المحتوى الرئيسى

العلاقات الصينية – الهندية الشراكة المثمرة و التطور المتنامي بقلم:عبدالكريم صالح المحسن

06/19 20:44

عبدالكريم صالح المحسن

باحث في الشؤون الإستراتيجية والدولية

almohsum@gmail.com

ان المحطة الرئيسية في العلاقات الصينية بدأت عندما برزت جمهورية الصين الشعبية على المسرح العالمي في أواخر العام 1949م فقد كانت الهند من أوائل الدول التي سارعت الى الاعتراف بها في عام 1950م ومن المفيد الإشارة الى ان رئيس وزراء الهند آنذاك "جواهر لال نهرJawaharlal Nehru" وكان يعتقد ان البلدين بخبرتهما الكبيرة ومعاناتهما مع القوى الاستعمارية سيشكلان معاَ قوة لائقة لإعطاء القارة الأسيوية المكانة المرموقة على الساحة العالمية خاصة وان الصين والهند يشكلان ثلث سكان الكرة الأرضية وهو مايفسر الموقف الهندي الضاغط من اجل حصول جمهورية الصين الشعبية على مقعد دائم في مجلس الأمن وعدم وقوف الهند مع الولايات المتحدة الامريكية لمساندة موقفها في مواجهة الصين خلال الحرب الكورية.

تدهورت العلاقات الصينية-الهندية بدءاَ من العام 1959م بسبب المشكلات الحدودية وقضية التبت علماَ بان الصين أصبحت محاذية الى الهند في مناطق جبال الهملايا عام 1950م عندما احتلت الصين هضبة التبت وقد حدث الخلاف على تبعية بعض المناطق من أجزاء كشمير واكاسي شن وولاية سكام الهندية التي كانت مملكة مستقلة حتى العام 1975م والحقيقة ان المشكلات الحدودية هي من اخطر المشاكل التي عكرت أجواء العلاقات بين البلدين واستمر تسميم الأجواء حتى العام 1962م حيث اندلعت الحرب بينهما والتي هزمت فيها الهند على يد الصينيين وبالرغم من ان الحرب كانت خاطفة وبدأتها الصين لكنها لم تتمكن من حسم النزاع الحدودي بينهما وأسفرت عن خسارة الهند في هذه الحرب.

التحول الخطير في العلاقات الصينية – الهندية هو الوفاق الكبير الذي حدث بينهما في العاميين 1979م و1989م اثر دخول الاتحاد السوفيتي الى أفغانستان وقد شهدت تلك الفترة التوقيع على العديد من الاتفاقيات ذات المستوى العالي حتى جاءت زيارة الرئيس الهندي "راجيف غانديRajiv Gandhi " الى الصين عام 1988م كعلامة مميزة في هذه العلاقات.

وفي التسعينيات من القرن العشرين حيث انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي عاملاَ اضافياَ مؤثراَ في العلاقات بينهما ففي العام 1991م قامت الهند بتطبيع علاقاتها مع الصين خلال زيارة رئيس وزراء الصين "لي بنغ Li Peng "والتي تعتبر أول زيارة يقوم بها مسؤول صيني من المستوى الرفيع الى الهند منذ اكثر من ثلاث عقود.

وقعت الصين والهند في عام 1993م على اتفاقية "حفظ السلام والهدوء" وفي العام 1996م تم التوقيع على اتفاقية "مقاييس بناء الثقة" وفي العاميين 1999م و2000م تم تدشين حوار امني بين الطرفين في العام 2003م جاءت زيارة رئيس وزراء الهند السابق "اتال بيهاري فاجييايAtal Bihari Vajpayee " التي كانت السبب في وضع أساس التقارب بين البلدين عبر تقزيم المشاكل ذات المدى البعيد وتصغير حجمها واستغلال الفرص الجديدة للتعاون الاقتصادي.

وقعت اتفاقية بين الهند والصين في عام 1993 تم الاتفاق فيها على تقليص عدد الجنود على حدود البلدين كبادرة حسنة بينهما، ولتخفيف التوتر الذي امتد منذ عام 1962م وحسب ما قاله الخبير الاستراتيجي الهندي "جياديب سياكيا"Jaadeb Siakaa ، إن هذه المناورات العسكرية خطوة رئيسة في التعاون بين البلدين في مجال الدفاع وزيادة الروابط العسكرية بينهما، وقد نفت بكين أن تكون المناورات العسكرية مع الهند لها علاقة بما تم من صفقة بين الولايات المتحدة وتايوان رغم أن الصين طالبت من واشنطن إلغاء صفقة السلاح مع تايوان، ولا بد من الإشارة إلى أن تايوان تسعى إلى أن تعود إلى عضوية الأمم المتحدة ولكن الصين تعارضها، وتنتقد الموقف الأمريكي من تايوان، علما بأن واشنطن تهدد بحماية تايوان، ولكن الصين تمارس سياسة النفس الطويل في سبيل ضم تايوان كما فعلت مع هونغ كونغ عندما اتفقت مع بريطانيا بعودة هونغ كونغ للسيادة الصينية، ولعل هذه المناورة وتنامي العلاقات مع الهند تسعى لعزل تايوان، كما تهدف أيضا لتعزيز العلاقات مع العملاق الآسيوي الآخر الهند.

ورغم أن المناورات العسكرية الصينية الهندية على حدودهما، الأولى بين البلدين، فقد كان التعاون البحري بينهما له تاريخ قبل حرب الحدود عام 1962م، فقد كانت أول زيارة للبحرية الهندية، سفينة" INS DELHI، الى الصين عام 1958م، ثم كانت الزيارة الثانية عام 1995م عندما زارت سفينتان من البحرية الهندية الصين، وقد تطور التعاون البحري بينهما عندما أجرت البحرية الهندية والصينية مناورات مشتركة في الخامس عشر من أيلول/سبتمبر 2000م، وان التعاون بين القيادة العسكرية الهندية ورئاسة الأركان الصينية يهدف هذه المرة ومن خلال المناورات العسكرية التي تشترك فيها قطاعات عسكرية من كلا البلدين تحاول الانتقال من التعاون الرمزي إلى التعاون الفعلي في مجالات الدفاع.

وكانت قيادة الجيش الهندي قد دعت قيادة الجيش الصيني لمشاهدة مناورات عسكرية هندية في صحراء رجستان في تشرين الثاني/ نوفمبر 2005م، وترغب الصين في مشاهدة مناورات اشتركت فيها مدرعات T-72, T-90. هذه التطورات تأتي مع التبادل التجاري بينهما.

في آذار/مارس 2004م قام الطرفان بالشروع في حل مشكلة الحدود على أساس مبدأ"التعايش السلمي" واتفاق البلدين على توطيد العلاقات العسكرية عبر تبادل الخبرات والتدريبات.

إن الهند ذات التاريخ العريق في منظمة دول عدم الانحياز منذ عهد الرئيس نهرو وعلاقته مع رئيس وزراء الصين السابق "تشو إن لاي"Zhou Enlai ، فتبقى علاقة الهند رغم خلافات الحدود مع بكين أقرب لمعسكر الانحياز، وكانت علاقاتها متميزة مع الاتحاد السوفيتي السابق، ولذا فإن العلاقة الجديدة والمتنامية مع واشنطن تواجه المعارضة اليسارية وخاصة الحزب الشيوعي الهندي الذي يسعى لدعم العلاقة مع الصين أكثر من التوجه نحو واشنطن باعتبارها الدولة الإمبريالية التي تهيمن على النظام الدولي، ولكنها آيلة للتراجع عن هذا الدور العالمي.

التصور الجيو- استراتيجي للنخبة الحاكمة في البلدين ، هو بناء محور هندي - صيني لتعزيز مصالحهما المشتركة، لأن المواجهة بين هذين العملاقين ستكون خسارة لكليهما، لذا يفهم كلاهما أن مصلحتهما التعاون بعيدا عن التكتلات التي تدعو لها أستراليا أو الولايات المتحدة.

أستراليا تخشى من توسع المجال الصيني وخاصة البحرية الصينية التي تقوم بكين ببناء أسطولها، بينما تشعر واشنطن أن الصين هي التي تواجهها بقوة في شرق وجنوب شرق آسيا، ولذلك تحاول الصين من خلال المناورات العسكرية مع الهند جذب هذه إلى المحور وكانت دعوة بكين لحضور قمة منظمة شنغهاي كمراقب، قد لا تمانع موسكو وبكين في ضمها لهذا التكتل الذي بدأ اقتصاديا ولكنه أخذ مع المناورات العسكرية الصينية –الروسية بعدا جديدا في وظيفته.

التعاون الهندي - الصيني في المجال العسكري إشارة إلى واشنطن أن اختراقها لآسيا سيكون صعبا، وأن الهند أقرب إلى توازن القوى في آسيا مما يحقق مصالحها، وهذا ما تعمل عليه السياسة الصينية التي تدعو مع الهند إلى نظام متعدد الأقطاب على المستوى الدولي، وفي الوقت الذي تعزز فيه العلاقات بين الصين والاتحاد الأوروبي، نجد أن الهند كذلك تتميز بعلاقات سياسية مع أوروبا، والجدير بالذكر أن الهند عضو في مجموعة دول الكومنولث، ولذا نجد رغم العلاقات الهندية - الأمريكية المتطورة، فإن الهند أقرب إلى المحور الصيني - الروسي منها إلى تكتل تقيمه الولايات المتحدة، كما أن الهند تشهد أيضا نمو الاستثمارات الأوروبية فيها وعلاقاتها التجارية، ولكن في ظل المحاور الاقتصادية والتعاون السياسي بين بكين ونيودلهي والمناورات المشتركة التي تجاوزت خلافات الماضي ، فالصين عملاق آسيوي ضخم، كما أن الهند أيضا عملاق آسيوي أخذ يلعب دوره بفعالية، ولا شك أن العلاقة الصينية-الهندية لها أبعادها على مجريات الأحداث في السنوات القادمة مع تراجع الدور الأمريكي .

في العام 2005م أعلنت الصين عن تخليها عن المطالبة بسكام وعن رغبتها في ممر تجاري بين الهند والصين في ممر" ناثولاباس Nathu La Pass" علما بان الحدود بين البلدين هي الأطول في العالم حيث يبلغ طول الحدود 4056 كيلومتر .

خلال زيارة هي الأولى من نوعها لرئيس وزراء هندي الى الصين منذ خمس سنوات قام رئيس وزراء الهند "مانموهان سنغ Manmohan Singh " بزيارة الى الصين في 13 كانون الثاني/يناير 2008م تم خلالها بحث العلاقات الثنائية بين البلدين والتي تركزت حول العلاقات التجارية حيث تم التركيز على العديد من القضايا منها أصلاح الأمم المتحدة والحوار الإقليمي وكذلك امن الطاقة والتجارة الدولية وتغيير المناخ وقد أعلن رئيس وزراء الهند بان العلاقات بين الصين والهند قد بلغت مستوى شاملاَ واستراتيجياَ وقد وصفها بأنها "ضرورة ملحة".

ان كلا البلدين يمر في مرحلة نمو اقتصادي مرتفع، فالنمو الاقتصادي الهندي في العام 2010م يتجاوز 8.8%، في الوقت الذي وصل فيه النمو الاقتصادي الصيني العام 2010م فقد تنامى بسرعة غير متوقعة بنسبة عشرة وثلاثة بالعشرة بالمائة،وإن هذا النمو الاقتصادي يزيد من حاجة البلدين إلى الطاقة ولذا نجد أن الصين تتجه إلى إفريقيا، كما أن الهند أيضا تزيد من استثماراتها في إفريقيا، وتعارض كلا البلدين الموقف الأمريكي من التصعيد مع إيران مما قد يترتب عليه عدم الاستقرار في منطقة الخليج العربي وعدم تدفق البترول، الذي هما بحاجة ماسة إليه في نموهما الاقتصادي.

ان العلاقات التجارية بين بكين ونيودلهى ، تتزايد بصورة كبيرة بعد اثنان وستون عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما ، حيث ارتفع حجم التبادل التجاري بينهما من 2.9 مليار دولار أمريكي عام 2000م إلى 51.78 مليار دولار أمريكي عام 2008م، أي ازداد بنسبة 43% سنويا.

أن التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين والهند في السنوات الأخيرة ، أصبح نقطة مشرقة في العلاقات بين البلدين وأصبحت الصين أكبر شريك تجاري للهند ، بينما كانت الهند الشريك التجاري العاشر للصين ، رغم أن التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين ، تعرض لبعض تأثيرات الأزمة المالية عام 2009م، فإنه لا يزال على مستوى عال نسبيا، وبلغ 44.38 مليار دولار أمريكي ، ومن المتوقع ان يبذل الطرفان جهودا سويا عام 2010 م لتحقيق زيادة الحجم التجاري بينهما الذي حدده الطرفان وهو 60 مليار دولار أمريكي.

في السنوات الأخيرة ، تقدم الاستثمار المتبادل بخطوات ثابتة ، حيث تجاوز إجمالي الاستثمار الهندي المباشر في الصين 300 مليون دولار أمريكي ، بينما بلغ الاستثمار الصيني في الهند 250 مليون دولار أمريكي ، مشيرًا الى وجود أكثر من 100 شركة هندية لها أعمال في الصين ، وتوجد أكثر من 60 شركة صينية تمارس أعمال التطوير ، ومقاولة المشروعات في الهند ، حيث يمتلك كلاهما أسواقا ذات قوة كامنة جبارة، وتوجد تكاملية اقتصادية قوية نسبيا بينهما ، لذلك يتفق تعميق التعاون الاقتصادي والتجاري وتحقيق المنفعة والكسب المشترك مع مصالح البلدين .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل