المحتوى الرئيسى

كراتين الأحزاب الجديدة

06/18 08:23

بعد عشر سنوات لم تكف خلالها الصحف وأجهزة الإعلام والنشطاء السياسيون عن وصف الأحزاب السياسية التى تشكلت بعد عام 1976 بأنها أحزاب «كرتونية» - توجه يوم الثلاثاء الماضى مندوبون عن مؤسسى ثلاثة أحزاب ليبرالية جديدة إلى مقر لجنة الأحزاب السياسية بدار القضاء العالى ليقدموا إخطارات تأسيس هذه الأحزاب.

ولأن القانون- بعد تعديله أخيراً - ينص على ألّا يقل عدد مؤسسى أى حزب عن خمسة آلاف مواطن، يقدم كل منهم ملفاً يتضمن توكيلاً موثقاً بالشهر العقارى، وصورة لبطاقة الرقم القومى، وبياناً بالسيرة الذاتية له، وأوراقاً أخرى، فقد حمل هؤلاء المؤسسون أوراق التأسيس فى كراتين - أى صناديق من الورق المقوى - يتراوح عددها بين 15 و20 كرتونة، مما اضطر لجنة الأحزاب إلى إرجاء تسلم أوراق تأسيس إحدى هذه «الكراتين»، لأن عدد الموظفين المتوفرين لديها لا يكفى لفرز أو التأكد من صحة أوراق أكثر من «كرتونتين» - أى حزبين - فى اليوم الواحد!

ولا أحد يستطيع أن ينكر أن الأحزاب التى تأسست بعد عام 1976 كانت تضم عدداً ملحوظاً من الأحزاب الكرتونية التى لا تعبر عن اتجاهات فى الرأى العام، ولا يعرف لها أحد أعضاء أو نشاطاً أو يتذكر لها اسماً.. كما أن أحداً لا يستطيع أن ينكر - كذلك - أنه كان من بينها أحزاب حقيقية، تعبر عن تيارات فكرية أساسية فى تاريخ مصر، وأنها ظلت تناضل ضد الاستبداد والفساد وتدهور مستوى معيشة الطبقات الشعبية، من دون أن يستمع لها أحد من الناس اللى فوق، أو يدعمها أحد من الناس اللى تحت، وبين مطرقة هؤلاء وسندان أولئك، تفشت داخل هذه الأحزاب الانقسامات وفقدت تأثيرها على الظاهرة السياسية.

ولا أحد يستطيع - كذلك - أن يؤكد أن كراتين اليوم لن تكون صورة من كراتين الأمس، فليس بإسقاط القيود عن تشكيل الأحزاب أو حل الحزب الوطنى المنحل، أو تأسيس 70 حزباً سياسياً جديداً، تقدم 1750 كرتونة للجنة الأحزاب، فقط، نستطيع أن نرسى قواعد تعددية حزبية حقيقية، فدون ذلك عقبات حقيقية من الموروث الحضارى إلى تأثير البيئة من تفشى الأمية الهجائية والسياسية إلى شيوع الفهلوة، ومن افتقاد القيم الديمقراطية إلى اختفاء التقاليد الحزبية، ومن رسوخ العادة إلى العجز عن التفكير خارج الصندوق، يتصدرها جميعاً أن العمل الجمعى والتطوعى ليس من فضائلنا التى نتغنى بها،

بحكم نشأتنا فى بيئات صحراوية أو زراعية أو جبلية رسخت ولا تزال - لدينا - قيم الفردية والأنانية، ودفعت كلا منا لأن يسعى لكى يحل مشكلته بنفسه بعيداً عن الآخرين، وأن يرفض التنازل عن بعض ما يراه فى سبيل التوصل إلى مشترك معه، فضلاً عن أننا خضعنا لقرون متصلة لأنظمة حكم مستبدة، جعلتنا ندمن البحث عن مستبد لكى يحكمنا، وخلقت من كل منا فرعوناً صغيراً يتوهم أنه يحتكر الصواب، وأن كل من يختلف معه فى الرأى هو «كافر» أو «خائن».

ولأن الأحزاب السياسية تقوم أساساً على العمل الجمعى المشترك والتطوعى، أى غير مدفوع الأجر، وتنشط على أساس أنها تجتهد فى المصلحة العامة، وتتنافس مع غيرها من الأحزاب على افتراض أن كلا منها يدافع عن المصالح العامة، وإقرار كل منها بحق الآخر فى التواجد والاختلاف معه، بشرط ألا يحتكر أحد منها لنفسه الحق فى الحديث باسم مقدسات الأمة، فالله رب الجميع.. والوطن وطن الجميع.. فإن القيم السائدة فى المجتمع، سوف تشكل عقبة حقيقية أمام الرواد الذين حملوا كراتينهم وذهبوا إلى لجنة الأحزاب، ليخطوا الخطوة الأولى فى بناء تعددية سياسية حقيقية تحول مصر إلى بلد ديمقراطى طبقاً للمعايير الدولية.

سوف يفاجأ هؤلاء بأن قسماً كبيراً من الأغلبية الصامتة التى تحركت على غير انتظار بعد 25 يناير من دون تنظيم حزبى أو رؤية سياسية واضحة، إلا التخلص من النظام الذى كان قائماً، قد عادت إلى صمتها، فى انتظار ظهور مستبد عادل جديد، من دون أن تربط بين مشاركتها فى هدم النظام القديم، ومسؤوليتها عن إقامة النظام الذى سوف يحل محله ويختلف تماماً عنه!

وسوف يفاجأون بأن قسماً ملحوظاً من هذه الأغلبية الصامتة يتلقون ثقافتهم ومواقعهم وآراءهم فى الأحزاب السياسية الجديدة والقديمة من خطباء المساجد ووعاظ الزوايا ومشايخ الروشتة فى فضائيات البترودولار، ويخلطون بين ما هو دينى وما هو سياسى.

وسوف.. وسوف.. وسوف..

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل