المحتوى الرئيسى

توطين الوظائف من أجل الإنتاج وليس العمل!

06/19 07:58

عدنان بن عبد الله الشيحة

هناك تصور خاطئ في المجتمع عن أن القضاء على البطالة بين الشباب يقتصر على إيجاد وظائف وحسب، أيا كان مستوى الدخل وبغض النظر عن إسهامها في العملية الإنتاجية في الاقتصاد الوطني. وهذا في ظني طامة كبرى تصيب عملية السعودة في مقتل، وتسيء إلى سمعة العامل السعودي وتعزز مفهوما خاطئا حول عجز المواطن عن مجاراة الوافد في الإنتاج إلى حد نعته بأوصاف الاتكالية والكسل واللامبالاة واللامسؤولية وغيرها مما لا يصح.

فالإشكالية التي يواجهها الشباب الباحثون عن العمل هي غياب بيئة عمل تلبي احتياجاتهم المادية والمعنوية والتثقيفية عند مستوى ونوعية تضمن إنتاجيتهم وولاءهم التنظيمي وإخلاصهم في العمل. فالشاب السعودي مثله مثل غيره في مجتمعات أخرى يحتاج إلى محفزات وظروف عمل تدفعه نحو الإنتاج. وهنا يجب أن نلاحظ أن المحفزات تتفاوت بين الثقافات والأوضاع الاقتصادية، وهو أمر أثبتته الدراسات.

وقد يكون الاختلاف بين المجتمعين الياباني والأمريكي في قيم العمل والولاء الوظيفي وطبيعة الحوافز حاضراً بقوة. ففي بداية الاستثمارات اليابانية في الولايات المتحدة لم يستطع المديرون اليابانيون بفلسفتهم ذات النهج الجماعي التعاوني، استيعاب الثقافة الإدارية الأمريكية المبنية على الفردية والمنافسة وتحقيق المصالح الذاتية. ومن العجيب أن النجاح الذي حققه اليابانيون بتبني قيمهم الاجتماعية في العمل قد لفت نظر الأمريكيين إلى درجة أن كثيرا من باحثيهم في مجال الإدارة كتبوا بإسهاب عن الظاهرة اليابانية وقدم أحدهم وهو من أصل ياباني نظرية في التنظيم الإداري تجمع بين قيم العمل اليابانية والأمريكية. ومن المهم إذا أخذ الثقافة المحلية في عين الاعتبار والتركيز على القيم الإيجابية التي تسهم في الإنتاجية والتقليل من تلك التي تثبط الإنتاج وتعيقه. ولكن للأسف طالما أن القائمين على كثير من الشركات والمؤسسات هم من الوافدين، فهم يفضلون العمالة الوافدة لقلة تكلفتها المباشرة وإمكانية ممارسة الضغوط عليها واستنزافها لسهولة استبدالها، وبالتالي تتم تهييت مكان العمل والحوافز بما يتناسب معها وليس العامل المواطن.

وطالما استمرت نظرتنا إلى شباب الوطن وبحثهم عن العمل كمشكلة وليس كعنصر ايجابي في عملية الإنتاج الاقتصادي وتحقيق التنمية الاجتماعية سنظل نعاني من ضعف الإنتاجية وسنظل نسيء الظن بأبنائنا. هناك كثير من المجتمعات تتمنى أن يكون لديها هذه النسبة الكبيرة من الشباب لأنهم عماد الاقتصاد وعامل الإنتاج الأول. فهم ينظرون للشباب كرأسمال بشري مثله مثل الموارد الطبيعية، بل يفوقه بكثير، خاصة في ظل التوجه نحو اقتصاد المعرفة والابتكار والإبداع. وللاستفادة من الشباب يجب أن يكون هناك تحول جذري في تفكيرنا الاقتصادي وتوجهاتنا في إدارة التنمية الوطنية فتوطين الوظائف يستدعي بالضرورة استراتيجية ترتكز إلى الإنتاجية وزيادة النمو وإعادة هيكلة الصناعة. الوضع الراهن للصناعة الوطنية هش وبسيط لا يتناسب مع إمكانات السعودية المتعددة.

ما نحتاج إليه هو صناعات تحويلية تعتمد على التقنية العالية على غرار شركات سابك شبه الحكومية. لم يعد كافيا الاكتفاء بالكم والإحصاءات التي تعدد المصانع، ومن ثم نفاخر وهماً بالصناعة الوطنية، بينما في حقيقة الأمر معظم مدخلاتها جلبت من الخارج. الحديث هنا عن إيجاد صناعات تحويلية وليس مصانع استهلاكية لا تضيف قيمة للاقتصاد ولا تسهم في بناء الخبرات والمعارف المتخصصة. ما يحدث هو استغلال للإنفاق الحكومي السخي لتحقيق المصالح الذاتية باسم الصناعة الوطنية التي تتلبس غطاء الشرعية، إلا أنها في واقع الحال تضر بالمصالح الوطنية عبر إنشاء مشاريع مهيأة للعمالة الوافدة الرخيصة متدنية المهارة.

هذا الضرر يقع من جهتين الأولى تسرب الأموال من الاقتصاد الوطني عبر التحويلات الخارجية، ومن ثم تفويت الفرصة في النمو من خلال إعادة استثمارها في الاقتصاد مرة أخرى والاستفادة من تأثيراتها المتعددة. الضرر الثاني في تحجيم الاقتصاد الوطني وإبقائه عند مستويات متدنية من الإنتاجية والتطور فيما عدا بعض الصناعات الحكومية. المطلوب صناعات ضخمة تستطيع استيعاب خريجي الجامعات وما دون من أجل زيادة إنتاجية ونمو الاقتصاد الوطني وليس بهدف توفير وظائف. ويجب الاعتراف بأن هناك قفزات نوعية في مخرجات التعليم العالي سواء خريجي الجامعات الوطنية أو الأجنبية، فهناك أكثر من 100 ألف مبتعث يدرسون في أرقى الجامعات العالمية وبتخصصات مهنية، ولذا لم تعد حجة بعض رجال الأعمال قائمة، وأصبحت مطالبتهم بمواءمة مخرجات التعليم لسوق العمل مجرد تهرب من مسؤولياتهم الوطنية.

ما نفتقده هو الرؤية المشتركة بعيدة المدى والحس الوطني في أننا جميعا نعيش في السفينة نفسها، وأنه من مصلحتنا جميعا باختلاف مستوياتنا الاقتصادية تعظيم إنتاجية الاقتصاد الوطني اعتمادا على سواعد أبنائنا والخبرات الوطنية والتراكم المعرفي لضمان استدامة التنمية. البعض يرى أن الاقتصاد الوطني كعكة كبيرة ودوره هو كيف يقتص أكبر جزء منها. والحق أن غياب استراتيجية وطنية للأعوام الـ 40 المقبلة توضح الأهداف المستقبلية والسبيل لتحقيقها جعل وضعنا الاقتصادي غامضا دون بوصلة توجه نشاطاته ودون معايير تستند إلى الإنتاج والنمو. وربما هذا يفسر لماذا اقتصاد قوي ماليا مثل السعودية يستقطب ثمانية ملايين عامل من خارج البلاد، بينما تصل نسبة البطالة بين المواطنين 10 في المائة كتقدير متحفظ. الدرس المستفاد من تجربتنا التنموية أنه لا يمكن الاستمرار في نهج الاقتصاد الاستهلاكي، وبات من الضروري العمل من خلال منظومة صناعية تتضمن مصانع واستثمارات بأحجام مختلفة تكون روافد لمنتجات صناعية متعددة.

ولذا فإن توطين الوظائف يتطلب توطين الإنفاق الحكومي، بمعنى أن يوجه نحو النشاطات التي توفر فرصا وظيفية تناسب مؤهلات العمالة السعودية العالية وإعادة تعريف الصناعة السعودية لتشمل جميع مراحل الإنتاج من الفكرة إلى التصميم إلى العمليات الإنتاجية إلى التسويق والتوزيع. لم يعد ممكنا قبول أن يكون هيكل الاقتصاد الوطني مهيأ لتشغيل العمالة الوافدة الرخيصة أو أن يحشر مجموعة من المواطنين في وظائف لا تمنحهم الرضا الوظيفي ولا تحقق طموحاتهم ولا توفر مسارا وظيفيا وتوقعات مستقبلية واضحة. فهذا قتل لطموح الشباب وتحجيم دورهم ليتحولوا إلى باحثين عن العمل من أجل لقمة العيش وليس الرغبة في الإنتاج والمنافسة والإنجاز.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل