المحتوى الرئيسى

حرائر فلسطين في سجون الاحتلال..!!بقلم: آمال أبو خديجة

06/19 00:45

بقلم: آمال أبو خديجة

من عتمة الليل، وضيق المكان، وانحصار مساحته، ومن حرقة الأيام وشدة همومها، وانتظار طويل أرهق الأعناق، ومن أفأت النفس ومللها، ومن اشتداد المرض وآهاته، ومن تصلب الشرايين وجمودها، ومن لين العظام وهشاشتها، ومن زوايا السجن وجدرانه، ومن عزلة المكان واصفرار أجوائه، ومع تطاير ذرات التراب، وانتشار زواحف الصيف والشتاء، ومن رائحة القهر والإذلال، وكثرة للتهديد والتخويف، ومع اعتصار الجسد والتفافه، من شدة الجوع وألم الفراق، ومع حموضة الأمعاء والتهابها، ومع تخفي الدموع والأحزان واختزانها، ومن قلق النوم واضطرابه، وطول الليل واختفاء نهاره، ومن صرخات السجان وطرقات أبوابه، ومن مفاتيح السجن وزنازينه، ومن عزلة بعيدة لا يسمع فيها النداء.

تتعالى آهات وعبرات لنساء عاشقات، عشقاً بلون البنفسج والليمون، يذقن فيه مرارة الطعم وحلاوته، إنهنّ نساء سطرنّ للحرية معنى، ولا تَعرف المذلة لهنّ طريق، يرتقينّ شرفاً لوسام محبة الأوطان، وشوقاً لعودة الأرض والديار، يغازلنّ بعيونهنّ المكحلة، نظرة السماء المغلقة، وتتلاحى في الآفاق، وعلى الجدران، أسوار البيت العتيق، ووجه يطل عليهنّ، لعله لحبيب، من ولد أو زوج، ويتمايلنّ بشوق لاحتضان أب أو أم أو قريب. إنهنّ نساء كيدهنّ عظيم، لكل من اعتدى على شرف العقيدة، لهنّ قبضة من حديد، تُشد حول رقاب الظالمين، ومن يحاول بلمسة يده، ليُهين الوطن والتاريخ، نظراتهنّ تطول من بعيد، تترقب الأمل القريب، يحاولنّ بزلزلة حناجرهنّ، أن تُسمع استغاثتهنّ، من وراء تلك الجدر والزنازين، وتتطاير منهنّ رائحة القيد الأليم، لانتظار من يستجيب ويكسر القيود.

هنّ من يُعلمنّ الآخرين معنى الحياة، ومن يَتجرعنّ رشفةً سوداء، دون أن تُنغص أجسادهنّ بها، لكن إرادة حب البقاء، تفجرت من تحت أقدامهنّ، فزادتهنّ حباً للعطاء والنضال، ونما في قلوبهنّ الأمل الطويل، لتَصنع أيديهنّ أجيال للسنين، فتعالينّ ينظرنّ لحريةٍ بيضاء، وأن تفك قيداً، التف كسوار ضاق حول الأعناق، لكن حدة معاصمهنّ الطاهرة، أقوى من قبضة السجان، وظلام سجنه، وعلو صرخاته.

ومع حركة الأيام العصيبة، وكثرة ازدحامها بمشاغلها وتوتراتها، تعيش خلف قضبان سجون الاحتلال الصهيوني، حرائر فلسطين، تعددت أحكامهنّ، وجمعهنّ شرف النضال والتضحيات، وفرقتهنّ اختلاف الأعمار، وسنوات الحكم، وحالتهنّ الاجتماعية، فمنهنّ من هنّ أمهات لأطفال، أو فتيات عازبات، أو ما زلنّ في طفولة بريئة، أو من أكل المشيب منهنّ عمرا، ومنهنّ الناشطات السياسيات، أو عضوات في البرلمان، أو زوجات لناشطين سياسيين، أو غير ذلك من ظروف.

إنهنّ من تخافتت صرخاتهنّ، فصُمت بعض الآذان عن السماع، فلا يُسمع النداء، تلففنّ بحجاب الكرامة، وصنعنّ أصرحاً تتعالى عليها الأجيال، إنهنّ أمهات لأطفال تُركوا صغارا، وكَبُر الصغار وما لامستهنّ أيدهنّ بالحنان، وما زال السؤال متكررا في عقول الصغار، متى ستعود أمي، ومتى سيكون في البيت، من يُعد وجبة الإفطار، أو يَحكي لنا حكاية، قبل طلوع النهار، متى ستعود أمي لتشتري لي ملابس العيد، أو تُحضّر لي أغراضي، لعام دراسي جديد، متى سأنام في حضنها، وأداعب شعرها الطويل، وتمسح لي دمعتي، وتسمع لنداء حاجتي، متى سيطربني صوت أمي ،عندما أدخل البيت، ويكون وجه أمي المطل الجميل، أول من يتمتع به بصري، متى سأدخل متراكضاً بغرف البيت، باحثاً عن مكان أمي، فأجدها في حديقة البيت، تقلم أوراق الربيع، فتلتفت إلي بابتسامة الحب، أهلا حبيبي.

أه يا أمي، لقد طال الفراق، وما عاد الصبر يتحمّلني، وما عادت تشبعني نظرات قليلة إليكِ، من وراء شبك السجن اللعين، إن سُمح لي بزيارتك، متى سيكون الحلم حقيقة، فأراك أمي دوما معي، وإلى جواري، فأستيقظ على نبرات صوتك الجميل، وأقوم مسرعا مقبلاً يديك الجميلتين، محتضناً لذراعيك.

ومع انشغال الناس بقضايا عديدة، ومن بين طرقات ضيقة طويلة، ورائحة فاح منها رائحة الموت والألم، ومن تحت أنقاض الغرف المتهدمة، بجدرانها المتساقطة، ومن فوق الأرض الخشنة المتصلبة، التي ما ارتاح عليها جسد، ولا لانت لآلام العظام وضعفها، ومع صريخ صوت السجان، ومضايقات المحققين وتهديداتهم المخيفة لقلوب رقيقة، تقبع في تلك الغرف التي ما رأت النور الساطع، ولا دخل إليها هواءً نقيا، ولا أزيل منها بقايا طعام، ولا لامستها نظافة ولا طهارة، إلا طهارة قلوبهنّ الرقيقة، تقبع في سجون الاحتلال، نساء جمعهنّ هدف التحدي والمقاومة، لمن اغتصب الأرض والأوطان، كنّ مدافعات عن كرامة وشرف الأمة، فقدمن أعمارهنّ، لأجل أن يحيا الآخرين، إنهنّ نساء كنساء العالمين، لكنهنّ اختلفنّ في طريقة حياتهنّ التي أردنّ أن تكون، وإرادة تصميمهنّ على البقاء في الحياة.

وهناك أسيراتٌ بعمر الورود والياسمين، لم تأخذ الحياة منهنّ نصيب، قطفت أعمارهنّ، بيد سوداء، فألقيت بعيداً في تلك الغرف، التي ما اعتادت أجسادهنّ الصغيرة عليها، أو حتى قدرة للبقاء بعيداً، عن حضن الأب والأم، فما زالت ملامح الطفولة، ترتسم على وجوههنّ الجميلة، وما زالت أقدامهنّ تتراكض ببراءة صغيرة، وحسب القانون الدولي، والقانون الإسرائيلي، واتفاقية حقوق الطفل، والتي أقر فيها جميعاً أن مرحلة الطفولة تنتهي عند سن 18 سنة، ومن يسجن قبل ذلك السن، يجب أن يعامل معاملة الأحداث، وأن يحظى برعاية خاصة من قبل مؤسسات مجتمعية مختلقة، لذا فكان على إدارة السجون الإسرائيلية أن تعامل الفتيات القاصرات معاملة خاصة، تتناسب مع أعمارهنّ، ومراحل نموهنّ، أي يجب أن تميز الأسيرات الصغيرات في الأسر، عن باقي الأسيرات البالغات، مراعاة للنمو النفسي والجسدي والعقلي لديهنّ، لكن هل إلتزم الاحتلال الصهيوني معهنّ بذلك؟ كما هم دائما لا يلقى بالا لأي حقوق مشروعة لهنّ، من تلك القوانين والحقوق، فمُورس بحقهنّ ممارسات دنيئة لا تليق بالأطفال، وحقهم بالمعاملة بصورة سوية، فتعامل معهنّ كبالغات، يقع عليهنّ ما يقع على الأسيرات البالغات، رغم أن الحقوق الإنسانية، يجب أن تحظى بها كافة الأسيرات، بغض النظر عن أعمارهن، حسب قوانين حقوق الإنسان، أو المواثيق الدولية.

إن الأسيرات في السجون الصهيونية، يتعرضنّ لكافة أشكال التعذيب والإهانة، وتضيع لحقوقهنّ، حيث يبدأ ذلك من لحظة الاعتقال والتحقيق، حتى المكوث بغرف السجن المظلمة، حيث اشتملت ممارساتهم على أساليب الإساءة بالألفاظ البذيئة، والتهديد بالاغتصاب، والأحكام العالية، التي تفقدهنّ الأمل بالخروج، والتبديل المستمر للمحققين، التي تتعالى صرخاتهم لتفجر المكان بالرعب، وزيادة للتخويف والتهديد، وسحب الاعتراف منهنّ، وممارسة أساليب الشبح والوقوف لساعات طويلة، أو الجلوس على الكرسي، مع تكتيف الأيدي للوراء، لساعات طويلة، وحرمان من الطعام والشراب، أو الذهاب لدورة المياه، فتمكث الأسيرة لفترة أيام، لا تعرف أين سينتهي بها المطاف، ثم تُنقل لغرف السجن التي تتساقط جدرانها، وتفيح منها رائحة الرطوبة والموت.

وفي غرف السجن وأيامها الطويلة، تعاني الأسيرات صراعاً مريراً مع إدارة السجن ومزاجيتها، حيث يتعرضنّ لقسوة الحياة ومذلتها، من خلال ما يمارسه الاحتلال من ظروف قمعية لا إنسانية، فيتعرضنّ للحرمان من الحقوق، التي تنتزع منهنّ، فتقع عليهنّ عقوبات فردية وجماعية، فيحرمنّ من زيارة الأهل كعقوبة نفسية، أو من تنوع الطعام وصحته، ويُمنع عنهنّ الغطاء والدفيء مع لسعة البرد، أو حتى الاستحمام والنظافة اليومية، وتزويد بالكتب للمطالعة والثقافة، أو حتى حق الاستمرار في الدراسة، أو المشاركة في نشاطات ثقافية، من خلال مؤسسات مجتمعية وإرشادية وخاصة للأسيرات الصغيرات.

وفي السجن أسيرات ما زلنّ في فورة شبابهنّ، يسارع الاحتلال لتدمير ذواتهنّ الجريئة، فبعض منهنّ كنّ طالبات في الجامعات، ولم يُسمح لهنّ بإكمال الدراسة، ولا زيادة الثقافة العلمية، ولا الانشغال داخل السجن، بنشاطات ترفيهية أو ثقافية، أو إبداعية، ويمارس عليهنّ عقوبة العزل أو السجن الانفرادي، وبعض منهنّ حكم عليهنّ بالسجن الإداري المتكرر، ومنهنّ من زالت موقوفة دون حكم، أو محكومة أحكام طويلة مؤبدة، ولا يتمتعنّ بظروف صحية، بل هناك تعمد في الإهمال لكل النواحي، لجميع الأسيرات في داخل السجون، وذلك لهدف أن تصاب الأسيرة، بضغط نفسي وزيادة في المعاناة والألم . وتشكوا الأسيرات من غرف قديمة ومعتمة، وأنها تشكل خطورة على حياتهنّ، حيث يتساقط التراب، وقطع الاسمنت والرطوبة الشديدة، وعدم وجود التهوية المناسبة، كما أن الطعام سيء، والكمية والنوعية ليست كافية، ولا تتناسب مع ظروف الأسيرات الصحية، كما أن هناك إهمال في الجانب الطبي، وتوفير الأطباء والعلاج والأدوية، حيث لا يتوفر طبيب أسنان إلا مره واحده بالشهر، ولا يتم تحويل الأسيرة للفحص والعلاج، إلا بعد معاناة طويلة، وتدقيق شديد، أو لا يتم تحويلها وتترك مع الألم، وهناك بعض الأسيرات اللاتي كنّ حوامل، ووضعن أطفالهنّ داخل السجن، ولم يتم السماح لهن بالولادة في ظروف طبيعية بالمستشفى، بل على العكس كنّ في حالة الولادة، وهنّ مقيدات بسلاسل الأسر، كما لا تتوفر لهنّ الفرصة للخروج من الغرف، لأجل الحركة والنشاط، إلا لفترات قصيرة، وحسب مزاجية إدارة السجن، وهناك حرمان من وسائل الاتصال مع البيئة الخارجية، لمعرفة ما يدور خارج المجتمع، فلا توفر لهنّ الصحف اليومية إلا نادرا، ولا أجهزة التلفاز، إلا لعدد قليل من الغرف، ولا يسمح لهنّ بتأدية الشعائر الدنية بصورة جماعية، ولا يُتوفر مكان خاص لذلك، وحسب أقوالهنّ أن هناك تمييز في المعاملة، مقارنة مع السجينات الإسرائيليات، حيث تسجن الأسيرات الفلسطينيات السياسيات، مع سجينات جنائيات إسرائيليات، كما أن هناك أسيرات عانينّ من أوضاع صحية قاسية وخطيرة، ولا يُسمح لهنّ بالعلاج الكافي واللازم، ولا يعاملنّ معاملة إنسانية بسبب مرضهنّ، بل تزداد قسوة السجن على آلامهنّ.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل