المحتوى الرئيسى

عمو مصطفى

06/18 08:06

يظهر دائما بعد صلاة الجمعة، رجل تجاوز الخمسينيات، يرتدى جلبابا أبيض، ملامحه كلاسيكية يحدث دائما أن تقابل من يشبهه، قد تعتقد أنه كومبارس متكلم فى فيلم حياتك، ولكن صدق أو لا تصدق هو أحد أهم من يحرك الأحداث.

تلتقيه طفلا صغيرا فيسألك: «دخلت المدرسة ولا لسه؟.. طب هتخش إمتى؟» ينبت بداخلك شىء ما يجعلك متشوقاً لمدرسة، يقابلك بعدها بسنوات فيسألك: «ها؟.. بقيت فى سنة كام؟» وأياً كانت إجابتك سيقول لك: «لأ.. شد حيلك شوية، إنت كبرت خلاص على جو الأطفال ده»، يقابلك بعدها بسنوات فيسألك: «جبت كام فى إعدادى؟»..

 يطمئن أنك قد التحقت بالثانوى العام وأن مستواك يؤهلك للنجاح فى المرحلة القادمة، مع اقتراب الثانوية العامة يحاول أن يوقظ داخلك طموحا ما فيقول لك: «عايزين نقدم لك على شرطة» أو «شد حيلك، وطب إن شاء الله مش عايزين أقل من كده» يحملك مسؤولية ألا تخذله وتخذل أهلك «اللى تعبوا معاك»، بعد أن تلتحق بالكلية أياً كانت، يتابع معك النتيجة سنة بسنة إلى أن تقترب من التخرج فيعلنها لك صريحة: «عايزين تقدير كويس علشان نعرف نلاقيلك شغلانة حلوة»، تتخرج أياً كان تقديرك فيتابع معك بحثك عن عمل إلى أن يطمئن على استقرارك فى وظيفة ويسألك إن كنت بتقبض كويس ويلمح لك عن فكرة «مابتفكرش تسافر» قد يرى فيك نبوغا ما فيسألك «مابتفكرش تعمل دراسات عليا؟».

تستقر فى عملك بدرجة معقولة ترضيه وتمنحه الثقة ليسألك السؤال الجديد: «مش هتفرحنا بيك بقى؟» يطالبك بأن تفرحه ويضع طلبه فى سياق درامى مؤثر «فرّح أبوك وأمك ماحدش... صحيح الأعمار بيد الله لكن ماحدش ضامن عمره يا بنى»، تقابله بعد فترة والدبلة فى يدك اليمنى، سيهنئك فى المرة الأولى وفى المرة الثانية سيؤنبك «الخطوبة الطويلة مش حلوة.. اتجوز وكمل اللى ناقصك بعد الجواز»، تتزوج فيكون أول سؤال يقابلك به فى أقرب صلاة جمعة «ها؟ مافيش حاجة فى السكة؟»، وعندما يأتى من كان فى السكة يلهمك من جديد «شد حيلك بقى عشان تخاويه».

لم يحدث أن سألت عمو مصطفى يوما ما عن حياته ولم يحدث أن امتلكت الجرأة لتسأله عن سر اهتمامه ولم تكن يوما ما وقحا لتقول ما انتماؤك، دائما تستمع إليه حتى النهاية.. تحاول أن تكون مؤدبا أو خفيف الدم وأنت موقن أن كلامه سيمر من أذن عبر الأخرى إلى الفراغ، لكنه دون أن تدرى يلعب دورا مهما فى الحياة، عمو مصطفى وأمثاله..

العاديون ملح الأرض.. هم الذين يحفظون للمجتمعات توازنها، هم الذين يعرفون طريق الأمان حتى ولو لم يكونوا قد اختبروه إلى النهاية.. لكنهم شطار جدا فى وضع رتوش لوحة حياتك، يضعون ملامح عامة يحفظونها جيدا ويتناقلونها جيلاً بعد جيل، يشيعونها بهدوء وبثقة ودون خطة منظمة، يرمونها لك فى الحوارات العابرة بعد انتهاء صلاة الجمعة ويتركون لك حرية الجنون داخل هذه الحدود شرط ألا تحطمها فهم يخافون مرتين..يخافون عليك أن تتمادى فى الجنون فيلفظك المجتمع أو تتمادى فى الجنون فتفسد المنظومة كلها.

فى حياة كل منا رقيب وعتيد وعمو مصطفى، واحد يسجل ما تفعله من خير وواحد يسجل ما تفعله من شر وعمو مصطفى يحاول أن يلفت نظرك دائما إلى ذلك.

omertaher@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل