المحتوى الرئيسى

«سامى أوكسيد الكربون» نموذج للسينما الموالية للنظام السابق

06/19 18:48

تكشف هذه التجربة عدداً من الظواهر التى يمكن أن تساهم فى تحليل الخطاب السينمائى التجارى لما بعد ثورة يناير، أولها إصرار صناع هذه الأفلام على أن شيئاً لم يتغير فى المجتمع، وبالتالى فى السينما، وها هى الخلطة المعروفة نفسها تقدم - بعد الثورة - دون مساس فكرى أو فنى بعناصرها الرديئة المستهلكة! والخلطة التى نتحدث عنها هى تيمة الشاب العابث صاحب التجارب النسائية وغير المنتمى لأى شىء سوى بحثه الشهوانى عن أى فتاة لاصطيادها، هذا الشاب يجب أن يقع حسب التيمة فى حب فتاة مناقضة له تماماً دون أى مبرر درامى جديد سوى رغبته فى اصطيادها مثل الأخريات، لكنه يكتشف أنها من نوع مختلف، فيكذب عليها محاولاً أن يعطيها صورة مغايرة لصورته الحقيقية، وبما أنها طالبة ثورجية، فيجب أن يكون هو مظاهراتى، ومن هنا نجد سامى لا يبتعد عن عادل إمام (السفارة فى العمارة)، وأحمد عيد(أنا مش معاهم)، بل ومحمود عبدالعزيز (البنات عايزة إيه؟)، أمام سهير رمزى منذ ثلاثين عاماً.

ولكل بطل تافه هناك السنيد الأتفه «إدوارد»، الذى يظلمه السيناريو بجمل حوار نمطية وأسلوب ركيك فى رد الإفيهات، وتكتمل الخلطة بوجود طفلة مصبوبة فى قالب «فيروز» أنور وجدى، حيث تتحدث وتتصرف كأنها امرأة صغيرة «تشرشح» أحياناً، وتتحدث بلسان حال مناقض تماماً لطفولتها، التى يتم اغتيال براءتها العفوية واستغلال موهبتها فى تقديم نموذج سلوكى سيئ لشريحة الأطفال التى فى مثل عمرها، والتى يغازلها الفيلم لجذبها إلى دور العرض.

والغريب أن «أكرم» نفسه الذى قدم هذا النموذج فى بداياته الأولى «فرح»، ثم فى تجربته الهزيلة مع السبكى «الحب كده»، يعود إليه مرة أخرى، رغم تجاوزه له فى «عائلة ميكى»، من خلال استغلال شخصية الطفل «ميكى» فى صياغة مواقف طريفة مستوحاة من شقاوة الطفولة وعبثها، وليس من كونه رجلاً صغيراً يتصرف ويتحدث كالكبار.

وقد فرض السيناريو فى مشاهد الطفلة على أداء «هانى» أن يتحول لمجرد سنيد كسول من طراز ممثلى رد الفعل فى المسرح الهزلى، والذى تكون مهمته إعادة ترديد الإفيه الذى يطلقه البطل، ويكتفى السيناريو بجعل «هانى» يعيد الإفيهات التى تطلقها الطفلة جنى.

العنصر الأهم فى تحليل الخطاب السينمائى بالتجربة هو الشكل الذى تظهر به شلة الشباب الوطنى التى تحيط بـ«درة»، فرغم هزلية الفيلم فإنه من الصعب تقبل هذه الصورة المشوهة والسخيفة للشباب بعد يناير، حيث النظارات «كعب كباية»، وحمالات السراويل العتيقة، والبدانة المفرطة أو النحافة الشديدة، كنوع من التباين الهزلى فى الشكل، ثم الجعجعة طوال الوقت بشعارات انفعالية فارغة وغباء شديد، للدرجة التى يتمحور فيها كل نشاطهم الوطنى فى وقفة احتجاجية لمدة دقيقة مساندة لـ«سامى»، الذى اختطفته عصابة الشرير التقليدى «جابر بيه»، هذه الوقفة، التى يأتى على خلفيتها مبنى الحزب الوطنى المحترق فى تسفيه بصرى وإخراجى واضح من قيمة هؤلاء الشباب، ولا يمكن اعتبار هذا النموذج المتخلف عقلياً من الشباب هو محاكاة ساخرة «بارودى» للشباب ذى الحس الوطنى، بل هو صورة هزلية مسفهة، لأن المحاكاة الساخرة لها أسلوب بعيد تماماً عن إظهار الشباب بهذا الغباء للدرجة التى يصدقون فيها مجموعة الأكاذيب الساذجة التى يقدمها لهم «سامى» من أجل أن يقبلوه واحداً منهم، وبالتالى يقترب أكثر من «درة». وأداء «درة» نفسه تأثر بحالة الغباء التى أجبرها عليها السيناريو لكى تصدق أن هذا الشاب وطنى بالفعل، حيث فرض عليها الغباء الدرامى رد فعل ملامحى واحد. أما «تتيانيا» فى دور سكرتيرة الشرير، والتى دائماً ما تكون لعوباً شهوانية، ثم تخون رئيسها وتسرب أوراقه، بعد أن يخلف الوعد بالزواج منها، فقد جاءت ثقيلة الظل والحركة وخسرت بهذا الدور «الكثير» مما راكمته من رصيد «قليل» لدى الجمهور.

إن صياغة تجربة سينمائية بعد الثورة بأسلوب أفلام ما قبل يناير نفسه، بحجة أن الجمهور يريد أن ينفصل عن الحدث السياسى ويضحك بلا تفكير، معناه أن ثمة مؤامرة لاستمرار الوضع السينمائى المريض والوقوف أمام أى تجربة جادة، كما كان يحدث قبل الثورة، بدعوى أن الناس تريد أن تنسى «همومها»، ورغم أن «الهموم تغيرت»، فإن طريقة التعامل معها تبدو أنها «لم تتغير».

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل