المحتوى الرئيسى

من أعماق التاريخ :أسطورة اليهودي التائه بقلم:قوارف رشيد

06/18 23:08

بينما كنت أطالع كتاب أو مجلة لا أتذكر بالضبط ،مرت بي كلمة اليهودي التائه، وأنا لا أعرف هذا المصطلح ،فقررت بعد عناء أن أبحث و أتعرف على هذا المصطلح، فرجعت الى الكتب القديمة منها: الأدب الصهيوني ،و الفلسطيني توصلت الى الهدف المنشود،وأختصرته في هده الأسطر وأغلبه مأخود من كتب غسان كنفاني رحمه الله

تطرح شخصية "اليهودي التائه" في أوربا صورة أخرى أكثر طرافة عن شخصية اليهودي في الآداب الشعبية وتطورها والعلاقة بين هذا التطور وبين أوضاع اليهود الاجتماعية والمالية والدينية، وكذلك تبرز ملاحقة "اليهودي التائه" جانبا مهما من دور التوجيه السياسي العنصري في نقل المعضلة اليهودية من مواقعها المشروعة وحلولها الإنسانية إلى المواقع التعصبية والعنصرية.

لقد كان "اليهودي التائه" يدور دائما، في الماضي، خلال الحلقة الدينية التي إستولدته من موقف الخاطئ إلى موقف المعذب، من موقف جالب السوء الطالع إلى موقف علامة الخير، نتيجة للتغيير المضطرد، سلبا وإيجابا، في العلاقات الاجتماعية والدينية بين اليهود وبين الأوربيين. قد ركب "اليهودي الجوال" الموجة نفسها التي ركبتها بطلة "دافيد آلروي" وبطل "دانييل ديروندا"، وهي موجة تحويل العرق والدين، تحت ظل أسطورة التفوق إلى قضية عنصرية. إنهم يعبرون عن شخصية اليهودي التائه: إنه مواطن مسكين قنوع متدين أحيانا ولكنه متشرد يجلب النحس والدمار حينا آخر، راض بالعقاب الذي نزل به، في البدء، ولكنه شكاك متذمر ومتربص. وصلت الأسطورة إلى الغرب عام 1228 على لسان بطريرك أرميني جاء من أرمينيا إلى سانت البانز "إنجلترا" ليشارك في أعمال مجمع كهنوتي، ويعتقد جوزيف غايير أن قصص اليهودي التائه قد شاعت في أوربا مع عودة الفوج الأول من الصليبيين الذين عادوا من القدس حوالي عام 1110، إلا أن أول أثر مسجل لأول ذكر لليهودي التائه هو قصة البطريرك الأرميني التي تلاها في سانت البانز عام 1228 مسجلة في تاريخ "سانت البانز" لأول مرة، بعد ذلك بحوالي 22 عاما. وكان البطريرك الأرميني قد سئل، فيما كان مستغرقا بوصف سفينة نوح كما رآها بنفسه راسية على قمة أحد جبال أرمينيا، عما إذا كان قد سمع عن رجل يقال أنه شاهد صلب السيد المسيح، وأنه محكوم عليه من قبل المصلوب بالتجول في العالم إلى يوم القيامة.

وأتى جواب البطرك فريدا حين قال بعد صمت قصير: "إنني أستغرب أن يوجه لي هذا السؤال بالذات، ذلك أنني قبل أن أغادر أرمينيا بوقت قصير كان هذا الرجل، واسمه جوزيف، قد تناول غذاءه على طاولتي". ومضى بطريرك أرمينيا، بعد ذلك يروي القصة كما تعرف إليها بنفسه من الرجل التعيس ذاته، فقال إن هذا الرجل أمضى في التجوال حوالي اثني عشر قرنا وقد كان اسمه أيام المسيح كارتا فيلوس وكان يعمل بوابا على باب المحكمة التي حكمت بصلب المسيح، وفيما كان يسوع خارجا من دار المحكمة بعد صدور الحكم ضربه كارتا فيلوس هذا على ظهره وصاح به: "امضي يا يسوع ! لماذا تتلكأ ؟" إلا أن المسيح نظر إليه بهدوء وأبلغه: "إنني ماض، ولكن أنت، ستنتظرني إلى أن أعود" ومنذ ذلك اليوم وكارتا فيلوس لم يكف عن التجوال، صامتا حزينا فقيرا متواضعا آملا بالغفران لأنه ارتكب جريمة عن جهل، ولأن المسيح قال وهو على الصليب: يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون. وبعد ثلاثة قرون من تسجيل هذه القصة" يظهر اليهودي مرة أخرى في بوهيميا عام 1505 ليساعد رجلا اسمه كوكوت في العثور على كنز كان جده قد خبأه له في مكان ما.

وبعد ذلك بعشرين سنة يظهر اليهودي التائه مرة ثالثة في ألمانيا للدكتور كورنيلوس في ملابس ساحر. ومنذ ذاك بدأ يتوالى ظهوره بغزارة واستمرار في عواصم أوربية مختلفة والملاحظ أن هذه الشخصية محبوبة، لا توحي بغير الشفقة وقد وجدت هذه الشخصية بسبب فظاظتها إزاء يسوع. فإنه من المدهش حقا أن تنقلب إلى شخصية محببة في الذهن الشعبي.

إن شخصية اليهودي التائه كانت نتاجا لسبب مزدوج: موقف الكنيسة من اليهودي من ناحية، والدور الذي يلعبه اليهود في المجتمع الذي يعيشون فيه، من ناحية أخرى. في بداية القرن السابع عشر يطرأ تحول واضح في الأسطورة ففي غرب أوربا كان يعتقد، خلال القرنين الخامس والسادس عشر، أن اليهودي التائه لا يظهر إلا مع العواصف، وأنه شخصية مخيفة تجلب معها النحس والدمار وفي بعض الأماكن، حيث كانت تهب العواصف، كان الناس يهرعون للتجمع والصلاة لله أن يوفر على بلدتهم زيارة اليهودي التائه، وكان هذا الاعتقاد وليد موقف ديني. ففي بداية القرن السابع عشر تنطلق من أوربا الوسطى صورة جديدة لليهودي التائه، ويتضح هذا الانطلاق في أغنية شاعت وقتها في بروكسل وترجمت على نطاق واسع، وكان اسم تلك الأغنية "تذمرات اليهودي التائه" ولأول مرة يصبح هذا اليهودي "اسحق لاكيديون" ويدل الاسم على دور العقل اليهودي ذاته في صياغة تلك الأغنية. إن كل هذه الأساطير، في هذا النطاق، كانت انعكاسا لموقف اقتصادي إزاء اليهود الذين، في الفترة تقريبا نفسها قدموا لكاتب كبير هو شكسبير، في إحدى مسرحياته الأكثر شيوعا، شخصية شيلوك.

ففي 1602 كتب كروتزر بالألمانية، كتابا عن اليهودي التائه يحمل العنوان التالي: "وصف موجز وروائي ليهودي اسمه "أها سورس" شاهد شخصيا صلب السيد المسيح وشارك في تظاهرة صلبه، والذي حيل بينه وبين العودة إلى القدس إلى الأبد، ولذلك لم يستطع بعدها أن يشاهد أبناءه وزوجته. إن أهمية هذا الكتيب قد جعل من شخصية اليهودي التائه شخصية شعبية في أوربا محصورة في نطاق ديني. بدأ العقل اليهودي يسهم في صياغة أسطورة أها سورس، وتدخل التعصب مرة أخرى لوضع أها سورس هذا في ميدان البطل وأعطى صوت المتفوق المعصوم المتحدث عن العرق. وفي باريس كتب جاسوس تركي تقريرا للقسطنطينية عام 1644، يروي فيه قصة اليهودي التائه الذي قابله في باريس ويشرح بالتفصيل مواقفه وآراءه وحقيقته، وليس ثمة أي إثبات تركي بالطبع لمثل هذه المزاعم، والأكثر وضوحا أنه كتب لحساب التعصب اليهودي. فقد لعبت هذه الرسالة دورا هاما في نقل "اليهودي الجوال" من حيز الفولكلور الشعبي إلى حيز الرواية التي سيكون أكثرها شيوعا، ذلك العدد الكبير الذي كتب خصوصا بين 1840 و 1860 وحمل اليهودي التائه شخصية رومانطيكية وكانت مسؤولة على ولادته المجددة كرمز. وبدأت تنسلخ أسطورة اليهودي التائه عن مراميها الدينية وتنتزع من نطاقها الشعبي وتضحي ذات علاقة مباشرة بأوضاع اليهود الاجتماعية ومن ثم بأوضاعها السياسة، وما تلبث أن تستخدم في الترويج للدعوة العنصرية والواقع أن الشعر الإنكليزي، وبالتحديد شيللي قد سبق الرواية الإنكليزية إلى طرح مشكلة اليهودي التائه، وفي القرن التاسع عشر يبدأ اليهودي التائه في أوربا يتجول من خاطئ إلى متهـِم ومن مستغفر إلى ثائر، ومن ثمة بدأ عدد كبير من المؤلفين للكتابة عن اليهودي التائه في رحلته الأزلية، حتى انفجر الكاتب اليهودي دافيد بينسكي بلغة اليديش عام 1906 في مسرحية سماها "اليهودي الأزلي" ترجمت إلى الإنكليزية عام 1920 باسم الغريب بواسطة يهودي آخر اسمه اسحق غولدبرغ. يقول علماء الدين اليهود أنه في الواقع يوجد 36 يهوديا تائها لا يموتون، وليس واحدا فقط. وأن رسالة هؤلاء هي المساعدة على الإيمان، مواساة الأرامل والأيتام، ولكن هذه الرسالة الدينية في أوائل القرن العشرين أصبحت رسالة سياسية محضة، بدفع من تيار التعصب اليهودي الذي كان يراهن على الموقع العنصري. إن اليهودي الجوال، أو التائه، أو الأزلي يحمل، بعد عشرين قرن من حياته الدينية المحضة، السلاح وفكرة الغزو في مسرحية "الغريب" التي تبنتها فرقة الـ"هابيما" اليهودية وقدمتها ليهود أوربا الشرقية أولا وفق مخطط ملحاح، ثم أعادت تقديمها بمخطط أوسع في أوساط اليهود في أوربا. يقول اليهودي الجوال في هذه المسرحية: "نعم ! أنا خاطئ، لقد ارتكبت أفدح الخطايا لأنني كنت أحرث حقلي حين كان يتوجب علي أن أشارك في النضال من أجل حرية شعبي... والآن حل عقاب الإله الرهيب فوقي: علي أن أتجول في كل أنحاء العالم... وسأبحث طويلا طويلا عن "المهدي" والآن سأذهب لفعل ما يجب علي أن أفعله... ما يجب علي أن أفعله...". يقول "ريكين بن آري" أحد مؤسسي "هابيما" في كتابه عن نشاط هذه الفرقة المسرحية: "... ومازلت أرى زيماك (الممثل الذي لعب دور اليهودي الأزلي) أمامي يحمل كيسه في نظرة ثاقبة، متسلقا إلى فوق، قائلا بصوت عميق: أنا ذاهب لأفتش عن (المهدي المنتظر) !... ولقد آمن بأن مسرح هابيما باستطاعته أن يضع اليهود أمام عيني العالم. وإن هذا المقطع يلخص بالضبط هذا التوظيف السياسي لقضية دينية، وتبادر الصهيونية فيما بعد إلى تشييع "اليهودي الأزلي" سياسيا فتنتج في يافا فيلما باليديش عام 1933 وفي 1948 يتوظف اليهودي الجوال في المهمة الجديدة وهي تجارة الكارثة النازية على يدي فيتوريو غاسمان في فيلم اسمه "رمال الزمن" يصبح فيه اليهودي الجوال رمزا لصعود الروح اليهودية في معتقلات النازي الرهيبة. وبعدها أتى الكاتب السويدي "بير لاجاكويست"، الحائز على نوبل ليكتب في مطلع التسعينات روايته القصيرة "موت أها سورس" يصل اليهودي الجوال هذا إلى فلسطين ويموت هناك.


أهم أخبار مصر

Comments

عاجل