المحتوى الرئيسى

د. هشام عبد الصبور شاهين يكتب: أهل القمة ٢٠١١

06/18 11:27

قد يكون من قبيل المصادفة أن يتطابق تاريخ عرض فيلم أهل القمة لعلي بدر خان؛ مع تولي الرئيس الراحل خلعا.

 مقاليد السلطة في مصر، فكلا الحدثين كان في أواخر ١٩٨١، ولكن ليس من قبيل المصادفة إطلاقا تطابق أحداث الفيلم مع ما حدث لمصر في عهد مبارك الذي تلى عرض الفيلم لثلاثين عاما بالتمام والكمال، وأصدقكم القول أنني شاهدت عشرات المرات – كما شاهد الكثيرون غيري – هذا الفيلم الرائع الذي تجلى فيه رقي أداء الممثلة الراحلة سعاد حسني والأداء المتميز المقنع جدا لكل من أدى دورا في الفيلم ، وفوق هؤلاء جميعا يأتي العبقري القمة نجيب محفوظ الذي كتب القصة وكأنه يستشرف المستقبل ويقرأ أحداثه،  فيصفها عام ١٩٨٠ كما حدثت عبر الثلاثين عاما التالية حتى ٢٠١١

سهام فتاة مصرية تقنعك؛ من فرط طيبتها وسلامة نيتها وبساطة جمالها الأخاذ؛ أنها هي مصر، وحين دخل عليها الانفتاح الاستهلاكي بكل متناقضاته وبضائعه، توفي والدها وهدم بيتهم، فاضطرت إلى التخلي عن حلمها أن تصبح طبيبة، وعملت في وظيفة بسيطة، وسكنت وأمُها مع خالها وعائلته على ضيق بيته وذات يده، فهو ضابط شرطة شريف، لا يقبل الرِشوة ولا يرحم اللصوص، وحين تعايره امرأته بفقره وتحاول دفعه ليساير العصر ليجهز بناته؛ يتحدى وزير الداخلية (أيامها) أن يستطيع شراء شقة لابنته من مرتبه !.. ورفعت الشاب الوسيم المتخرج حديثا من كلية الحقوق لا يجد عملا يحب سهام حبا حالما نبيلا، ويصطدمان بالواقع المرير؛ أنه لا يستطيع توفير أقل القليل ليرتبط بها لفقره وفقرها وفقر خالها، واضطر إلى مغادرة مصر إلى الخليج لعله يستطيع أن (يكوّن نفسه) ويعمل لمستقبله بعيدا عن حبه الوحيد، وكان مشهدا مؤثرا في المطار حين ذهبت سهام لتودعه على أمل اللقاء فصدمها بأن أنهى علاقته بها، لأن الظروف كلها ضد ارتباطهما، ولن يستطيع لا هو ولا هي أن يقفا في وجه تلك الظروف...

وهنا يبدأ دور (زعتر النوري) النشال الذي ألقى خالها الضابط القبض عليه عدة مرات، ورأى زعتر سهام فوقع في غرامها، ثم عمل لدى أحد اللصوص المهربين الكبار الذي شرّبه أسرار الصنعة، وعلمه أسس التهريب، فغيّر اسمه وأصبح بعد فترة قصيرة رجل أعمال مهرّب ومن أغنياء المجتمع الانفتاحي الجديد، وتقدم ليتزوج سهام بصفته  كرجل أعمال غني متناسيا تاريخه في النشل والسرقة، ومستغلا صفته الجديدة كرجل أعمال من العصر الجديد، وبعد أن انكشفت حقيقته؛ اقتنعت به سهام ليتزوجها ويأخذها معه إلى القمة، رغم أنف مبادئ خالها الذي بقي في القاع، وتاه وسط الزحام...

وهذا السيناريو هو ما حدث مع مصر بالضبط منذ أن دخلت عصر الانفتاح، فأبناؤها الذين يحبونها ما عاد لهم عيش فيها، وتدهورت أحوالها بشدة حين هجروها إلى الخليج، وبدأت سيطرة رجال الأعمال ذوي الأصول الإجرامية، وتمكن من دفة حكمها كل دعيّ ومتسلق ومنافق، واحتل برلمانها ذا التاريخ المشرف نواب القروض ونواب الكيف ونواب القمار ونواب العلاج ونواب البلطجة، ووجدت مصر نفسها وقد هجر أرضها من يحبونها؛ ترتمي في أحضان اللص الذي قدم نفسه إليها في هيئة رجل أعمال، وقدم معه حلولا لكل مشاكلها، حلولا تبدو في ظاهرها براقة لكنها تحمل في طياتها رائحة الماضي العفن، واستسلمت مصر لما اعتبرته قدرها ونصيبها وتزوجته، رغم أنف الشرفاء من أهلها الذين حاولوا أن يقاوموا عقد هذه الزيجة، ولكن جهودهم ذهبت أدراج الرياح، فاستسلموا كما استسلمت، وبقوا حبيسي هذا الزواج الانتهازي غير المتكافئ لثلاثين عاما، تجرعوا خلالها المر والعلقم، وتحملوا ما لا يُحتمل من شرور وموبقات وخطايا رجل الأعمال (اللص سابقا)، وحاول الشرفاء الرافضون تطليقها منه بشتى الطرق، ولكن دون جدوى، فقد تمكن بطرقه الثعبانية الملتوية من السيطرة الكاملة على كل مقدراتها، وقضى على أي أمل يولد في قراها ومدنها وشوارعها وحواريها، وجامعاتها ومدارسها، ومن تسول له نفسه المعارضة أو حتى إبداء الامتعاض أو عدم الرضا؛ يعتقل ويعذب ويلقى به في أعماق السجون (مش سجن مزرعة طرة طبعا) ... ولكن الله فوق الجميع، ولم يكن ليترك خير أجناد الأرض يلقون حتفهم ويضيع مستقبل شبابهم على أيدي اللصوص، فبعث الروح في نفوس الجيل الجديد، وتمكن الشباب من خلع بلادهم من (زعتر) ، وحكمت محكمة الشعب المصري بطلاق مصر من مبارك خُـلعا.. واسلمي يا مصر..

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل