المحتوى الرئيسى

سحر الكلمات

06/19 08:11

أعتقد - ولا أظننى مخطئاً- أن الجيل الحديث لا يعى سحر الكلمات، وقدرتها على إسعاد عجوز فى نهاية العمر تستحق بكل تأكيد إدخال السرور على قلبها بكل طريقة ممكنة. ولكن دعنى أحكى الحكاية من بدايتها.

كنت فى المطار وقد تصادف أننى وصلت مبكراً عن موعد الطائرة بكثير. تمت الإجراءات فى سرعة ويسر، ووجدتنى جالساً فى صالة الانتظار ضَجِراً لا أجد ما أفعله. وندمتُ أننى حضرتُ مبكراً، خصوصاً أن ثلاث ساعات تفصلنى عن قيام الطائرة سأقضيها بلا عمل ولا كتاب. هنيهة وجلست جوارى أسرة مصرية مكونة من الجدة والأم والبنت معا فى حضور نسائى كثيف. من حسن حظى أن السيدة العجوز جلست بجانبى، وقدرت أن الحديث سيتصل بيننا عما قريب.

وبالفعل، سألتنى الجدة عن رقم الرحلة وموعد القيام وأجبتها فى استفاضة مرحباً بالحديث. سألتنى عن مهنتى ومكان عملى وهدفى من السفر، ويبدو أنها آنست لردودى المُرحّبة، فبدأت تثرثر وتأخذ راحتها فى الكلام.

وكما يحدث دائما، راحت تتحدث عن جمال الماضى. كالعادة حين يتكلم الإنسان عن ماضيه هو، مع إنسان أصغر سناً، فدائماً يكون الماضى أفضل من الحاضر: النساء كن أجمل، والرجال أقوى، والطعام أشهى، والأسعار أرخص، والأخلاق أمتن، والناس أرحم وأحسن. وبصرف النظر عن اتفاقى أو اختلافى مع هذه النظرة الرومانسية للماضى، فقد كنتُ ميالاً للتسامح مع الضعف البشرى، واضعاً نصب عينى أن الحياد مستحيل، والنظرة العقلية الباردة للأمور مُتعذرة، لأن هذه العجوز كانت تتحدث عن ماضيها هى، عن قطعة غالية من شبابها، حينما كانت صغيرة ومرغوبة! فماذا يضيرنى - من أجل إسعادها- لو تظاهرتُ بالتصديق؟!

ولأننى اعتدت أن أوافق كبار السن، ولا أجادلهم أبداً، وأطريهم متعمداً، فإنهم فى الأغلب يحبوننى ويأنسون بى. لذلك حين قالت فى حياء مضحك إنها كانت أجمل بنات الحى، قلت: بل أجمل بنات المدينة. احمرّ وجهها وظهرت سعادة كادت تدفع الدموع إلى عينى تأثراً. آه ما أعجب الإنسان، مازالت الكلمات الرقيقة- مهما تقدم فى العمر - قادرة على إسعاده وتلوين حياته. وتذكرت بيت الشعر الذى قرأته فى طفولتى ولم أنسه أبداً:

« بنىّ: إن البر شىء هين/ وجه طلق وكلام لين».

واسترسلت العجوز فى الحديث، ولم تفتنى ابتسامات الأم المكتومة وضحك البنت المفضوح. وقدرتُ- ولا أظننى مخطئاً- أن الجدة لا تحصل على فرصتها فى الحديث بطلاقة. لابد أن تستدير الأيام، وتكمل دورتها، وحينئذ ستفهم البنت الصغيرة تضحيات الأم، وتفهم الأم حاجة الجدة إلى من يصغى لها ويؤمن على حديثها حين تقول إنها كانت أجمل وأنضر وأبهى.

فى كل الأحوال، كانت الساعات الثلاث التى تفصلنا عن ركوب الطائرة قد أوشكت على الانقضاء. قبّلتنى العجوز على وجنتى فى امتنان، فقلت لها بصدق إننى استمتعت بحديثها، ولمحتُ فى عيون الأم نظرة شاكرة معتذرة، أما البنت فكانت سادرة فى ضحكها، ممعنة فى شيطنتها.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل