المحتوى الرئيسى

الخلاف والاختلاف ضوابط وخطوط حمراء بقلم : عاهد ناصرالدين

06/18 19:29

الخلاف والاختلاف ضوابط وخطوط حمراء

بقلم : عاهد ناصرالدين

كثّف الكافر المستعمر هجمته على الإسلام والمسلمين,واستعمل كل الأساليب والوسائل في تشويه الإسلام وصورته,واتخذ مداخل من الإسلام نفسه ليتمكن من تسويق أفكاره ومفاهيمه بين المسلمين ومن أجل أن تنطلي أفكاره عليهم, ومن أعظم تلك المداخل بل وأخطرها مشروعية الاختلاف في فهم الإسلام وتعدد الآراء لوقوعه عمليا بين أئمة المسلمين ومجتهديهم, وكان هذا بمثابة الركيزة الأساسية التي ارتكز عليها لتمييع الإسلام؛ بجعل مفاهيمه تمتزج بمفاهيم الإسلام وتتغلغل بين أوساط المسلمين.

ومن أهم المفاهيم التي أبرزها وشجع على ظهورها مشروعية الخلاف بين الناس بما يسمّى ب"الرأي والرأي الآخر" من خلال وسائل الإعلام التي تسوق الديمقراطية والحضارة الغربية ، وتجعل القطعي من الإسلام محل خلاف ورأي وتصويت؛ فالطرح غالبا ما يتحدث عن الثوابت والقطعيات التي لا تقبل رأياَ آخر أو اتجاها معاكساَ ؛ فهذه الثوابت هي من المسلَّمات عند المسلمين مثل قضية تحكيم الشريعة الإسلامية أو حجاب المرأة أو الولاء والبراء وغيرها من الثوابت التي لا تقبل نقاشاَ.

صحيح أن هناك دواعي للاختلاف كالتباين الذي فطر الله –عزوجل- عليه البشر من حيث تفاوتهم في القدرة على الإدراك والاستيعاب والفهم، بما فضل الله به بعضهم على بعض ، ووجود خلاف من قبل اللغة، مثل الخلاف في دلالة المشترك على معانيه.

لكن لا يصح جعل الاختلاف على إطلاقه؛ فيؤدي إلى مخالفة الأحكام الشرعية والتنازل عن الأفكار والمبادئ التي يحملها المسلم،بل أخطر من ذلك أن يكون المسلم واقعيا أسيرا لأفكار غيره فيغيّر أفكاره تمشيا مع هذا الواقع، وتقع الأمة فريسة لردَّات فعل طبيعية للواقع السيئ فتعالج قضاياها بعيدا عن أفكارها فيصبح داعيا للاشتراكية أو الديمقراطية أو حتى يتنازل عن أرضه أو جزء منها.

وقد حاول بعضهم تطويع الأحكام الشرعية بما يتفق مع متطلبات العصر،وتم الإفتاء بما يُعارض نص القرآن القطعي كإباحة الربا القليل بحجة أنه غير مضاعف وبحجة الضرورة.

والمسلمون مطالبون بتحري الحق والصواب واتباع الدليل الأقوى فيما اختلف فيه، لا ما يمليه الهوى الذي جانب العدل من جانبه من الظالمين قال تعالى { أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ }البقرة87 ،وبالهوى ضل وانحرف الضالون{ فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً }النساء 135

من أجل ذلك يجب وضع ضوابط للاختلاف وذلك ببيان أمرين اثنين

أولهما: طبيعة الخلاف والاختلاف وفيما يختلف فيه ولا يُختلف فيه حتى لا يكون الخلاف والاختلاف لأجل الخلاف.

ثانيهما: كيف يمكننا أن نميز بين الاختلاف الذي يُقبل شرعا وبين من ليس له رِجل ليقف عليها ؟.

هذا الاختلاف منه مذموم وآخر محمود ؛فنجد الآيات القرآنية التي تنعى على الاختلاف من مثل قوله تعالى {وَمَا كَانَ النَّاسُ إلا أُمَّةً وَاحِدةً فاخْتلَفُوا}، (سورة يونس، من الآية: 19)، إذ ذكر نقيضاً للوحدة، ومثل قوله تعالى: {وَمَا اخْتَلفَ فِيهِ إِلا الْذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيَاً بَيْنهُمْ} (سورة البقرة، من الآية: 213)، إذ قرن الاختلاف بالبغي، وقولـه تعالـى: {وَلا تكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظيِمٌ} (سورة آل عمران، الآية: 105)، فقد توعد اللَّه سبحانه وتعالى بالعذاب الذين تفرقوا واختلفوا في آياتٍ كثيرة من كتابه العزيز كقوله تعالى {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلََّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (سورة مريم، الآية: 37)، وقوله تعالى: {فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلْذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ} (سورة الزخرف، الآية: 65)، وقوله: {وَلَكِنِ اخْتَلفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ امَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ} (سورة البقرة، من الآية: 253)، وقوله: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (سورةالنحل، من الآية: 93).

يستفاد من هذه الآيات أنَّ الذين ثبتوا على الحق لا ينالهم العذاب، بل ينال الذين كفروا وظلموا وضلوا، ويؤكد هذا المعنى قوله سبحانه {وَلَوْ شَاءَ رَبّكَ لَجَعَلَ النَّاس أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إلا مَنْ رَحِمَ رَبّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} (سورة هود، الآيتان: 118-119).

وهذا يعني أنَّ الاختلاف المذموم هو مخالفة الحق والركون إلى الباطل بشتى صوره، وتجاوز البينات بجعلها ظنيات ، والمحكمات متشابهات ، وبتقييد المطلق ،وإطلاق المقيد ، وتخصيص العام ، وتعميم الخاص وهكذا..

ولكننا نرى اختلافا محمودا تبيِّنه الحوادث العديدة التي كانت في أيام النبي-صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين ومن أتى بعدهم، مما اختلفت فيه أفهام الصحابة وغيرهم، وتباينت فيه مداركهم من أحكام الشرع، من مثل الاجتهاد في أمر النبي- صلى الله عليه وسلم- أصحابه " لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة"، فأداها بعضهم عند وصوله بني قريظة مع تأخير صلاة العصر، وعجل بعضهم فصلاها ثم توجه إلى بني قريظة مع مخالفته لأمر النبي – صلى الله عليه وسلم، وعدم إنكاره، عليه السلام، على الفريقين.

من هذا يتبين أن الاختلاف المقبول شرعا هو الاختلاف النابع من تباين في الفهم بسبب إشكال لفظي أو تعدد دلالات التعابير ، أو اختلاف في فهم الأدلة ، ويجري هذا على الفروع والجزئيات في النصوص الظنية في دلالاتها.

أما الاختلاف المذموم شرعا فهو النابع من هوى أو جحود للحق، والمؤدي في نهايته إلى النزاع،ومنه الاعتداء على النصوص بتحميلها ما لا تحتمل ، وقد توعد الله تعالى أصحابه بالفصل بينهم يوم القيامة.

وعند وجود خلاف بين المسلمين أو نزاع لا بد من الرجوع إلى الكتاب والسنة ،قال تعالى {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ }الشورى10 ، وقال عزوجل{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }النساء59، ورد في التفسير الميسر"يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه, استجيبوا لأوامر الله تعالى ولا تعصوه, واستجيبوا للرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من الحق, وأطيعوا ولاة أمركم في غير معصية الله, فإن اختلفتم في شيء بينكم, فأرجعوا الحكم فيه إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم, إن كنتم تؤمنون حق الإيمان بالله تعالى وبيوم الحساب. ذلك الردُّ إلى الكتاب والسنة خير لكم من التنازع والقول بالرأي، وأحسن عاقبة ومآلا.

وعليه فإنَّ هناك خطوطا حمراء لا يجوز تجاوزها وتخطيها ، ومسلمات محكمات بينات واضحات قطعيات ، مجرد وضعها في خانة المختلف عليه يعتبر اعتداءً صارخا وتطاولا واضحا ، وإلباس الناس ثوب التشكيك والظن فيما هو مبتوت ومعلوم ومحل اطمئنان وسكون ، ويمكن تلخيص ذلك في نقطتين.

1 -أن لا تُجعل العقيدة الإسلامية محل خلاف ؛ فلا اختلاف في وجود الخالق – عز وجل ولا في ملائكته ولا في كتبه ورسله واليوم الآخر، ولا اختلاف في حاكمية الله جل وعلا ،ولا يجوز أن تكون العقيدة وثوابتها محل مساومة أو غوصٍ في قواسم مشتركة كنقاط التقاء مع ما يناقضها أو حتى يخالفها ، لأن القول هنا واحد لا يتعدد؛فالمسألة إما إيمان أو كفر ، لا سبيل لثالث بينهما.

2- أن لا تُجعل القضايا المصيرية والأحكام القطعية محل اختلاف، كالحكم بالإسلام ووحدة المسلمين والجهاد وسيادة الشرع والولاء والبراء وعدم طاعة الحكام الرويبضات مثلا؛ فالبُرغم من وجود الاختلاف بين الصحابة في الاجتهاد ولكنهم لم يختلفوا في القضايا المصيرية وحلِّها.

فكان من الواجب الوقوف أمام كل من يُخِّلُ أو يحوِّر في الثوابت والمسلَّمات وأصول العقيدة ،وقضايا الأمة المصيرية؛ ولا مسوغ شرعي للخلاف أو الاختلاف فيها ،بدواعي تعدد الآراء وبشعارات إصلاحية أو ترقيعية أو مبررات تتخذ من فنون الممكنات وميزان القوى ، وفقه المصالح والغاية تبرر الوسيلة ،واختلاف الأحكام باختلاف الزمان ، فتقبل مثلاً المشاركة في الأنظمة الحالية تحت ذريعة أن الأمر خلافي ،وتحت شعار يعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه ؛ كتحريف وتعطيل حكم الجهاد في سبيل الله والقول أنه دفاعي ، ليتماشى مع الموقف الدولي والمواثيق الدولية ، وسيراً مع قوانين مكافحة ومحاربة الإرهاب ، متناسين أن القتال والجهاد قد شرعه الله تعالى لنشر الإسلام وفتح البلاد ، وليس لإكراه الناس على اعتناق الإسلام. قال الله تعالى: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} سورة البقرة.

ومما يجب التأكيد عليه أن علماء الأصول رغم اختلافهم فيما يعتبر دليلا إلا أنهم لم يختلفوا في وجوب قطعية الأدلة ؛قد نص جمهور العلماء على أن أصول الأحكام يجب أن تكون قطعية،قال الشاطبي في كتاب الموافقات" إن أصول الفقه في الدين قطعية لا ظنية" .

فمن اعتمد على دليل ظني، لا يختلف مع غيره من العلماء على وجوب قطعية الدليل ، وعندما أعياه وجود دليل من القرآن والسنة لجأ إلى الاستحسان مثلا على اعتبار أنه دليل يُستند إليه.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل