المحتوى الرئيسى

رسوم الأراضي ومعضلة الإسقاط على الواقع

06/19 06:48

عبد الوهاب سعيد أبو داهش

معظم الذين تحدثوا عن تأثير ضريبة الأراضي المقترحة من مجلس الشورى ركزوا على أهميتها في زيادة إيرادات الدولة بأرقام فلكية، وانخفاض أسعار الأراضي بنسب ضخمة، ومساهمتها في تطوير واستغلال الأراضي البيضاء. وانطلقوا في أحكامهم من منطلق نظري وتكهنات أغفلت حقائق وعوامل عديدة مرتبطة بهيكلية وواقع السوق العقارية في المملكة، ما يعوق تحقيق ما ذهبوا إليه. تجارب دول أخرى مثل أمريكا وإيرلندا واسكتلندا لم تفرز مثل هذه النتائج المذهلة، بل إن إيرلندا التي اقترحت هذه الضرائب في 2010 ليبدأ التطبيق في 2013 قد ترجئ تطبيق مثل هذه الضريبة. وما زالت دراسة تطبيقات وتأثيراتها المتعددة محل جدل كبير في اسكتلندا.

إنني أتفق نظريا على أن فرض ضريبة على الأراضي يسهم في تسريع استثمارها أو بيعها، لكن الواقع العملي يشير إلى صعوبة التكهن بالتأثيرات العديدة التي يتركها مثل فرض هذه الضريبة في سوق عقارية غير منظمة. بل إن إسقاط الضريبة على سوق عشوائية تفتقد التنظيم قد يزيد من تعقيدات القطاع نفسه، وقد يؤدي إلى نتائج عكس ما عناه القرار، فالقطاع العقاري الحالي في المملكة يعاني إشكالات عدة، أهمها:

1- تحديد النطاق العمراني: رغم أن تحديد النطاق العمراني الذي في ضوئه تلتزم الحكومة بإيصال الطرق والخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وشبكات صرف صحي ممكن، إلا أن مراحل تنفيذه يصعب التنبؤ بها. بل إن بإمكان الأمانات والبلديات تغيير مفهوم وتحديد النطاق العمراني في أي وقت أو مرحلة حسب إمكاناتها في التنفيذ وتغيير الخطط المحتملة. فلو أن أرضا ما هي ضمن النطاق العمراني الذي سيصله جميع الخدمات خلال سنتين حسب خطط الأمانات، فإن الإخلال بهذا الالتزام قد يعطي حجة في عدم التزام ملاك الأراضي والمخططات بدفع الرسوم.

2- مشكلة تحديد ملكية الأراضي: أغلب الأراضي البيضاء كبيرة الحجم والتي لم تخطط هي في معظمها ملك مشاع. ويجد الملاك صعوبة في استخراج التراخيص اللازمة لتخطيطها وتوزيعها أو بيعها، ما يجعل تحمل الرسوم مسألة خلاف بين الملاك أنفسهم.

3- إشكالية ملكية الأراضي البيضاء وتعدد الصكوك التي مازال معظمها منظورا في المحاكم، ما يجعل عدم دفع أي رسوم عليها مبررا كافيا، وقد تأخذ سنوات طويلة قبل البت فيها نهائيا.

4- في حال افتراض إعفاء مساحات معينة تسد حاجة كل فرد السكنية من الرسوم، فإن بعض الملاك لمساحات أكثر من حاجاتهم قد يلجأ إلى نقل ملكية بعض الأراضي إلى أقربائهم من أولاد وبنات وزوجات. وقد تترتب على ذلك زيادة مشكلات ملكية الأراضي، خصوصاً بعد وفاة المالك الحقيقي.

5- سيلجأ الملاك الذين لا يمتلكون سيولة كافية لتغطية الرسوم إلى بيع أراضيهم للفئة القادرة على دفع الرسوم، وهذا يجبر صغار الملاك على التخلص من أراضيهم لكبار الملاك، ما يزيد من الاحتكار والتحكم في الأسعار مستقبلاً.

6- ستكون هناك صعوبة في ربط ملكية الأراضي بأسماء الملاك عند تحصيل إيرادات الرسوم لغياب السجل العيني الذي يحتوي على تحديد العين موقعاً ومساحة وربط ملكية العين برقم بطاقة الهوية الوطنية لكل فرد.

7- صعوبة تقييم وتثمين الأراضي لمعرفة قيمتها السوقية العادلة ومن ثم حجم الرسوم لغياب المثمنين العقاريين المحترفين، وغياب اللوائح والإجراءات المنظمة لسوق التثمين العقاري. وجدير بالذكر أن تقييم الأراضي من أهم المشكلات التي تواجه الدول التي تطبق ضريبة الأراضي.

8- الإشكالات التي ستظهر في تطبيق الزكاة الشرعية والرسوم من حيث المعايير المستخدمة، وتأثير حجم الضربتين معا أو منفردتين في أسعار وقيمة الأراضي، ناهيك عن عدالتهما في التطبيق. وللمعلومية، فإن فرض الزكاة الشرعية على الأراضي ما زالت محل جدل قائم بين علماء الفقه أنفسهم.

وفي اعتقادي أن هناك تأثيرات سلبية أخرى لم أذكرها هنا قد تكون في ذهن القارئ، ما يجعل مسألة فرض ضريبة على الأراضي أمراً معقداً، وليس بالسهولة النظرية التي يريدها البعض. إن البديل المفضل في المرحلة الحالية التي تعيش فيها المملكة طفرة اقتصادية كبيرة، وسيولة عالية هو:

- إصدار أنظمة الرهن العقاري أولاً وتقييم تأثيراتها التنظيمية في القطاع العقاري في السنوات الخمس الأولى.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل