المحتوى الرئيسى

من يحكم تونس بعد الثورة؟ بقلم:د.محجوب احمد قاهري

06/18 18:01

17/06/2011

من أبجديات السياسة في الحكم, حاكم ومحكوم, ومن بديهيات الديمقراطية محكوم ينتخب حاكما يرضى عنه ويوليه أمره, ولو اكتمل العدل لكان أمرهم بينهم شورى.

ويختلف الأمر عند قيام الثورات, فغالبا ما يكون لها رمزا وقائدا, يجمع حوله أغلبية الشعب, يقطع معهم مع سبق, ويؤسس معهم في توافق شبه تام لمستقبل يضمن لهم عيشا كريما.

واختلف الأمر مع ثورة تونس, التي فاجأت حتى الثوار أنفسهم, وكان شرف اختراع شعار قد يعصف ببقية الدكتاتوريات الأخرى, ليس على مستوى العالم فقط, وإنما على مستوى العالم كله, كان هذا الشعار "نريد إسقاط النظام", وتم ما قرره الثوار رغما عن إرادة قوى الاستكبار العالمي التي بدأت تعبث بثورة ليبيا وثورة اليمن, ومدت يديها إلى مصر والى تونس.

سقط رأس النظام في تونس, وبقت أذياله العنكبوتية تسيطر على مفاصل السلطة والدولة أيضا. وتعاقبت حكومات وراء حكومات, وأخرها حكومة السيد باجي قائد السبسي, ولكن السيد الراجحي فاجأ الجميع بطرح السؤال علنا, من يحكم تونس؟ ثم أردفه بإجابة كانت كالعاصفة التي زعزعت كرسي السيد الباجي ولكنه لم يسقط.

عندما هرب المخلوع, ظهر السادة الغنوشي والمبزع والقلال ليعلنون سطوتهم على الحكم, ونسوا بأنهم متورطون إلى حد النخاع في جنايات وجرائم اقتصادية, لم يمررها الشعب, وتبين لاحقا لان الغنوشي لم يكن سوى واجهة لحكومة خفية الظل.

وفجأة, ظهر واقع آخر فرضه زمرة من المشبوهين بعلاقات خارجية, وبعدائهم لثوابت هذا الشعب, وأسسوا هيئة تحقيق أهداف الثورة, ودعوا لها من رضيت عنهم نفوسهم وما فيها, ثم ادعى رئيسها السيد عياض بن عاشور بأنه الحاكم والناهي وانه القديس الذي يسهر على تحقيق أهداف ثوار تونس, وهو لا يعرف حتى الثوار ولا يعرف أهدافهم, واخترع قانون المناصفة بين الرجال والنساء وهو لا يعرف حتى وضع النساء, وأصبح متقدما جدا في تنفيذ أجندة داخلية وخارجية لتحييد الإسلاميين عن الحكم, وليس الحكم بيده ولكن بيدي آخرين, ولكن من هم؟

ثم انتخبت الهيئة الوطنية للانتخابات التي يترأسها السيد الجندوبي, ولكنه كغيره, درس وقرر بتأجيل الانتخابات وتمسك برأيه كأنه الحاكم في البلاد, مع إن هذا الحق لا يمتلكه, وإنما بيد رئيس الجمهورية. وجاء السبسي ليخرج من إحراج أوقعه فيه الحاكم الجديد ليؤخر الانتخابات لسبعة أيام أخرى على تاريخ السيد الجندوبي, وكان هذا الفعل لا معنى له سوى استرداد ماء الوجه, ونسي السبسي بان ماءه وجه قد ضاع كله يوم كان مصرا على إجراء الانتخابات يوم 24 جويلية كما قررها هو وحده.

وعادت هيئة بن عاشور لتحقيق أهداف بن عاشور من والاه للحديث عن "العهد الجمهوري" وظهر حكام جدد مورطون إلى حد النخاع مع إسرائيل, حيث أنهم يدافعون دفاع المقاتل المستميت عن التطبيع مع هذا الكيان الغاصب والسرطان الذي جمع الأمة من شرقها إلى غربها ولو اختلفوا في القضايا الأخرى. في البيوت المغلقة يدافعون عن التطبيع ويأسرون رأي الشعب الذي لا يحتاج إلى سؤال, وهو تحريم التعامل مع الصهاينة مهما كان الوضع. وهذا الوضع كشف مدى انفتاح هيئة بن عاشور ومن والاها على أجندات خارجية تحاول التحكم في المشهد السياسي التونسي بأياد تونسية خالصة.

ثم يعود المشهد للغموض مرة أخرى حينما يقول السيد الباجي قائد السبسي, بأنه هو الوحيد الحاكم في البلاد "ولا قبله في الحكم سوى الله ثم الشعب", ولم نرى منه سوى تعنتا وجبروتا في الحديث ولم نرى وقعه على الأرض, فالطرقات لا تزال تغلق والمؤسسات تعطل والانفلات الأمني في كل مكان, ولا وقع لحكم سي الباجي ولا لغيره.

بعد ثورة تونس, صار الكل حكاما في الغرف المظلمة, يقررون ما يشتهون بمعزل عن رغبة الشعب الذي قدم الدماء والتضحيات, وانفرط العقد بين الحاكم والمحكوم, الحاكم يسعى لاختلاق معجزات تحيد الإسلاميين وتقصيهم, والمحكوم الذي لا يلقى من ثورته سوى متآمرون عليه, ولا يضعونه في معادلاتهم.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل