المحتوى الرئيسى

> فساد الأزمنة.. وفساد الأفئدة

06/19 21:16

ليس من السهل علي الإنسان المصري صاحب أقدم حضارة أن يغير من سلوكه وعادته بين ليلة وضحاها، فنحن نحمل تراث المجتمع الزراعي الأول الذي كان ينتظر المحصول أياماً وليالي حتي يجني ثمار ما زرع، وفيما هو ينتظر الحصاد كان يغني ويرسم وينحت التماثيل ويقيم المعابد ويشيد القصور للملوك والنبلاء، فنحن شعب فنان أبا عن جد، وعندما يقترب العدو من حدوده يدعوه الحاكم للدفاع عن الوطن فيلبي نداء الواجب فيستشهد ببسالة من أجل الدفاع عن مصر، فنحن أيضا شعب مقاتل، ولكنه يعشق الاستقرار، ويمقت الهجرة والترحال، لذلك فمن الصعب أن نغير عاداتنا الأصيلة بسهولة، وقد ساهمت الأنظمة الديكتاتورية الفاسدة التي رقدت علي صدور المصريين عبر العقود الأربعة الماضية في أن تورثنا كل آفات الخنوع والسكينة والانسحاق ،وتدفعنا للهجرة نحو بلاد النفط الرعوية شرقا وغربا بحثا عن لقمة العيش المغموسة بكل أشكال المهانة... والشعب المصري نادرا ما يثور علي الحاكم الظالم مهما تجبر وطغي واستكبر، لأنه يعتقد أن ما هو فيه مقدر ومكتوب، وهذه هي طبيعة الأشياء، وأنه إنسان قليل الحظ، والرزق يأتي من السماء فإن ضاقت به سبل العيش فتلك لحكمة لا يعلمها هو، ولكن الله وحده علام الغيوب، فالمصريون يعرفون أن رزقهم في السماء وما يوعدون، فإذا لم يأت الرزق اليوم فغدا، وإذا لم يأتِ غدا فهو علي موعد أن يجازيه رب العزة بجنة الخلد في الدار الآخرة إذا صبر فإن الله مع الصابرين، والشعب المصري الذي يستشهد عن طيب خاطر من أجل الدفاع عن الوطن بدءاً من حرب (قادش) حتي حرب أكتوبر 73 .. أو في جيوش السخرة لحفر قناة السويس أو بناء الهرم، لا يحبذ الاستشهاد في الثورة ضد الحاكم للحصول علي حقوقه المسلوبة أو أمواله المنهوبة بالقوة، ربما يدعو علي الحاكم بانتقام السماء، أو «يتحسبن» عليه قائلاً : «حسبي الله ونعم الوكيل»، أو يطلق علي الحاكم النكات الساخرة، أما الثورات الشعبية التي قام بها الشعب المصري ضد ظلم الحاكم فكانت دائما بالضرورة ضد حاكم أجنبي، غاصب غاز أو مستعمر محتل، وعندما جاءت ثورة يوليو 52 كان عبدالناصر هو أول حاكم مصري يتولي حكم مصر منذ العصر الفرعوني، ولم يحدث أن ثار الشعب المصري ضد فساد أو ظلم الحاكم إلا في عام 77 بما عرف بالانتفاضة الشعبية وأطلق عليها السادات آنذاك (انتفاضة الحرامية) .. وربما تكون ثورة 25 يناير هي المرة الأولي التي يثور فيها المصريون وبلا قيادة واضحة ضد الفساد والظلم، ولأول مرة يستشهدون من أجل حقوقهم في مواجهة حاكم مصري، فما حدث يمثل طفرة حقيقية في نمط السلوك الثوري لدي المصريين.

ولكن رغم هذه الاستحقاقات الباهظة التي دفعها المصريون من دمائهم من أجل تغيير الواقع، إلا أن الواقع من حولهم يزداد سوءاً، ورغم القبض علي معظم رءوس ورموز الفساد في نظام مبارك، إلا أن النتائج الإيجابية للثورة لم تنعكس علي تحسين ظروف المعيشة، فالاقتصاد المصري في حالة احتضار إن لم يكن انهيار، والبلطجة في كل مكان والشرطة تضع يدها في الماء البارد، والحكومة كما هو واضح للداني والقاصي في حالة ارتباك أو (تلبك معوي سياسي حاد)، والثورة والثوار في حالة (حوار وطني) أو (حالة وفاق قومي) وكأننا محلك سر وربما (السيارة تعود إلي الوراء !! ) فنحن نخطو خطوة للأمام وخطوتين للخلف، ونمط السلوك لدي معظم المصريين يزداد تراجعا نحو الأسوأ، ولو بحثنا عن أسباب جوهرية لما نحن فيه الآن سنجد أن كل ما نجحنا فيه هو الإطاحة برموز الفساد ورءوس النظام الفاسد، ولكن البنية الأساسية والتحتية للفساد مازالت قائمة وموجودة بيننا تسير معنا في الطرقات وتشغل كل الأماكن، فهذا الجيش الجرار من كبار موظفي الحكومة الذين تربوا في أحضان النظام الفاسد ووفقاً لنظرياته البرجماتية علي الطريقة المصرية (شيلني واشيلك) وخلفهم جيش آخر من المنتفعين و(المهلباتية) والسماسرة والثعالب الصغيرة كل هؤلاء مازالوا موجودين بيننا، وكثيرون منهم لا يعلمون أن ما يمارسونه هو فساد أخلاقي وسياسي سافر، وكثيرون منهم يعتقدون أن ما يفعلونه هو من طبيعة الأشياء، ومنهم من يعتقد أن ما يحدث حولهم مجرد تمثيلية عبثية لإلهاء العامة من الناس وأنها مجرد سيناريوهات متفق عليها لامتصاص غضب الناس، وهذا يثار بينهم ويقال في الغرف المغلقة علي أنها مسألة وقت بل إن بعض رجال البنية التحتية للفساد مازالوا يعتقدون أن مبارك لن يحاكم وأنه سيعود للحكم وأن جمال هو مرشح الرئاسة القادم إلي هذا الحد يعيشون في هذا الوهم الكاذب الكبير، أو هذا الحمل الكاذب بالثورة المضادة والذي مازال يروج له حتي الآن (شباب المستقبل من أعضاء لجنة الحزب الوطني الإلكترونية)، إنهم معذورون لأنهم أبناء الأزمنة الفاسدة ولا يمتلكون إلا أفئدة فاسدة، وهؤلاء يتصرفون بنفس آليات الزمن الفاسد، ففي افتتاح كنيسة السيدة العذراء بإمبابة رأيت بعين رأسي عمال وموظفين من العاملين بمحافظة الجيزة يحملون علي سيارات نصف نقل كماً هائلاً من (قصاري) الزرع الفخار ويرصونها في مداخل الأماكن التي سيمر بها رئيس الوزراء عصام شرف، ومحافظ الجيزة، ورأيتهم بعيني رأسي بعد انفضاض المولد يلملمون العهدة ويضعونها علي نفس السيارات وليعيدوها إلي المشاتل التي استعاروها منها....

نفس العبث ونفس التمثيليات السخيفة، والاستهانة بعقول الناس قبل الاستهانة بعقول المسئولين الكبار الذين يعرفون في البداية ويسكتون، وبعد قليل يعرفون ويصدقون أنه زرع حقيقي وجد في طريقهم هكذا منذ سنين، هذا التدليس والخداع الذي مارسه صغار وكبار الموظفين علي مدي كل سنوات الفساد الماضية مازالت هذه العقول وهذه الأفئدة تمارسه بصدق تام، فهم أبناء الزمن الفاسد ولابد أن يحدث تغيير في كل شيء لكي نشعر بأن هناك ثورة ..

وإلا سنصنع حكاماً نسخة طبق الأصل من حسني مبارك ورجاله ولن تتغير سوي تواريخ نتيجة الحائط وربما سنعود للوراء خطوتين قبل أن نتقدم للأمام خطوة واحدة .. فمازال يلاحقنا فساد الأزمنة وفساد الأمكنة وفساد الأفئدة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل