المحتوى الرئيسى

المشتبهات في حرِّيتنا الإعلامية!بقلم:جواد البشيتي

06/18 23:41

المشتبهات في حرِّيتنا الإعلامية!

جواد البشيتي

في عالَمنا الصحافي والإعلامي الأردني، نتحدَّث كثيراً عمَّا يسمَّى "السَّقْف العالي" للحرِّية الصحافية، والذي على عُلوِّه (المتفاوِت بين الصحف، أو بين وسائل وأدوات الإعلام المختلفة) يظل دون ما يطيب لنا تسميته "السَّقْف السماوي للحرية (نفسها، أو على وجه العموم)"؛ فنحن "مكتشفو" أنْ لا سَقْف للحرِّية؛ لأنَّ السماء هي سَقْفها؛ و"السماء"، على ما نَعْلَم، أو على ما بِتْنا نَعْلَم، هي "بناء" لا سَقْف له، ولا أرضية، ولا حيطان.

نحن البشر لا نَعْلَم لو لم يُعْلِمنا الله أنَّ "الحلال (المحض)" بيِّن، و"الحرام (المحض)" بيِّن، وإنْ ظلَّ بينهما أمور مشتبهات، أي أمور تشتبه على كثير من الناس هل هي من "الحلال" أم من "الحرام"؛ لكنَّ "الرَّاسخين في العِلْم" يجب ألاَّ تُشْتَبَه عليهم هذه الأمور.

وفي أمْر تمييز (وضرورة تمييز) عُلُوَّ سَقْف الحرِّية الصحافية من هبوطه، ينبغي لنا ألاَّ نضرب صفحاً عمَّا بين هذا وذاك من أمور مشتبهات؛ فليس كل ما يلمع ذَهَبَاً؛ وليس كل ما نَعْتَده سَقْف حرِّية صحافية أو إعلامية عالٍ هو كذلك.

نحن جميعاً، وعلى ما نَزْعُم، وإنْ ليس كل زَعْمٍ صادِقاً، في حربٍ (لا هوادة فيها) على الفساد، وعلى الفاسدين والمفسدين؛ ولو قُيِّض لنا أنْ نمضي في حربنا على الفساد حتى نهايتها، مُعيدين كل سَيْفٍ آخر إلى غمده، لاكتشفنا أنَّ ما اعْتَدْنا فَهْمُه على أنَّه من مطالب وشعارات أقرب إلى منطق الثورة منها إلى منطق الإصلاح قد تحقَّق في سياق الحرب على الفساد، وقبل أنْ تَضَع هذه الحرب أوزارها؛ ذلك لأنَّ هَزْم الفساد والفاسدين والمفسدين (إنْ أرَدْنا أنْ نكون صادقين في زَعْمِنا ذاك، ولا نُعلِّل أنفسنا بالأوهام) يَسْتَلْزِم ثورة لا تَقِلُّ شأناً وأهميةً ووزناً عن الثورة الفرنسية العظمى (سنة 1789).

والحرب على الفساد عندنا (والتي لا يُمْكنني فهمها، حتى الآن، وفي المقام الأوَّل، إلاَّ على أنَّها صراعٌ، مستتر تارةً، وصريح طوراً، بين أجنحة وزعماء "حزب الفساد" نفسه) تحتاج إلى إعلام صادق وجاد ومُخْلِص في حربه على الفساد؛ فهل لدينا مثل هذا الإعلام؟

إنَّنا نستدل على عُلُوِّ سَقْف الحرِّية (الصحافية والسياسية) في بعضٍ من إعلامنا بما يُفجَّر من قنابل إعلامية (على الصفحة الأولى) هي كناية عن ملفَّات ومعلومات ووثائق وأدلة وبراهين (كانت حبيسة "صندوق أسود" في حوزة أحد المسؤولين الكبار في جهاز الدولة، أو البلاد) تُعْطى لصحيفة لنشرها (في طريقة متَّفَق عليها) فتَظْهَر إلى العَلَن "فضيحة فساد (جديدة)"، تشغل المواطنين، أو جمهوراً منهم، بعض الوقت؛ ثمَّ تَظْهَر لهم "فضيحة فساد أخرى"؛ أمَّا النتيجة العملية والنهائية لهذه الحرب الإعلامية على الفساد (أو لكل جولة من جولاتها) فتظل هي نفسها التي اعتدناها وألفناها؛ إنَّها "الصِّفْر" إذا ما حسبناها من حيث ما لَحِق بـ "حزب الفساد" من هزائم، وما تكبَّده من خسائر؛ وإنَّني لا أغالي إذا ما قُلْت إنَّ الفساد، بظواهره كافة، وبقادته وجنوده، يزداد قوَّةً وبأساً بعد، وبفضل، كل فضيحة إعلامية له؛ وكأنَّ الغاية الكامنة في أساس الحرب عليه هي كالتي نراها في صراع البورصة، يَخْسَر أحدهم ليربح الآخر، في الوقت نفسه، وليَظل قَدْر الخسارة وقَدْر الربح متساويين.

إنَّها حرب لا تنال (وليس من غايتها أنْ تنال) من قوَّة "حزب (أو مؤسَّسة) الفساد"؛ لكنَّها تسمح، أو قد تسمح، بترجيح كفَّة أحد حيتان الفساد على كفَّة الآخر؛ و"السَّقف" لا يَعْلو، إنْ علا، إلاَّ في هذه اللعبة، وبها؛ فشتَّان ما بين صحافة تخوض حرباً لا هوادة فيها على الفساد، بظواهره كافة، وبحيتانه جميعاً، وصحافة يتَّخِذها (وتَقْبَل أنْ يتَّخِذها) بعض حيتان الفساد أداةً في صراعهم وحربهم ضدَّ منافسيهم وخصومهم من الحيتان أنفسهم.

وشتَّان ما بين صحافة تَغْتَنِم (ومن حقِّها، وينبغي لها، أنْ تَغْتَنِم) هذا الصراع بين حيتان وأئمة الفساد، فتَحْصَل من بعضهم على ما تَحْصَل عليه من ملفَّات ومعلومات ووثائق وأدلة وبراهين، لتوظِّفها وتستخدمها (إعلامياً) على خير وجه في حربها على الفساد بحيتانه جميعاً، وصحافة تتحالف إعلامياً (وسياسياً) مع جناح ضدَّ جناح، وحوت ضدَّ حوت، من "حزب الفساد" نفسه.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل