح , فعلى الرغم من توافق المصالح ما بين ايران وسوريا, الا ان سوريا دخلت في صراع مع بعض حلفاء ايران في العراق وعلى نقيض ذلك اتفقت مع حلفاء ايران في لبنان, وكذلك على الرغم من صراعها التاريخي مع الاخوان المسلمين الا انها تحالفت مع حركة حماس, اضافة الى تلقفها لتوجه اوردوجان في تطوير العلاقة ما بين تركيا وسوريا, رغم يقينها من الصراع غير المعلن ما بين تركيا وايران. كان التجلي الأكبر للصراع ما بين ايران و تركيا هو الساحة اللبنانية, أحمدي نجاد يتوجه الى لبنان في اكتوبر من العام 2010, اما اوردوغان فيلحق به في نوفمبر من نفس العام, اوردجان السني يتجه الى الشمال, ونجاد الشيعي يتجه جنوبا. أما سوريا والتي اثبتت دوما ان دورها الأقليمي مبني على الرقص ما بين القوى الأقليمية الأكبر, فقالت للآخرين في لبنان انا جاركم الأقرب ,الأعرف بكم والأكثر قدرة في الحفاظ على مصالحكم وأمنكم الداخلي, فلا تهرولوا كثيرا اتجاه الآخرين.

ان حالة الاستقواء الاقليمي من خلال صراعات الأخرين والاستفادة من تناقضاتهم التي لعبها النظام السوري على مدى العقود الماضية لم تشفع له امام الشعب السوري الذي قمع وصودرت حريته دوما من قبل الطغمة الحاكمة, خاصة ان هذا الشعب أصبح يدرك تماما ان الموارد السورية تستخدم ليس من أجل مواجهة العدوان الأسرائيلي وانما في سبيل أغناء طبقة جديدة أفرزها النظام السوري الشمولي الحاكم, فهو افترض انه ومن خلال سلطته القائمة على الخوف والترويع وجبروت القوى الأمنية التابعة له ان بامكانه الاستمرار, بل ان قادة النظام ومثقفيه وحتى بعد ان بدأت الثورات تعصف في العالم العربي, أقنعوا انفسهم ان الحالة السورية مختلفة عن الحالة التونسية والمصرية, وان الأمن والأمان المدعى من قبل النظام ووسائل أعلامه, اضافة الى خدعة بناء التفوق الأستراتيجي اتجاه اسرائيل, وان سوريا هي بلد الممانعة الأولى في المنطقة, ستكون عناصر كافية للاحتفاظ بالسطلة, كل ذلك لم يقنع الجماهير السورية في عدم المطالبة بحريتها وحقوقها الانسانية الأساسية, التي تمت مصادرتها عبر الحكم الشمولي لحزب البعث السوري.

امام ما يجري في سوريا, بدأ اللاعبين الأقليميين الحقيقين ( تركيا, ايران واسرائيل) باعادة ترتيب اوراق اللعب من جديد, خاصة بعدما ادركوا ان سوريا لم تعد لاعبا اقليما وانما تحولت الى ملعب اقليمي تتبارا فيه ليس فقط القوى الاقليمية بل ايضا القوى العالمية, فايران, تدفع بكل قوتها الى الابقاء على النظام السوري, لتحقيق هدفين مرتبطين, الأول – الحفاظ على قوة حزب الله على الساحة اللبنانية, والثاني هو محاولة ابقاء النظام السوري كداعم وحليف في وجه بعض الدول العربية اضافة الى الولايات المتحدة و اسرائيل, مما كان من شأنه تسهيل الدور ألأيراني في المنطقة. أما تركيا, فهي تريد تحقيق جملة من الأهداف على الملعب السوري منها- الاثبات للغرب الأوروبي انها قوى ديموقراطية, وهي قادرة على ان تلعب دورا اقليميا متقدما, وتقول للأوروبيين – انتم تحاولون اغلاق بوابة الغرب امامنا ( الأنضمام للأتحاد الاوروبي) لكننا نستطيع ان نكون لاعبين مميزين في الشرق, اضافة الى التخوف التركي من النمو المتزايد للحضور الايراني في المنطقة , في ظل السيطرة الملموسة من قبل ايران على الكثير من النواحي السياسية في العراق , فهي ليست بحاجة الى تكرار ذلك مع جار اخر هو سوريا.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل