المحتوى الرئيسى

استقلال القضاء

06/18 08:23

مما لا شك فيه أن مؤسسة القضاء كانت هى الأفضل خلال العهد السابق، وهو ما انعكس على ثقة المصريين فيها.. رغم ظهور بعض الأخطاء الفردية والشخصية.. لكن نستطيع القول بأن «القضاء» كان بعيداً عن منظومة الفساد بشكل كبير.. وأنه يمكن حصار الأخطاء التى جرت بداخله على أنها تصرفات شخصية.. وترجع الأسباب إلى أن أركان النظام القضائى فى مصر مستقلة، وأن القيم والتقاليد التى يتوارثها القضاة الجدد كفيلة بخلق مناخ يلفظ الفساد ويدعم العدالة.

ولا أحد ينكر أن النظام القضائى فى مصر يتسم بالاستقلالية إلى حد ما، باستثناء بعض العورات المتفق عليها بين جميع القضاة، مثل الندب لمؤسسات حكومية أو تبعية التفتيش القضائى لوزارة العدل.. أما غير ذلك فإن السلطة لا تملك من أمر القاضى شيئاً إلا إذا أراد هو.. وخالف ضميره إما طمعاً فى منصب أو طمعاً فى مال.. وقد كانت مؤسسة القضاء محل ثقة المصريين، خاصة فى ظل غياب المؤسسات الأخرى.. وتحول مكتب النائب العام إلى ديوان للمظالم فى الوقت الذى كان فيه المسؤولون الحكوميون لا يستمعون إلى أحد.. تحول القضاء الإدارى إلى برلمان حقيقى لرد الحقوق، فكان كما كتبت عنه من قبل بطل عام 2010، بأحكامه التاريخية مثل بطلان عقد مدينتى.. ووضع حد أدنى للأجور.. وغيرهما من الحقوق الجماهيرية التى عجزت مؤسسات الدولة عن حسمها.

وبعد ثورة 25 يناير اجتاحت الانقلابات جميع المؤسسات على النظام والأشخاص، وهو الأمر الذى لم يطل مؤسسة القضاء بنفس المقدار، لكن القضاء الآن على المحك وهو المنوط به إجراء حساب لفساد رموز النظام السابق.. وفى ذات الوقت فإن مطالب الرأى العام بلا سقف.. وبالتالى فإن القضاء فى اختبار حقيقى حيث ألقى على كاهله رد حقوق الشعب ومحاكمة الفاسدين فى ظل تقاعس الحكومة عن تنظيم محكمة للثورة تحاسب على الفساد السياسى.. وبالتوازى مطلوب من القضاء المحافظة على تقاليده وقيمه فى إطار القانون.

بل الأخطر أن الكل يثق فى أن القضاء يملك نظاماً حاسماً لمحاسبة الفاسدين مالياً بطريقة غير معلنة، لكنه لا يملك آلية واضحة لمن خالفوا ضميرهم وأفسدوا سياسياً بأن استجابوا لضغوط أهل السلطة لإصدار أحكام موجهة.. وهذه أمور يتحدث عنها أهل القضاء فيما بينهم كالعلم العام وإن كانت لا توجد أدلة قوية لإثباتها.. وبالتالى فإن المؤسسة عليها عبء إصلاح ذاتها بطرق داخلية غير معلنة للقضاء على هؤلاء الفاسدين ليظل ثوب القضاء ناصع البياض كما هو دائماً.

كما يجب على الرأى العام أن يساعد على استقلال القضاء لأنه أساس بناء أى دولة، خاصة أن معظم مؤسسات مصر قد انهارت وفقدت ثقة الجمهور، فيجب أن يعمل القضاة فى معزل عن الناس وألا تكون شؤونهم محل حوار عام وأن يبتعد المتظاهرون عن ساحات المحاكم، سواء هؤلاء الذين يطالبون بتوقيع أقصى عقوبة على المتهمين، أو هؤلاء الذين يلحون على براءتهم، ويرفعون لافتات بشعارات تتحدث عن مزاياهم.. فالضغط الجماهيرى الإيجابى أو السلبى على القضاء أثناء المحاكمات أمر خطير جداً، لأن القاضى يحكم بما أمامه من أوراق وأدلة وليس بالعلم العام أو الشخصى.

■ أخيراً.. لقد طالبت الدكتور أحمد نظيف، رئيس الوزراء الأسبق، بأن يتحدث عندما أدلى برأيه فى قضية مدينتى، كتبت مقالاً تحت عنوان «صمت نظيف أفضل» .. وأنتقد أيضاً كثيراً صمت ممدوح مرعى، وزير العدل السابق، فى مشاكل كثيرة فجّرها ولم يتحدث فيها، ولكنى الآن أؤمن بأن الصمت فضيلة فى أحيان كثيرة، خاصة عندما أقرأ تصريحات المستشار محمد عبدالعزيز الجندى، وزير العدل.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل