المحتوى الرئيسى

> فتحي رضوان «أفوكاتو الوطن»!

06/18 21:03

أكتب لكم عن مصري نادر، ومثقف بارز، ووزير رائع، ومعارض محترم وكاتب يحترم عقل قارئه، وسياسي له أخلاق الفرسان، وعاشق لمصر بجد وصدق، باختصار وبساطة هو «أفوكاتو الوطن». أكتب لكم عن «فتحي رضوان» المحامي والمناضل والمؤلف والوزير الذي لم نحتفل بمئوية ميلاده منذ شهر وحتي الآن

نسينا أو تجاهلنا أن نحتفل ونرصد مشوار «فتحي رضوان» الثقافي والسياسي المولود في مايو سنة 1911 «لا يهم إذا كان الميلاد يوم 7 أو 11 أو 14 مايو».

ولماذا نتذكر «فتحي رضوان» وهو ليس له شلة تتذكره وتكتب عنه في الصحف القومية أو الحزبية أو الخاصة وهو ليس في حياته ما يثير شهية الفضائيات سوي أنه رجل وهب حياته وعمره وقلمه لمصر دفاعا عن الحرية والعدالة والتقدم ضد الجهل والتخلف والفساد والتعصب.

عاصر فتحي رضوان منذ مولده عام 1911 وحتي رحيله عام 1988 ثمانية حكام لمصر هم علي التوالي: الخديو عباس حلمي الثاني، والسلطان حسين كامل والملك فؤاد والملك فاروق والرؤساء: محمد نجيب وجمال عبدالناصر وأنور السادات وأخيراً مبارك.لقد شغل «فتحي رضوان» عشرات المناصب المهمة ولكن التاريخ سيتوقف أمام منصبين منهما بالاحترام والتقدير والتأمل الاول مع بدايات ثورة 23 يوليو 1952 . عندما اقترح إنشاء وزارة الثقافة والارشاد القومي ـ التي أصبح اسمها فيما بعد وزارة الإعلام ـ ثم منصب رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وفيها صال وجال دفاعا عن سجناء الرأي والفكر وأيضا البسطاء والفقراء ضحايا الاستبداد الغاشم والسلطة الظالمة!

وعلي صفحات جريدة الشعب لسان حال حزب العمل الذي أسسه المناضل إبراهيم شكري صديق عمره منذ سنوات حزب «مصر الفتاة» في ثلاثينيات القرن الماضي ـ كتب «فتحي رضوان» أجمل وأصدق وأفضل دراساته ومقالاته دفاعا عن الحرية والديمقراطية والدستور.

وفي كل العصور كان «فتحي رضوان» طرازا محترما من المثقف المعارض، الذي يدفع ثمن المعارضة عن طيب خاطر ففي زمن الملك فؤاد تم القبض عليه وحوكم وسجن معه الزعيم أحمد حسين وحافظ محمود، وكما كتب يقول فيما بعد: «زجت بنا السلطة إلي سجن الاستئناف وكان لاعتقالنا صدي بعيد، فقد نشرت الصحف صور ثلاثة شبان لا يؤيديهم حزب كبير ولا يسندهم زعيم خطير ولا تحمي ظهورهم سلطة ولا يملأ جيوبهم مال».


كان عمره ـ أي فتحي رضوان ـ 23 عاما وكان كاتبا رئيسيا في كل الصحف والمجلات التي صدرت عن حزب مصر الفتاة مثل «الصرخة» و«وادي النيل» التي يكتب «فتحي رضوان» عن سياستها قائلا:

«إن الذين يعرفوننا ويقرأون لنا من قبل سيجدون في جريدة وادي النيل مواصلة لسياستنا.. يجدون فيها صحيفة تلتهب ايمانا بأن مصر فوق الجميع وبأن المجد لها وستقسو علي المنافقين والجبناء المتاجرين بالوطنية والسائرين في ركاب خصوم البلاد والمؤيدين للمغتصبين والطغاة، لن يجد أصدقاء الانجليز في جريدة وادي النيل إلا مؤدبا قاسيا ينذرهم ثم يأخذهم بيد من حديد حتي يعودوا إلي حظيرة الوطن وصفوف الشعب جنودا مخلصين».

ويواصل فتحي رضوان كفاحه ونضاله عبر الصحف في زمن حكم الملك فاروق حتي يتم اعتقاله بعد حريق القاهرة في 26 يناير 1952 .

بل يتم اتهامه مع آخرين بأنه هو الذي أحرق القاهرة، لكن قبل ذلك كانت مقالاته النارية هي حديث كل بيت مصري فيكتب في سبتمبر سنة 1951 مقالته الشهيرة بعنوان «عهد الكلاب» كان المقال يتحدث عن صديق كان يركب قطار الديزل عائدا من الاسكندرية إلي القاهرة ومعه زوجته وابنه وكان يجلس قبالته شخص يحمل كلبا أرستقراطياً كان ذاهبا لعلاجه عند طبيب مشهور بالقاهرة.. وهذا الكلب كان ملكا لسيدة مصرية زوجة مصري تتسع ثروته لهذا البذخ.

وكتب «فتحي رضوان» مندهشا وغاضبا وساخطا من ذلك كله قائلا: إن العهد الذي يجد فيه الكلب مكانه في الديزل ولا تجد فيه أسرة بأسرها من البشر أجرة الركوب في الدرجة الثالثة لأن الكلب يجد من يأويه ويحميه ويدافع عنه، أما الفلاح فعالجوه بالتمسح في السياسة والتعلق بالمبادئ حتي إذا قفزوا إلي الوزارة ومقاعد السلطان، أسرعوا فوزعوا أنفسهم علي مناصب الدولة، هنا شقيق وهناك شقيق، وفي الشركات أشقاء ثم اندفعوا ينهبون ويسرقون!». وختم الاستاذ فتحي رضوان مقاله الناري قائلا:

فليعترف إذن الكتاب والباحثون وليعرف الوطنيون والمربون أنهم يعيشون في عهد الكلاب فليقلبوا أفكارهم وليغيروا فيها وليروضوا ألسنتهم ويصلحوا من شأنها وليدربوا أقلامهم ويقللوا من اندفاعها حتي تتشابه العقول والألسن والأقلام بما يريده الكلاب ويأمرون به ويرضون عنه».

وطال اعتقال «فتحي رضوان» لعدة شهور ولم يفرج عنه إلا قيام ثورة يوليو 1952 وفي زمن حكم السادات ـ خاصة بعد زيارة القدس نوفمبر 1977 ـ لم يتصور «فتحي رضوان» أبدا انه سيجرب تجربة الاعتقال للمرة الثالثة، لكن الرئيس السادات فعلها وكان «فتحي رضوان» معه 1536 من رموز مصر في المعتقل فقد ضاق السادات بمعارضة هؤلاء وخاصة مقالات فتحي رضوان علي صفحات جريدة الشعب التي هاجمت ونددت بكامب دافيد واختلف بحدة مع سياسات ورؤي الرئيس السادات!

كان ذلك في الخامس من سبتمبر سنة 1981 وبالصدفة زامله في تلك الايام داخل المعتقل الكاتب الصحفي الكبير الاستاذ «صلاح عيسي» الذي روي هذه التجربة الانسانية السياسية فيما بعد وكتب عن فتحي رضوان يقول: «هذا زمن غادر وكاذب لذلك أذاع التليفزيون نبأ موته في سطرين غادرين مثله وكاذبين كمعظم ما يذيعه من أنباء.. زمن بلا صدق ولا قلب».. و«كان علي صلابته قريب الدمع وسريع البكاء جياش العواطف فقد كان واحدا من الرومانتيكيين العظام الذين أحبوا الناس في الوطن وأحبوا الوطن في الناس وقد ظل تلميذا وفيا لمصطفي كامل ومحمد فريد ربما لانهما كانا ـ مثله ـ يرفضان الحلول الوسط ولا يقبلان المساومة علي حقوق الوطن وكانا نموذجين للعطاء دون أخذ وللفناء دون تنازل».

<<

ولا يمكن الكتابة عن فتحي رضوان بغير الكتابة عن عشرات الكتب المهمة والممتعة: سياسية وأدبية وفكرية وقانونية كتبها بعمق واقتدار ومنها مثلا سيرته الذاتية «خط العتبة والخليج العاشق» ثم كتبه عن شخصيات لها تاريخ ومنها مصطفي كامل «ديفاليرا» و«موسوليني» و«عصر ورجال» الذي يتناول فيه بالدراسة الممتعة والكتابة السهلة الصافية شخصيات مثل: «أحمد شوقي وحافظ ابراهيم والمازني والعقاد وسلامة موسي وعلي الغاياتي والآنسة مي، ويوسف حلمي وأحمد لطفي السيد ود.محمد حسين هيكل وأحمد أمين وعبدالحميد الديب».

أما كتابه عن الزعيم الاقتصادي الكبير «طلعت حرب» وعنوانه «بحث في العظمة».. فهو أول كتاب عربي يرد الاعتبار لهذه الشخصية الاقتصادية الفذة وهو ما دفعني وشجعني علي أن أكتب كتابي «طلعت حرب: ضمير وطن» فقد وقعت في غرام عبقرية طلعت حرب عبر كتاب فتحي رضوان. ومن كتبه المهمة والبديعة ايضا كتابه «محمد الثائر الاعظم» و«كتاب مشهورون ومنسيون» و«محام صغير» ومسرحيتان هما «دموع إبليس» و«أخلاق للبيع وشقة للايجار» ومن كتب الذكريات السياسية «أسرار حكومة يوليو» و«72 شهرا مع عبدالناصر» الذي صدرت منه أكثر من طبعة نفدت كلها.

<<

وعندما صدرت الطبعة الاولي من الكتاب عام 1985 أثار ضجة سياسية غير عادية فخصوم «جمال عبدالناصر» وجدوا فيه ما يبرر خصومتهم له ودراويش عبدالناصر وجدوا فيه ما يؤكد إيمانهم بزعامته وعبقريته.

ولقد فوجئ «فتحي رضوان» نفسه بذلك ويشير في مقدمة الطبعة الثانية «صدرت عام 1984» إلي هذا الامر فيقول:

«لقد أدهش الكتاب الذي أقدمه للقارئ العربي للمرة الثانية الجميع فقد فرح به الذين يكرهون الثورة وكل ما جاءت به ويعدونها كارثة أخرت مصر أجيالا الي الوراء، فقد حسبوا أن هذا الكتاب قدم صورا «لعبدالناصر» وعهده وحكومته ساخرة ومليئة بالغرائب والمتناقضات وما يدعو إلي الهزء ولكن أكثر الذين قرأوا الكتاب بنية حسنة وبروح الانصاف أدركوا أنني صورت لعبدالناصر والذين حوله في الحكومة وخارجها صورة صادقة لا تريد أن تحولهم إلي آلهة ولا إلي أنبياء معصومين أو باعتبارهم شياطين وزبانية جحيم وأنهم تجردوا من صفات الإنسان البسيط، الذي يعرف كيف يرضي وكيف يغضب وكيف يحب وكيف يكره!».

ويقول «فتحي رضوان»: وقد لا يصدق الناس أن عبدالناصر كان يتمع بما يسميه الانجليز «sener of humer» أي الاحساس بالدعابة بل كان لا يكف عن مداعبة زملائه وتلقي التعليقات المنطوية علي الدعابة، وقد كانت له لوازم للدعابة منها قوله «السبب الـ17» وهو يعني بهذا لقول أن الامر المعروض للمناقشة مرفوض لسبعة عشر سببا وأنه لا يذكر السبب رقم واحد أو اثنين بل يكفي أن يذكر السبب 17 لأن الأمر المطروح للمناقشة مرفوض تماما!!

ورأيته يوما يستمع الي شخص عرف بالثرثرة الفارغة باهتمام شديد ولما انصرف محدثه سألت «عبدالناصر» ماذا كان يقول لك قال: علمي علمك! فقلت له: ولكنك كنت مستمعا باهتمام شديد!

فقال: هذا قدري أن أسمع كل شيء، أما أن يكون المتكلم مفهوما فشيء آخر! ويؤكد «فتحي رضوان»: عبدالناصر كان إنسانا بكل ما في الإنسان من حسنات وعيوب وعناصر قوة وعناصر ضعف!!

ولا أنسي أني كنت أتغدي معه في بيته قبل إعادة بنائه وكنا قد فرغنا من عمل ورحنا نستعيد ذكريات ما قبل الثورة فقلت له: لقد اعتقلت مع حسن البنا لسبب لم أتبينه إذ لم يكن لي نشاط في فترة الاعتقال ثم أفرج عني بلا سبب أيضا!!

فقال: وما وجه الاستغراب.. نحن نفعل أيضا أحيانا مثل ذلك اعتقال وإفراج بلا سبب! وعندما كنا نناقش دستور 1956 داعبته مرتين مداعبة استدعاها الحديث فرفض رفضا باتا أن يضحك علي كلتيهما لأن الأولي فيهما تمسه ولأنه لم ينتبه الي موضع الفكاهة في الثانية فضايقه ذلك!

كانت مناسبة المداعبة الاولي نصا واردا في دستور 1956 يقول: «إن وفاة رئيس الجمهورية تثبت بأغلبية أصوات مجلس الأمة فعارضت في النص علي أساس أن الوفاة واقعة مادية لا تثبت بأصوات النواب وانما الذي يثبت هو إعلان خلو منصب الرئيس فقد يكون الرئيس مخطوفا أو مأسورا».

وطال الجدال في هذه النقطة بيني وبينه فقلت له:

ـ علي كل حال أنا موافق لأنه اذا لم «يصوت» النواب عند وفاة رئيس الجمهورية فمتي «يصوتون»؟!

فزم الرئيس شفتيه مستاء وقال: طيب ياسي فتحي!!

وفي المناسبة الثانية ـ في جلسة أخري ـ أحضر الرئيس معه الدستور «الصيني» وأثني عليه فقلت له: ولكنه سهل الكسر!

فغابت عنه النكتة وقال: سهل الكسر.. لماذا؟

فقلت له: لأنه صيني!!

فعقد ما بين حاجبيه وفكر قليلا فلما أدرك النكتة أشاح بوجهه وأبي أن يضحك!! ومن أطرف ما يرويه «فتحي رضوان» هذه الواقعة يقول: «بدت آثار مطالعات عبدالناصر في مناقشاته مع بعض الوزراء ففي إحدي الجلسات أشار «سيد مرعي» وزرير الاصلاح الزرعي آنذاك إلي كتاب لكاتب غربي ولخص بعض أفكاره فاعترض عبدالناصر علي هذا التلخيص وقال إن الرجل يقول في كتابه نقيض ما تقول! فقال الوزير: هذه ما فهمته أنا! فقال له الرئيس: لابد انك قرأته بالمقلوب!

<<

ويقول «فتحي رضوان» وعلي الرغم من هدوء جلسات مجلس الوزراء إلا أنها كانت طويلة طولا لم يعهده مجلس وزراء لا في مصر ولا في غيرها!! فقد كانت تبدأ العاشرة صباحا أو الحادية عشرة وتستمر حتي ما بعد منتصف الليل!! وقد ترتب علي هذه الجلسات الطويلة أن عددا من الوزراء كان يستغرق في النوم في أثنائها!!

وكان المرحوم اسماعيل القباني وزير المعارف «التربية والتعليم» لا ينام فقط وانما يسمع له «شخير» عال وهذا لا يغض في أنه كان عالما فاضلا ومواطنا شجاعا يدافع عن رأيه وكرامته بلا هوادة وقد كان الرئيس يحتاج في بعض الاحيان الي ايقاظ الوزراء من نومهم ليأخذ آراءهم في المسائل المعروضة، ولهذا أصبح من فكاهات المجلس المتداولة عبارة قلتها مرة وهي: الموافق من حضراتكم يصحي!! بدلا من الموافق يرفع إيده!!

ومن أغرب وأعجب وأطرف حكايات فتحي رضوان هذه الحكاية: في إحدي اللجان ـ وكانت برئاسة المرحوم جمال سالم ـ سهرنا حتي الصباح تماما لمناقشة قانون المرور «!!!» ولكن مندوبي الصحف الذين ناموا علي مقاعد مبني مجلس الوزراء كانوا يظنون أن هذه اللجنة تبحث مسألة من أخطر مسائل الدولة!

وينتقل «فتحي رضوان» الي جانب آخر في حياة عبدالناصر وهو السينما، لكن ما يرويه الاستاذ «فتحي رضوان» يكشف عن جانب مثير تماما فيقول: «كانت السينما هي إحدي هوايات «عبدالناصر» المحببة إليه، وأذكر في صدد السينما ثلاث ذكريات أولاها كانت صلتي به في بدايتها المبكرة يوم ألفنا وزارة الثورة الاولي في السابع من سبتمبر سنة 1952 فقد كان حريصا علي أن يتم تأليف الوزارة في ذلك اليوم وكان يستبعد كل شيء من شأنه أن يؤدي الي تأجيل الوزارة ولو ليوم واحد، فلما اطمأن إلي أن الوزارة ألفت قال وهو يتنفس الصعداء حقيقة لا مجازا: الآن استطيع أن أذهب إلي السينما.. تصور أنني لم أر فيلما واحدا منذ شهرين!

وعرفت يومها أن الحرمان من السينما لمدة شهرين هو عقاب شديد بالنسبة له! والذكري الثانية يوم حدثني عن فيلم نسيت اسمه واسم بطله، وكنت أرجح انه الفيلم الرائع «أريد أن أعيش» الذي مثلته «سوزان هيوارد» وقد قيل يومها إن بطلته صهيونية أو إنها ذات ميقول صهيونية عبرت عنها صراحة أو شاركت في نشاط مؤسسة الجباية اليهودية التي تمول إسرائيل وتجمع لها التبرعات من يهود الولايات المتحدة!

وطالب بعضهم بمنع عرض الفيلم ومنع الفيلم فعلا لمدة طويلة ثم قال لي عبدالناصر: متي تفرج عن الفيلم؟!

فسألته: وهل هو فيلم جيد هل رأيته سيادتك؟

فقال بحماس: طبعا فيلم جيد لا تسمع كلام هؤلاء الأغبياء!

وبعد تحريات قمت بها وجدت أن التهمة الملحقة بالممثلة لا دليل عليها ورأيت الفيلم فوجدته عملا فنيا ممتازا».

وتتعلق الذكري الثالثة التي يرويها فتحي رضوان بفيلم الوصايا العشر واستجاب عبدالناصر لرأي فتحي رضوان الذي كان يري عدم عرض الفيلم.. فالوقت ليس ملائما!!

<<

وينتقل الاستاذ فتحي رضوان الي الحديث عن مستشاري الرئيس جمال عبدالناصر فيقول إن الناس كانوا يحكمون علي الامور من ظاهرها فيظنون مثلا أن السيد حسن صبري الخولي ممثل الرئيس الشخصي هو واحد من أقرب الناس إلي الرئيس ومن أكثرهم ترددا عليه واختلاطا به ولكن الواقع كان أبعد ما يكون عن هذا التصور الذي له ما يبرره تماما، فقد قال الاستاذ «حسن صبري الخولي» نفسه لصديق مشترك اعتاد أن يفضي إليه بمتاعبه:

هل تصدق أنني لم أر «جمال عبدالناصر» علي انفراد خلال أكثر من عشر سنوات إلا مرتين فقط، وكانت مقابلتي له علي هذه الصورة في المرتين بناء علي طلبي، أما فيم عدا هاتين المرتين فقد كنت أقابله مع غيري من الزائرين الكبار!!

وقد قال مستشار أخر للرئيس هو السيد «حسين ذو الفقار صبري» لنفس الصديق وكان «حسين» قد نقل من منصب وكيل وزارة الخارجية إلي مستشار للرئيس في الشئون الخارجية، وكان قد انقضي علي تعيينه بهذا المنصب أكثر من تسعة أشهر السؤال الوحيد الذي وجهه الي الرئيس جمال هو سؤاله عن صحتي حينما التقينا علي سبيل المصادفة في حفلة زفاف ابنة أحد كبار الضباط، وأراد الرئيس أن يمر حول مائدة الشاي لسبب وكنت علي قمة المائدة وكان المكان ضيقا فالتقي وجه الرئيس بوجهي فقال لي: ازي صحتك يا حسين؟!

وعندما اعتذرت في أكتوبر 1958 عن أن أكون وزيرا للثقافة والارشاد القومي فوجئ الدكتور «ثروت عكاشة» وكان سفيرا لمصر في روما ـ وهو يستمع إلي نشرة الأخبار من الإذاعة بأنه اختير وزيرا للثقافة دون أن يفاتحه في هذا الأمر أحد!!».

ولم يكن هدف الاستاذ فتحي رضوان من رواية هذه الوقائع والحكايات تسلية القارئ والترفيه عنه، بل كان له هدف وقصد ورؤية أوضحها في مقدمة كتابه البديع «عصر ورجال» الذي تناول فيه بذات المنهج دراسة 12 شخصية سياسية وأدبية وفكرية فكتب يقول: ليس أصدق في رواية التاريخ وتحديد خصائصه من قصص حياة الاشخاص الذين صنعوا هذا التاريخ وليس أصدق في رواية الحياة العامة من الحياة الخاصة إلا من خلقوا هذه الحياة العامة ولعبوا علي مسرحها وأدوا الادوار الكبري فيها، فالحياة الخاصة للكبار هي الصورة الخالية من التزييف للعصر الذي ينتمون إليه أو الذين ينتمي إليهم المحببة إلي القلب السهلة التناول.

<<

ومهما طال الكلام عن فتحي رضوان فهو قليل.. فتحي رضوان قيمة وطنية وسياسية وفكرية يندر أن تتكرر، لم يكتب إلا ما يؤمن به ويري أنه الحقيقة، سواء كان مؤيدا أو معارضا، أتمني في مئوية ميلاده أن تعاد طباعة أغلب كتبه التي نفدت منذ سنوات وخاصة سيرته الذاتية «خط العتبة والخليج العاشق» و«قبيل الفجر والملك والثوار في عربة».

رحم الله «فتحي رضوان» الذي ولد قبل مائة عام ورحل عن عالمنا في أكتوبر سنة 1988 .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل