المحتوى الرئيسى

المستشار فؤاد راشد يكتب: القانون المغيب!

06/18 20:10

ما أن يطأ المصري أرضًا خارج مصر حتى يكون من أشد الناس انضباطًا، وما أن يطأ بعضنا أرض الوطن حتى تسمع وترى ما يثير العجب, وفي بعض المرات لا يصبر بعضنا حتى تهبط الطائرة أرض الوطن ليتصرف على (كامل راحته)، وقد شهدت مرات مشاجرات بين بعض قومنا في قلب الطائرة المتجهة إلى مصر لأسباب فارغة؛ لأنه ليس متصورًا أن توجد أسباب حقيقية للشجار بين ركاب طائرة، ولا أخفي أنني كنت في كل مرة أشعر بالخوف والطائرة في أعالي الفضاء كقشة تحركها الرياح بينما ألفاظ السباب والتهديدات متبادلة مع عبارة نمطية يتطوع بها بعض المصريين متوجهًا بها للمتشاجرين قائلاً: "حرام عليكم فضحتونا"!.

 

لقد تحوَّل الشارع المصري إلى فوضى مدمرة للأعصاب، وأصبح دخول أكثر الأماكن في المدن الكبرى محنة حقيقية، وفي أحد الأيام رأيت واقعة جعلتني أتساءل هل نترك البلد ونفر من الفوضى، كنت أمر بشارع في مدينتي ورأيت مشاجرة، كان طرفها الأول رجلاً تبدو عليه ملامح القوة، وطرفها الثاني رقيق الحاشية وكانت زوجته معه، كان الأول يحاول ضربه بعصا غليظة، وهو ساكت لا يبدي حراكًا، وكان يتلقى الشتائم البذيئة المهينة ولا يرد، وبصعوبة بالغة أمكن أن نخرج الشاب المهذب بسيارته، بينما تتبعه الآخر بالسب القبيح، ثم أردف يسب الدين أيضًا، وكان الغيظ قد تملكني، فاقتربت منه، وقلت ألا تستحي حتى من الله، فرد قائلاً: لقد قلت له امض حتى أضع سيارتي مكان سيارتك؛ لأني أقيم في نفس الشارع وهو عابر سبيل فرفض!! وفي الحقيقة أنني بهت لغرابة السبب؛ لأن الطريق العام ملك الجميع لا أولوية فيه لأحد، ولكن الناس على دين ملوكهم!

 

وخذ عندك من الأمثلة ما لا يحصى، تسير في طريق فتصادف حفل عرس وعددًا هائلاً من السيارات ومعها عدد من "التكاتك" والكل يتصرف تصرفات يأباها حتى منطق الغابة باعتبار أن للغابة قانونًا يحترم مهما كان بدائيًّا، فلا أظن أن سكانها يخرجون ليلاً ليمزقوا سكون الكون، ويثيرون الاضطراب بلا ضابط ولا رابط، ويمر عابر السبيل في وسط هذه الفوضى الرعناء متشهدًا على روحه؛ لأنه يلاحق ويضيق عليه عمدًا حتى لا يمر؛ لأن التباهي الأجوف عند بعضنا يصل إلى حصر عدد ما حوصر من سيارات على الطريق.

 

وفي حدود علمي فإن أسباب خرق القانون الرئيسية ثلاثة، أولاً أن بعضها ظالم، فعندما كنت قاضيًا بمحكمة الجنح كانت عقوبة القتل الخطأ تنزل إلى غرامة مائة جنيه مع إمكان إيقاف التنفيذ، بينما كانت عقوبة بناء كوخ في حدها الأدنى الحبس ستة أشهر وغرامة عشرة آلاف جنيه دون إمكان وقف التنفيذ، بحيث أن قتل مائة مصري أيسر في نظر القانون المصري من بناء كوخ!

 

والسبب الثاني هو انعدام القدوة في احترام القانون، ووجود القدوة فعلاً في خرقه والخروج عليه، وأنت ترى أن الكبار هم أستاذة خرق القانون باعتبار المأثور المصري التليد أن "الماء لا يطلع للعالي"، فأكثر من يخرق قانون المرور هم رجال القانون أنفسهم بدءًا من تعمية زجاج السيارات إلى وضع سارينات نجدة لزوم المظهرية الفارغة إلى القيادة أحيانًا بدون رخصة، ولا أعرف هل نضحك أم نبكي عندما نعلم أن هناك عرفًا جاريًا بإعفاء فئات كثيرة من تطبيق قانون المرور كله تقريبًا! تصوروا!

 

ولقد بلغت الاستهانة بالقانون مداها عند قمة السلطة العليا، فالرجل الذي أقسم على احترام الدستور الذي ينص على النظام الجمهوري كان يقنن لحكم وراثي مدعومًا بجيوش من عديمي الضمير، ولا زالوا جميعًا لليوم ينعقون بلا خجل ولا حياء حتى يسأل المرء نفسه من أي طينة جبل هؤلاء!

 

والسبب الأخير هو ضعف آلية تطبيق القانون عمومًا، ولنا أن نأخذ مثلاً قانون المرور وما يجري، فما أن تضبط حملة مرورية مائة سيارة حتى يبرز منهم ثمانون أو أقل أو أكثر من "المسنودين" سواء بذواتهم أو أقاربهم أو معارفهم، وفي لمح البصر تعمل الهواتف النقالة ويتلقى الضباط ألف مكالمة، وتزيد الضغوط ليفلت هذا ثم هذا ثم هذا، وفي بعض المرات تفلت الأكثرية، وقد سمعت من بعض الضباط أنه ترك الباقين يفلتون بدافع الحياء والإحباط؛ لأنه بعد جهد جهيد يكون الباقي المتاح هو تطبيق للقانون على الضعفاء وحدهم، خاصة أن بعض هؤلاء يتمتم، وربما صرخ مطالبًا بالمساواة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل