المحتوى الرئيسى

الإعلام العربي.. بين الوطنية والمهنية

06/17 14:06

جاسب عبد المجيد

ترتبط المهنية في عالم الإبداع بالوطنية عند البعض, وتُصاغ مفرداتها ضمن هذا النهج, حتى لا يحدث التصادم في ظل أي ظرف ما أو نتيجة لمصالح شخصية تتغلب في بعض الأحيان على المصالح العامة, وعلى الرغم من أن هذا المفهوم يختلف بين الأقوام والشعوب حسب طبيعة كل مجتمع وعاداته وثقافاته وموروثاته وقيمه الأخرى, إلا أن معظم الشعوب تنتصر لوطنيتها دائماً, آخذين في نظر الاعتبار مبدأ (لكل قاعدة استثناء).

على سبيل المثال يُمكن لصحفي أن ينشر أسراراً عسكريةً خلال الحرب عن بلاده تحت حجة الالتزام بقواعد المهنة, في حين يحجب صحفي آخر مثل هذه المعلومات التي في حوزته لأسباب يراها وطنية من وجهة نظره, وأمام هذا التباين أخذ الصراع الخفي بين المهنية والوطنية يظهر بين فترة وأخرى في ظل اختلاف المفاهيم والمصالح.

إن هذا الموضوع مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحرّية الإعلامية, والحقيقة أن التوفيق بين حياد الدولة وحرية الإعلام أمر صعب للغاية, خاصة عند الدول التي لا تمنح الحرية لوسائل إعلامها, ولا تفهم هذه الحرية في البلدان المجاورة, وهي بهذا لا تستطيع أن تفصل بين رأي الدولة وبين رأي كل من أجهزتها الإعلامية, ولقد كانت التجربة السويسرية خير مثال على ذلك، عندما كان هتلر وموسوليني يهددان باجتياح سويسرا بسبب إيمان بعض صحفها بنهج الديمقراطية الغربية وممارسة حريتها المطلقة.

لا يمكننا تغيير أي شيء إلا إذا تقبلناه أولاً, فعلى سبيل المثال تُشير بعض المصادر المتخصصة إلى أن الرئيس الأمريكي ويلسون فرض قانوناً بموافقة الكونجرس نصّ على توجيه الخيانة العظمى إلى الصحافي الذي ينشر أسراراً عسكرية قد تساعد العدو خلال الحرب العالمية الأولى, في حين طلب الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت إنشاء نظام الرقابة الاختيارية عام 1941 بالتعاون مع مالكي الصحف والمطبوعات الأمريكية, فساعدت وطنية العاملين في الصحافة على حفظ سرية الإنتاج الحربي, وبقيت ألمانيا تجهل كل شيء عن ترسانة أمريكا العسكرية خلال الحرب العالمية الثانية, وأعطى الصحافيون كلمة شرف للمسؤولين في قيادة الحلفاء بعدم إذاعة خبر الهدنة مع ألمانيا خلال شهر مايو 1945 حتى يعلن بصورة رسمية, لكن أحد المراسلين لم يلتزم بهذا الأمر, وأُعد تصرفه حينذاك بمثابة جريمة أساءت إلى مهنة الصحافة وآدابها ولوثت كلمة الشرف التي قطعها الصحافيون على أنفسهم, واضطرت وكالته إلى فصله من وظيفته لتجنب غضب الرأي العام.

اليوم وفي ظل المتغيرات الكبيرة التي يشهدها الوطن العربي, تخوض وسائل إعلامنا العربية معارك جديدة مع حكومات الدول وأبواقها التي لا تفهم حرية الإعلام, لأنها أصلاً لا تبيح الحرية لإعلامها في الداخل, وتحاول هذه القنوات جاهدة تقديم ما متوفر لديها من معلومات تخدم المتلقي على الرغم من عدم السماح لمراسليها بدخول هذا البلد أو ذاك لتغطية الأحداث.

هل يمكن أن تُستخدم الوطنية كسلاح دائم للتخلص من المهنية, أم أن المهنية تستخدم هي الأخرى كسلاح فعال لتجريد المبدعين من الوطنية؟.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل