المحتوى الرئيسى

مشاهدات من نابولى

06/19 08:11

هى المدينة الأوروبية الأكثر شبهاً بالمدن الساحلية العربية، وهى المدينة الأقرب للإسكندرية روحا وشكلا، ليس فقط لأن أهلها ينشرون «الغسيل» على معظم الشرفات، ولا المطبات التى تلازمك فى كل الشوارع الجانبية، ولا القمامة المنتشرة فى كل مكان، إنما بسبب سحر المدينة وجمالها وحرارة الناس وحفاوة استقبالهم. هى نابولى المدينة الواقعة فى أقصى الجنوب الإيطالى على حوض البحر المتوسط، وعقد فيها مركز IPALMO، المهتم بدراسات العالم العربى والبحر الأبيض المتوسط، مؤتمرا حول «الربيع العربى»، شاركت فيه وفود عربية من العراق، وتونس، والمغرب، والأردن، ومن مصر كاتب هذه السطور بعد أن اعتذر أمين جامعة الدولة العربية عمرو موسى عن عدم الحضور. واختتم أعمال المؤتمر وزير خارجية إيطاليا مع وزير خارجية ليبيا الأسبق، المنشق على العقيد القذافى.

فى نابولى، الشرطة ترتدى زيا أنيقا ومنمقا، وتعامل ضيوف المؤتمرات بود شديد، فيصافحونهم ويتحدثون معهم باللغة الإيطالية التى لا يعرفون غيرها مثل أغلب الإيطاليين الذين ليست لهم علاقة تذكر باللغات الأجنبية. وربما تكون نابولى هى المدينة الوحيدة التى تشعر فيها أن وجوه رجال الشرطة على أناقتها تصلح أيضا وجوه «مافيا»، وهو أمر فيه كثير من الحقيقة، ودفع الدولة إلى إنشاء جهاز عسكرى أكثر انضباطا موازٍ للشرطة يعرف بـ Elcarabini فى محاولة للقضاء على الجريمة المنظمة وعصابات المافيا.

ورغم أن إيطاليا هى البلد الأكثر جمالا وسحرا فى أوروبا وشعبها الأكثر ودا وحرارة بين كل البلدان الأوروبية، فإنها نموذج للدولة «شبه الفاشلة» التى لم تنقذها الديمقراطية، إنما عصور نهضتها التى بدأتها قبل الآخرين وسمحت لها بأن تمتلك مخزوناً اقتصادياً وحضارياً، أنقذها من الانهيار التام، بسبب سوء نخبتها التى تشكلت بعد التخلص من الفاشية فى نهاية الحرب العالمية الثانية، فقد عرفت نظاماً برلمانياً اهتم بالمواءمات من أجل الاحتفاظ بـ«الكرسى»، الذى كان لا يدوم فى بعض الأحيان لأكثر من شهرين، فى ظل نزاع محموم على السلطة، اخترقته المافيا بصورة كبيرة وأثرت فى دوائر صنع القرار من النخب الاقتصادية والسياسية.

صحيح أن إيطاليا نجحت فى تقليل تأثير هذه العصابات فى الفترة الأخيرة، خاصة الجريمة المنظمة، مقارنة بما كانت عليه الحال فى منتصف القرن الماضى، إلا أنها فشلت فى القضاء عليها وحافظت على درجة كبيرة من الفوضى والفساد الإدارى.

إيطاليا نموذج لفشل النظام البرلمانى فى التعامل مع الأزمات الكبرى التى يواجهها مجتمع من المجتمعات، فالفوضى التى عرفتها فرنسا فى الجمهورية البرلمانية الرابعة والحكومات التى كان يسقط بعضها بعد أسابيع، لم تحل إلا حين جاء ديجول إلى السلطة وأسس الجمهورية الرئاسية الخامسة عام 1957، فى حين أن إيطاليا حافظت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على جمهوريتها البرلمانية فحافظت معها بجدارة على المافيا والفوضى وسوء الإدارة.

هذا جانب مما شاهدت خارج المؤتمر، أما ما جرى داخل المؤتمر فهو حديث الغد وبعد الغد إن شاء الله.

amr.elshobaki@gmail.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل