المحتوى الرئيسى

من ديمقراطية التجار إلى ديمقراطية الأحرار بقلم:محمد الحمّار

06/18 19:29

قال تاجر التزويد بالجملة لتاجر التفصيل الذي كان يدفع له دراهم مقابل خدمة أسداها إليه: "يبدو أنّ الديمقراطية أصبحت تُباعُ بالرطل هذه الأيام". لم تستهوني هذه الملاحظة التي كنتُ شاهدا عليها وأنا في دكان الحيّ، لأنّ البلاد تمرّ بفترة حرجة، وموضوع الديمقراطية يشكل محورا مركزيا في منظومة الحرج. ونزول الكلام على مسمعي في وقتٍ كنتُ أُمنّي فيه النفس ببعض حلٍّ زادني حيرة على حيرة.

وبعد يومين اثنين أدركتُ سبب امتعاضي ممّا قاله التاجر. أدركتُ أنه يستهزأ من شيءٍ غير مُحدد. فما هذا الشيء و لِمَ هذا الصنيع؟ يبدو لي أنّ "الزنقة وصلت للهارب" عنده، مثلما يقول المثل الشعبي عندنا: إنّ غالبية الشعب في تونس اليوم مهووسون بالديمقراطية، في البيت وفي الشارع وفي المدرسة وفي مقر العمل، وكأنها غاية الغايات عنده. إنّ كلمة "ديمقراطية" أضحت تسلط ضغطا عاليا على المسامع والأذهان، ما حدا بالتاجر أن يتهكم منها، ومن كل من "سولت له نفسه" أن "يبيعها" أو "يبتاعها"، وكأنه يتباهى بأنّ سلعته تدرّ عليه بالربح، وما عدا ذلك من السلع فهو تجارة خاسرة.

والذي يعمّق مبررات التاجر المتهكم أنّ جلّ الناس، لا أقول ليسوا مؤهلين للديمقراطية، إذ ليست الديمقراطية كائنا قائما بذاته أو مادة مدرسية أو جامعية أو وظيفة أو اختصاصا علميا أو حِرَفيا، ولا هي لعبة، بل ليسوا متملكين لِما سأسميه "الأرضية الثقافية ذات القابلية الديمقراطية". وغياب هذه الطبقة الصلبة يولّد حرمانا. والحرمان يولد ردّة الفعل. وعادة ما تكون ردّة فعل الجاهل بالشيء الضروري استبدادا. فالتطرف ردّة فعل. وهو ردة فعل على الفشل في التعبير عن الذات. والتطرف استبداد. وهو تطرف مكشوف. وهو عادة ما يكون عنيفا وعدوانيا. كما أنّ المبالغة في ترديد كلمة "ديمقراطية" استبداد، وتفسير كل شيء بالديمقراطية استبداد، وتحقير الآخرين باسم الديمقراطية استبداد. وهو تطرف مقنّع عادة ما يكون صاحبه متعالما (من "العلموية") ومنافقا ومتعجرفا.

إذن فاتخاذ الديمقراطية هزُؤا أو هزلا، مثلما اتخذها صاحبنا التاجر، إنما هو نوع من رَدة الفعل على ردة الفعل المستبدة والمتطرفة بصنفيها الاثنين، حيثُ إنّ الاستبداد عادة ما يكون إمّا مَبعثا على الإتباع والاستئثار باهتمام أُناس مُستبدّين افتراضيين آخرين، وإمّا مبعثا على اللامبالاة وما يصاحبها من خنوع و استهزاء. ووضع التاجر المستهزأ ليس أفضل من أوضاع سائر المستبدّين. فهو صنف ثالث، نفعي وانتهازي ومادي. والحجة على ذلك أنّه ليس خيرا من الآخرين في تعاطي الديمقراطية. بل الأمرّ أنه اختار الانكماش على نفسه. وهذه تجارة بائرة. ويجدر البحث عن كيفيةٍ ندُله بها وأمثالَه إلى تجارة رابحة، عدا تجارة الإخلاد إلى الأرض.

لن يكون ذلك ممكنا قبل الاستنتاج أننا الآن أمام حالة من الضعف في التكوين الفردي والمجتمعي يُقابَلُ برُدود فعل تختلف من شخص لآخر. كما يتوجب التحذير من مغبة اعتبار ردّ الفعل تمشيا مرغوبا فيه لتحقيق نقلة ديمقراطية سليمة. لذا يحق التساؤل: ما هو التمشي الأفضل؟ وما هي مكونات ما أسميناه الأرضية الثقافية ذات القابلية الديمقراطية؟

بادئ ذي بدء لا بدّ من وضع التجربة الديمقراطية في تونس في إطارها التاريخي ولو بصفة مُجملة. فنقول حينئذ إنّ وراءنا 15 قرنا من الحضارة. وإذا خُيرتُ بين ألوفٍ من الأسماء والمسميات لتعريف حضارتنا، وربما أية حضارة أخرى، سأختار الثلاثي الآتي: اللغة والدين والسياسة. وإذا أضفنا اليوم الديمقراطية كبُعدٍ رابع فسيبقى هذا البُعد رابعا، أي هو الدخيل علينا. فلا العربية ولا البربرية ولا الكردية ولا الفارسية ولا حتى الأردية دخيلة علينا. وليس الإسلام، ولا المسيحية أو اليهودية، دخيل علينا. وليست السياسة دخيلة علينا.

وإن قلنا إنّ الديمقراطية دخيلة فهي كذلك بالمقياس الزمني وبمعنى الضيافة والإضافة. وبالتالي فهي التي من المفترض أن تتأقلم مع ثقافتنا، ومنه مع لغتنا ومع ديننا ومع إنجازاتنا التي نشيدها طبقا لسياساتنا. وهنا أمضي في المساءلة: كيف ستتأقلم الديمقراطية مع ثقافتنا والحال أننا أقرَرنا بالفقر بخصوص ما أسميناه الأرضية الثقافية ذات القابلية للديمقراطية؟ هل ستتأقلم من تلقاء نفسها أم أنّ تلك وظيفةُ الشعب ورسالته من باب أحرى؟

ما من شك في أنّ الشعب، فردا ومجتمعا، يفتقد إلى هذا الصنف من الرسالة، ليُبلغها الناسُ إلى بعضهم البعض، ومنه إلى العالم. فتونس لم تقم بثورة لتنكمش على ذاتها بل لتتفاعل مع ثقافة العالم بأسره ولتحاول تحقيق إضافة تكون في مستوى الحدث الثوري وفي مستوى تاريخ البلاد. ولتحقيق ذلك، ليس هنالك أبلغ من اللغة وأجدى من الدين وأقوى من العقل السياسي، اللغوي والمؤمن، للتعبير عن تطلعات الشعب ومنه لتأسيس برامجَ سياسية محتوية على مخططات لإنجازات مستقبلية. وتحرير هذه الرسالة هو العمل المطلوب تنفيذه الآن. وهو عمل يتجاوز العمل الحزبي الضيق ويتسامى عن المزايدات الإيديولوجية العقيمة.

زد على ذلك أنّ تنفيذ عملٍ مثل هذا يُعدّ فريضة دينية فضلا عن كونه تلبية لنواميسَ موضوعية. إنّه التجارة الرابحة التي يحتاجها صاحبنا التاجر المتهكم والذين يمثلهم والذين يتهكم منهم. وهي تجارة رابحة في الدنيا لأنها، على سبيل الذكر لا الحصر، تكريس للديمقراطية. وهي تجارة رابحة في الآخرة بسبب تأصّل العمل الديمقراطي كقيمة فرعية تنصهر في العبادة. فالقرآن سيساعده على التدبّر وبذل الجهد والوقت من أجل تسهيل الحياة مع الآخرين بقبول اختلاف بعضهم عن بعض. ومن الضروري أيضا أن يساهم بقسط من ماله لينعم هو وأسرته والمجتمع بحياة كريمة. هكذا سيندرج التاجر وكل من صار يُعنَى بالديمقراطية كجزء لا تجزّأ من العبادة في نظام الآية الكريمة: "إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَـٰهُمۡ سِرًّ۬ا وَعَلَانِيَةً۬ يَرۡجُونَ تِجَـٰرَةً۬ لَّن تَبُورَ" (سورة فاطر:29)

والإقرار بدينيّة الرسالة بعيدٌ كل البُعد عمّا قد يُفهم على أنه محاولة لأسلمة الانتقال الديمقراطي. فإذا استوعبنا الدرس العُقدي من ثورة تونس كما ينبغي أن يُستوعب، وبدّلنا النظرة إلى التديّن مِن كونه أداءٌ إتباعي إلى كونه أداء تفاعلي، سيسهل استيعاب الجدّة الحاصلة في النظرة إلى الديمقراطية: أنّ الديمقراطية، بالرغم من أنها قيمة وفكر، إلا أنها ليست بديلا عن اللغة والدين والسياسة. إنها الفرع لا الأصل. إنها نتيجة لطبخة أصيلة أساسها المكونات الثلاثة المذكورة. ذلك هو الشرط المبدئي لأيّ منهاج كفيل بإنجاح الرسالة اللغوية الدينية السياسية.

بقي أن نحدد المنهاج الذي سيؤدي بنا إلى الفوز بالرهان المطروح أمامنا وبإنجاح الرسالة. ما من شك في أنّ الأجدى أن يكون منهاجا عمليا، كفيلا بمساعدة شعب تونس، كجزء لا يتجزّأ من الأمة العربية الإسلامية، على تكريس البُعد الرّسالي الثلاثي في خطابه إلى نفسه وإلى العالم. وأقترح أن يشتمل المنهاج، علاوة على الإيمان بقيمة الديمقراطية كحصاد من بذرة فكرية ذات ثلاثة أبعاد، على تمشّ واضح. والتمشي ينبغي أن يرسم مسارا. والمسار يكون تصحيحيا من جهة وبنائيا من الجهة الثانية؛ مُصححا للنظرة الخاطئة المسفرة عن ردود انفعالية وأخرى انبطاحية، وبانيا لمواقف متحررة.

بكلام آخر، إنّ الديمقراطية، وهي إنتاج الحداثة، تصبح قيمة أصيلة فقط لمّا تتأصل في الذات العربية المسلمة. وهل تأصلت فينا بعدُ؟ طبعا لا. وهل الأجدى تأصيلها من الخارج كما هو حاصلٌ الآن لمّا نلاحظ الهيمنة "الامبريالية" للتحركات القانونية والدستورية على سواها من الحركات والتحركات؟ طبعا لا. إنّ الديمقراطية دواء مرغوبٌ فيه لعلاج الجسم المريض، لكنها ليست الجسم. أمّا الذي يحصل الآن أننا نريد تناول الدواء بينما لا نعرف من أين نتناوله؛ من الفم أم عبر العضلات أم عبر الوريد. في الأثناء لا يتوفر لدينا إلا منهج التناول الجلدي الهلامي، وهو منهج من الضلال لأنه يجعلنا نركز جهودنا ووقتنا على مواصفات الدواء بينما الجسم يبقى بعيدا كل البعد عن التماثل إلى الشفاء.

فما المطلوب لتجسيد الحل، عقيدة وتمشيا ومسارا؟ المطلوب معرفة من أين ينبغي تعاطي دواء الديمقراطية. ومعرفة من أين تؤكل الكتف لا تستوجب جهدا جهيدا، وإنما هي متوفرة لِمن قرأها من خلال الواقع: اللغة والدين والإنجاز السياسي. لكن هذا لا يعني حقن الديمقراطية في اللغة وفي الدين وفي الإنجازات. هذه مقاربة فاسدة لأنها مهمِّشة للفكر وللمجتمع المفكر. فلن يكون لهذا أيّ معنى مباشرٌ. إنما المعنى المباشر يتراءى في كون مجموع العناصر الثلاثة تعتبر القاسم المشترك بين جُل الناس في المجتمع. ولو أنّ هنالك المؤمن وغير المؤمن، فاللغة توحدهما؛ وإن لم توحّدْهُما اللغة علاوة على عدم التوحّد بالدين فالإنجازات ستوحدهما، وذلك بمقتضى حدّ أدنى من الأهداف المشتركة.

فللننظُر إلى الناس. إنهم يميلون إلى القول "نحن لسنا ديمقراطيين" كلما استشعروا أنّ الديمقراطية عبارة على غول سَيفترسُ كيانَهم. إنهم يقولون ذلك لا بسبب أنّ القول مطابق للحقيقة. فهذا لا يعني شيئا في الحقيقة. وإنما يقولون ذلك لأنّ القدرة اللغوية لديهم والتديّن لديهم والقدرة على تصوّر إنجازات المستقبل لديهم ليست في وضعٍ يسمح لهم بتكريس السلوك الديمقراطي، بالاستغناء عن إبداء تعليق من ذلك الصنف.

وللننظُر إلى اللغة الصادرة عن الناس في ضوء الفقر الثلاثي الموصوف. إنّهم يملؤون الفراغ اللغوي باللجوء إلى ملاذ من أصناف هجينة ولا أخلاقية وخطيرة من أهمها نذكر سب الجلالة والتفكير الجنسي وتعاطي بذيء الكلام؛ وهذا دليل على ورطة التديّن وضلوعه في اللغة والسلوك. ومنها اللغة الهابطة والعبارات السوقية، والكلام الفارغ (في كلمات الأغاني، وفي تبادل الرسائل على المواقع الاجتماعية مثلا)؛ ومنها استيراد المفردات الانكليزية والفرنسية؛ وأخيرا وليس آخرا تحريف اللغة العربية باللجوء إلى رسمها بالحروف اللاتينية، وهو انتحار لغوي قد يؤدي لا قدر الله إلى انتحار ثقافي شامل مُتأتٍّ من الفراغ الرّسالي. وهذه دلائل على ورطة اللغة في مستوى علاقتها مع كل مجالات الحياة.

أمّا مجموع هذه القرائن الدالة على تورّط الناس في أزمة التدين وأزمة اللغة فهي تُشكل عمليا مؤشر المؤشرات: المؤشر على غياب التصورات للإنجازات، وهو ما يُعبّر عنه في الساحة الإعلامية والسياسية بـ"افتقار الأحزاب إلى برامج" أوبـ"غياب البديل" (عن سياسة الحزب الواحد الأوحد مثلا، كما كان الشأن في تونس قبل الثورة).

إذن لن يكون هنالك معنى ملموسا لتعاطي دواء الديمقراطية إلاّ في حال يتمّ توحيد العناصر الثلاثة المعتلة. ويمكن الشروع في التوحيد حسب التمشي الآتي وصفه:

1. رسم غاية وغايات تربوية وإستراتيجية وسياسية واجتماعية وغيرها للمجتمع كافة، وبغير هوس حول المسألة الديمقراطية. أعني لكي لا ينفلت منّا مأرب الديمقراطية لا بدّ من تحديد، بصفة جماعية وتعددية، ما الذي سنفعله باللغة وما الذي سنفعله بالدين وما الذي سنفعله كإنجازات.

2. في باب التحديد الجماعي والتعددي لِما سنفعله باللغة ينبغي الإجابة عن الآتي: مَن سنخاطب، كيف سنخاطبهم، لماذا نخاطبهم. ويتطلب الأمر كنسا للجهاز اللغوي من أساسه، تكليما واتصالا وتعليما، ثمّ إعادة تصميمه وبنائه على أسس توحيدية وعلمية صلبة. ولهذا الغرض يتوجب الحرص على تنفيذ تدابير من أهمها أذكر:

أ. تعزيز تعليم اللغات الأجنبية ذات الصلة المتينة بالعقل الحداثي على غرار الانكليزية وربما الصينية.

ب. الاكتفاء بتعليم اللغة الفرنسية كأية لغة أجنبية حديثة. وفي ذلك منافع للغة ذاتها ولجودة تعلمها مستقبلا، علاوة على انصهارها في مجموعة اللغات التي سنعتمدها مرجعيات لتحقيق الهدف الموصوف في "ج" أسفله.

ج. إعداد مناهج تعليم اللغات الأجنبية بشكل يحث المتعلم على تحصيل فائدتين اثنتين تبدوان متناقضتين: استساغة النموذج الحداثي من اللغة المتعلَّمة من جهة ثمّ توليد نموذج منه يكون أصيلا وقابلا للتعبير عنه باللغة الأجنبية المعنية، ومنه التعبير عنه باللغة العربية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل