المحتوى الرئيسى

مهمة خاصة: لعنة الثأر في اليمن

06/19 13:03

اسم البرنامج: مهمة خاصة، مقدم الحلقة: حمود منصّر، تاريخ الحلقة: الخميس 24/3/2005

[لعنة الثأر]حمود منصّر: من لم يمت بالثأر مات بغيره, تعددت الأسباب والموت واحد, هكذا يكاد يكون لسان حال بعض أبناء القبائل اليمنية التي تعاني من مشكلات ثأر مزمنة, فمن يمت موتاً طبيعياً في بعض القبائل يتأسّف عليه أهله, ويقولون: مات لا قضى ولا سلف, أي لا هم قضوا به ديناًَ من الدم عليهم ولا هم احتسبوه ديناً من الدم على قبيلة أخرى فيثأرون له بعد حين, بقتل قاتله أو بقتل أحد الرموز المرموقين للقبيلة. مشاهدينا الكرام أنا حمود منصّر أحييكم من اليمن, ومهمتنا الخاصة لهذا الأسبوع, نبحث فيها بعض جوانب الثأر في عدد من المناطق القبلية وسط اليمن, حيث تمتد مسلسلات القتل المتبادل تحصد آلاف الضحايا معظمهم من الأبرياء. إنها آفة الماضي والحاضر, تُزهق الأرواح وتُهلك الحرث والنسل, وتُلحق الدمار بالممتلكات, تزرع الموت في الحقول والطرقات, وفي الأسواق والمدن, لم تترك كبيراً, ولم يسلم منها صغير, تبثّ الرعب حيثما وجدت, يزداد نطاق انتشارها حيث ينتشر السلاح, وثقافة التعصب القبلي, وحيث تزداد الشكوى من غياب العدالة.

القتل العمد سبب مباشر للثأر

القتل العمد سبب مباشر للثأر, أي أن الثأر هو القتل كرد فعل لقتل سابق, حدث لأسباب قد تكون شخصية أو جماعية, مثل خلاف على قطعة أرض أو بئر لمياه الشرب, أو حدود بين قبيلتين, أو شجار بين أطفال في القرية, أو خلاف مالي بين شخصين على حفنة من الريالات, يتصاعد الخلاف وحينما يشعر أحد الأطراف - شخصاً كان أو جماعة, قبيلةًَ أو عشيرة - إما بالظلم فيلجأ إلى الانتقام بالقتل, أو بالتعالي والقوة والغلبة فيتجاوز حدود الخلاف السلمي إلى القوة والعنف فيُقدم على القتل, والغالب الأعم أن قضايا الثأرات تستفحل بحكم الثقافة السائدة بين القبائل, ومفاهيم العيب والعار والكبرياء, وقيم الجاهلية الأولى, يتحوّل القتل إلى ثأر, ومسلسل من القتل المتبادل, يستهدف كافة أبناء القبيلة أو العشيرة, حتى إذا كان القاتل معروفاً فاراً أو معتقلاً. العميد عبد الوهاب الدرة (محافظ ذمار): الموروث القبلي الثأري عند بعض القبائل, هو قضية أنه لا يُجرَّم من يقوم بالقتل ثأراً لأخيه أو لوالده, ولا يعني.. قضية إنّو الثقافة اللي موجودة إنّو الوصول إلى القضاء عيب.القاضي محمد العزي الأكوع (محافظة ذمار): السبب الوحيد في ظاهرة الثأر وانتشاره في المجتمع هو الجهل المخيّم على القبائل في الأرياف, وعلى بعض المتحضّرين والدارسين الذين لم تكن عندهم خلفية ثقافية, وخلفية دينية, فعندما تحصل الفتنة ويسقط بعض القتلى تدفعه الحمية والعصبية, ومن وراءه من قبيلته أو عشيرته إلى أن يذهب فينتقم من غير القاتل.

لعنة الثأر تلاحق أبناء القبائل إلى المدن

حمود منصّر: في العقود الأخيرة تحوّل الثأر إلى خطر لا يسلم منه أبناء القبائل الذين انتقلوا إلى المدن للعمل, مثل حسن هذا الصحافي الذي أصبح محاطاً بالخوف, يخشى الموت نتيجة ثأر بين قبيلته التي قتل أحد أبنائها رجلاً من قبيلةٍ أخرى ثم لاذ بالفرار.حسن (صحفي): أنا مثلاً أتأثر بقضايا الثأر, فمجرد أن قبيلتي تدخل في قضايا مواجهات سواءً مع قبيلة أو مع طرف آخر, فإنني أتأثر لأنني أنتمي إلى القبيلة, وأصبح مطارداً يعني وأخاف على حياتي, لأن حياتي تبقى في خطر لأنها مرتبطة في القبيلة.حمود منصّر: اضُطّر حسن إلى مغادرة صنعاء مع أسرته إلى منطقة قبيلته, ترك عمله لأكثر من شهرين هرباً من خطر الثأر, ولكن ظروف الحياة أجبرته على المخاطرة والعودة للعمل.حسن (صحافي): نضطر إن نحنا نترك العاصمة صنعاء ونترك أعمالنا ونلجأ إلى البلاد لأنها الوسيلة الأنسب لنا, أنا وغيري من أبناء المجتمع القبلي بهذا الشكل, يترك عمله ويترك يعني وظيفته ويترك مصدر رزقه, ويتجه إلى المجتمع القبلي كونها المكان الآمن بالنسبة له.حمود منصّر: المدن والأسواق والطرق التي كان محرّماً فيها الأخذ بالثأر, وتسمى مناطق هجرة انتهكت حرماتها, في صنعاء وغيرها من المدن الأخرى ارتُكبت عمليات ثأر سقط فيها عشرات الضحايا من الأبرياء, في هذا التقاطع الواسع في قلب مدينة صنعاء وقعت قبل أقل من عام عملية ثأر تحوّل في أثنائها هذا المكان إلى مسرح لاشتباكات مسلحة, قُتل فيها العديد من المارة وسائقي الحافلات والركاب, وأصحاب المحالّ التجارية الأبرياء. فمن تراجيديا الثأر في صنعاء إلى مأساة الثأر في أحد الأرياف القبلية بمحافظة ذمار, حيث كان علي الوشلي يعمل سائقاً لدى مكتب الصحة, قد تطول الحكاية قليلاً لكن في تفاصيلها ما يكفي من الألم والمعاناة الإنسانية التي تُكابدها أسرةٌ من عشرة أطفال تركها الضحية علي, هؤلاء الأطفال حتماً يجهلون معنى الثأر والموت والقتل والغياب الأبدي, لا يزالون في انتظار عودة الأب الضحية بينما أكبرهم محمد يعرف الحكاية, ويعيش ألم الفراق وجسامة المسؤولية.

أب مقتول وأبناء معذّبون وثأر ينتظر

محمد (ابن علي الوشلي): دخلوا منطقة أو قرية تسمى عوَرْوَرْ وأثناء دخولهم وهم في يعني ما يقارب مشارف القرية أو وسط القرية, بالضبط تم يعني إطلاق النار عليهم.. على السيارة, تعرّض والدي لطلقة منها فأصبح على الفور ميتاً.حمود منصّر: كان كمين هذا ولاّ كان في مشكلة في القرية؟ محمد (ابن علي الوشلي): والله أقول أنا لأنّو كان فيه فوق السيارة من نفس القرية, يعني شخص هو مدير المركز هناك, أفتكر أنا إنّو فيه بينهم إشكالية.حمود منصّر: هل طرحوا لكم أنّو فيه بينهم مشكلة ثأر هذولة اشتُبه بإنّو..؟محمد (ابن علي الوشلي): همّ مخليلنا الموقف غامض, لكن أنا أعتقد إنّو أكيد إنّو فيه بينهم إشكالية.حمود منصّر: يعني ماكانش المستهدف أبوك كان المستهدف يمكن الشخص اللي على السيارة؟محمد الوشلي (ابن القتيل): أكيد. بالضبط.طه الوشلي (أخو القتيل): يوم العيد عيد الله في عرفة أتيت البيت لزيارتهم كانوا جالسين في البيت وهم يبكون, يبحثون عن أبيهم, لا يوجد أحد ينتبه لهم, أخذتهم في جولة في السيارة لكي ينسوا المصيبة, لا توجد رحمة في القلوب.حمود منصّر: عامٌ مضى منذ وقعة الواقعة على رؤوس هؤلاء الأطفال, وهذه العائلة التي لجأت إلى بيع بيتها لمواجهة متطلبات العيش الكريم, بينما الجناة يسرحون ويمرحون تحت حماية القبيلة, وعلى مرأى السلطات والحالة تزداد سوءاً.محمد الوشلي (ابن القتيل): خراب بيت ويش نقول؟ يعني واضحة مثل الشمس إحنا ثمانية أنا كبيرهم, ووالدتي والحياة هذه الأيام أصبحت صعبة. نستلم مرتّبه ووعدونا بوظيفة.. يعني كان مرتّبه 8000 ريال، سواق في مكتب الصحة, إيش يسوّي لنا المعاش؟ عاد همّ الآن بيقولون حيلوه للتقاعد. يحيلوه للتقاعد منشان يبقى المعاش 4 آلاف ريال.طه الوشلي (أخو القتيل): أنا أترك أمري إلى الله ما دام ما في إنصاف في الدنيا أدخل جهنم على رأسي, أنا هذا أخي ما أنساه أنا هذا أخي ما أنساه لما أموت والله ما أنساه, هذا قتله باطل لا يجوز ما ينفعش, حتى اليهودي له احترام, أما المسلم فلا..!!حمود منصّر: ماذا تعتقدون أن يفعل محمد إذا طال به عناء المراجعات لدى سلطات الأمن والقضاء للقصاص من قاتل أبيه؟ هل ينتظر طويلاً؟ وهل يمتدّ صبره أم ينفد؟ وحينها يلجأ إلى حمل السلاح ليثأر لدم أبيه؟ لمعرفة المزيد تابعونا بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

حمود منصّر: تتكرر المأساة في أكثر من مكان, تمتد بامتداد قيم التعصب القبلي, حيث السلاح ينزغ بين الأقارب والعشائر, ويغلّب البارود على أعراف القبائل, يغيّب القانون, ويحول دون الاحتكام إلى الفضائل, الثأر كالطاعون ينتشر بين القبائل في الأرياف وفي المدن, منذ العقدين تقريباً غطت مآسيه نصف المحافظات اليمنية, من شبوا شرقاً إلى حجة غرباً, عدد ضحاياه آلاف من الأبرياء بينهم نساء وأطفال. وسط أرخبيل من البارود والدم تعيش هذه القرية حالةً مشحونة بالخوف والقلق, يخشى أهلها أن ينزلقوا في حرب ثأرية, وقتلٍ متبادل مع أهالي القرية المجاورة الواقعة خلف هذا الجبل, والسبب أن 5 من أبناء القرية المجاورة قُتلوا على يد مسلحين من أبناء هذه القرية في خلاف على ملكية محجر في الجبل الفاصل بين القريتين. قال أحدهم: المشكلة لا زالت مشروع ثأر, إذا لم ينجح الصلح بين القريتين, أجواءٌ مشحونةٌ بالحذر, وهذه الأرض الخصبة واعدةٌ بالثمر, أليس عبثاً أن تُزرع بأحقاد الثأر, وتُروى بدماء أبناء القرية الخائف أهلها, أزقّة القرية خاليةً من الرجال عدا النساء والأطفال والحيوانات, لأن لها حرمتها في أعراف القبائل, فهذا الطفل الذي تمتزج البسمة بالبؤس على محيّاه حتماً لا يدرك معنى الثأر, وربما لا يعلم اليوم أن ثقافة الثأر القبلي التي تحيط به قد تجعل منه مشروع قاتل أو قتيل.محمد العنسي (أحد سكان القرية): حدثت فتنة ثأر ما بين القريتين وتشاجروا على حقوق في نطاق معين من المقاطيع, مقاطيع الحجارة, فالسبب الرئيسي أولاً المنبثق عميق لحدّ الآن إنّو لا ندري يعني وجهة النظر الحقيقية أين الوصول والنهاية..حمود منصّر: يعني إيش؟محمد العنسي (أحد سكان القرية): أين الوصول والنهاية إلى حدّ الآن؟ يعني القضية غامضة إلى حد الآن.حمود منصّر: مأساةٌ أخرى في غير المكان, الأرض تبدو زاخرةً بالخير تهفو للحياة لكن ثمة ما يحول, بعض النفوس حبلى سفاحاً بلعنة الثأر, تعصرها وتحرقها انقساماً, الحي حيين, والربع ربعين, والديار متاريس للضاغطين على الزناد, هنا استوى الثأر اللعين على الرقاب بلا رقيب أو حسيب, يقودها وينزع الأرواح نفساً تلو أخرى, يُشعل حرائق الموت في كل بيت, لا الدار دار للحياة, ولا القرابة والجيرة استُبقيت, هكذا بالثأر انتهى الحال هنا في قرية المنزل, لم تعد القرية منزلاً, ولا الدار سكناً ولا الأهل أهلاً ولا الدم المحرم مصاناً.

جيوش الثأر في الجبال والقرى

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل