المحتوى الرئيسى

الأدب الكُرَّاسي في ألمانيا

06/19 12:11

اشترت سوزانه لودفيغ اليوم ورودا حمراء، غير أنها تشعر بالكآبة. سوزانه تتجه إلى المقبرة مطأطئة الرأس وكل أفكارها تدور حول عشقها الأول فيليكس. فيليكس توفي قبل مدة غير قصيرة، لكنه لا يزال يشغل بالها. لذا لا تلاحظ سوزانه أن رجلا آخر مولع بها. لكن الأمر سيتغير. ففي الصفحة الرابعة والستين والأخيرة ستنتهي الرواية بمعانقة حارة بين العاشقين. هكذا أو بشكل مشابه تتطور أغلبية الروايات التي تؤلفها الكاتبة يوهانا بورش لمسلسل روايات كراسية منذ أكثر من ثلاثين عاما. ثلاثة عقود بلغ فيها عدد مؤلفاتها ألف رواية من شتى الأنواع: روايات طبية، روايات غرامية، حكايات الويسترن وقصص الرعب. أي بمعدل رواية كل أسبوع.  

ترى يوهانا بورش، المتخصصة في التمريض، في عملها أسلوبا ناجحا لكسب المال، يشترط فقط أن يتقبل الكاتب التأليف تحت اسم مستعار، وأن يلتزم بقواعد اللعبة التي تفرض النهايات السعيدة، وتحظر أن يكون البطل شريرا كليّا، إضافة إلى تجنب المواضيع الدينية، تفاديا لجرح مشاعر القراء الدينية. "كل قصة تحتاج أحداثا تحكيها" تقول بورش وتضيف "أسوأ ما يمكنك أن تفعله ككاتب هو أن تترك بطل القصة يجيل فكره في أمر ما على مرور صفحات وصفحات، فهذا يثير الملل لدى القارئ لحد الموت. لا بد من الأحداث ثم الأحداث، ثم الحوارات."

سطحي لكنه محبوب

غلاف الرواية الكراسية البوليسية جيري كوتونBildunterschrift: Großansicht des Bildes mit der Bildunterschrift:  غلاف الرواية الكراسية البوليسية جيري كوتون تحتاج كل رواية كراسية إلى مشكلة، إلى تحد، يؤلف الكاتب حوله مستوى من التشويق، يوصل القارئ إلى نهاية مقنعة بعد أربع وستين صفحة. هذا النوع من الأدب لا يعرف الهزل والهجاء أو المعاني المبطنة ويعتمد أسلوبا بسيطا ينفذ إلى العقول بيسر. لهذا يضعه الأدباء في خانة ما يسمى بالأدب التافه. على أن هذا التمييز بين الأدب الراقي من جهة والأدب التافه من جهة أخرى لم يتكون بهذه الصرامة سوى في ألمانيا.

فبمجرد صدور أول روايات كراسية في ألمانيا نهاية القرن الثامن عشر نبذتها نخبة المثقفين باعتبارها أدبا تافها، يكمن هدفه الوحيد في الوصول إلى أكبر عدد ممكن من القراء. "غالبا ما كانت هذه الروايات تزينها صور صغيرة، يليها نص صيغ بأسلوب بسيط جدا، تنحصر مواضيعه على قصص الغرام وحكايات القتل والجريمة. الأمر الذي لم يتغير إلى يومنا هذا" كما توضح سابينه فينكر بيفو، الباحثة في علم الإنسان. غير أن شكل الروايات الكراسية هذا تغير على مرور القرن التاسع عشر مع تغير تقنيات طباعة الكتب إلى أن اتخذ شكله الحالي في عشرينيات القرن العشرين.

بساطة معقدة

روايات الرعب هي الوحيدة التي تسمح بنهاية غير سعيدةBildunterschrift: Großansicht des Bildes mit der Bildunterschrift:  روايات الرعب هي الوحيدة التي تسمح بنهاية غير سعيدة وتعتبر خمسينيات القرن العشرين وستينياته العصر الذهبي للأدب الكراسي. فالكراسات كانت رخيصة في الإنتاج وفي متناول الجميع، إضافة إلى أنها كانت مصدرا سهلا للتسلية والإلهاء عن مشاكل الألمان اليومية التي كانت تميز فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وإلى يومنا هذا ما يزال التصور سائدا أن معظم قراء الروايات الكراسية هم من كبار السن وغير المثقفين. إلا أن أبحاثا أظهرت أن هذا التصور خاطئ، كما يؤكد فلوريان مارتسين، رئيس المصححين، المختص في الروايات الكراسية لدى دار باستاي لوبه للنشر: "روايات الرعب والخيال العلمي تلقى إقبالا من طرف جميع فئات العمر والمجتمع وجميع المهن.

أما قراء الوستيرن، فهم أكبر سنا في العموم. وتبقى قصص الغرام وحكايات الأطباء من اختصاص النساء اللائي تتراوح أعمارهن بين خمس وثلاثين وستين سنة". ويوضح مارتسين أن الروايات الكراسية، مع كونها تؤلف للتسلية البحتة وصدورها بشكل أسبوعي، إلا أنها ليست تافهة ورخيصة كما يتصور الكثيرون. ففي مجال الخيال العلمي مثلا تعادل الروايات الروائية معايير الروايات المطبوعة على الكتب، مما يقتضي تصميم أحداث مقنعة ومعقولة، تقوم على أساس موثوق، وهذا يتطلب من الكتاب جهدا أكبر بكثير مما يتصوره عامة الناس.

نجاح خارج ألمانيا

تعرف منشورات دار باستي لوبه للنشر رواجا خارج ألمانيا كذلك. فسلسلة الروايات البوليسية "جري كوتن" مثلا صدرت بالصينية ويتم حاليا ترجمتها ونشرها بترخيص في كل من بلجيكا وهولندا وفرنسا وتشيكيا وبولونيا. أما القصص الغرامية، فلم تحظ بنفس النجاح خارج ألمانيا، وذلك لكونها تتسم بلون محلي يصعب نقله إلى اللغات الأخرى.

سر نجاح الروايات الكراسية يعود إلى كون من يشتري كراسا من مسلسل معين، يعرف تماما الفحوى الذي سيلقاه، يعرف الأسلوب الذي لم يتغير منذ عدة عقود، يعرف تماما أن البطل سينتصر في آخر المطاف وأن العشيقين سينعمان بالوصال. أما الحياة الواقعية، فلا مجال لها في مثل هذه الروايات، إذ أن مشتري الأدب الكراسي يريد أن يقتني جزءا من السعادة، ولو مؤقتة، كما تشرح الكاتبة يوهانا بورش: "لقد جربنا مسلسلا سميناه "حياتي الزوجية". لقد كان مسلسلا واقعيا ترد فيه حالات الطلاق والعنف. غير أن هذا المشروع باء بالفشل على الرغم من قيام دار النشر استثمرت فيه الكثير من المال. وقد استنتجنا من ذلك أن الذين يريدون تناول مواضيع واقعية هم قليلون وأن الغالبية تفضل الأوهام".

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل