المحتوى الرئيسى

هل تتوقف الولايات المتحدة عن خدمة ديونها؟

06/17 10:32

محمد إبراهيم السقا

يوما بعد يوم تتعقد أوضاع الاقتصاد الأمريكي ويحقق مزيدا من الخسائر على الأرض في ريادته للاقتصاد العالمي، ولعل أخطر القضايا المرتبطة بتدهور أداء الاقتصاد الأمريكي هي تصاعد حجم الدين العام الأمريكي إلى مستويات فلكية، بلغت هذا الشهر 14.3 تريليون دولار، وهو ما يمثل نحو 97 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. العامل الرئيس المسؤول عن نمو هذا الدين هو العجز الكبير الذي تحققه الولايات المتحدة حاليا في الميزانية، والذي يتوقع أن يدور حول أكثر من تريليون دولار سنويا في المتوسط خلال السنوات العشر القادمة، مما يعني أن الدين العام الأمريكي سيبلغ أكثر من 25 تريليون دولار بنهاية العقد الحالي، الأمر الذي يفرض تحديا كبيرا على الاقتصاد الأمريكي لكي يخدم هذا الدين. يقدر بعض المراقبين أن الولايات المتحدة لكي تتمكن من خدمة هذه القدر الهائل من الديون تحتاج إلى أن تحقق معدل نمو لا يقل عن 5 في المائة سنويا، وهو معدل مرتفع جدا بالنسبة لاقتصاد ناضج مثل الولايات المتحدة، حيث لا يتجاوز معدل النمو الطبيعي في الولايات المتحدة نسبة 3 في المائة في المتوسط تقريبا، وعلى الرغم من ذلك قد يدهش القارئ عندما يعلم أن الدين الأمريكي يعد حتى هذه اللحظة واحدا من أكثر الديون أمانا في العالم، وتجد فيه الكثير من الدول التي لديها فوائض دولارية الفرصة لاستثمار هذه الفوائض بأمان.

في عام 1980 كان الدين العام الأمريكي اقل من تريليون دولار (908 مليارات دولار) أو ما يعادل 33.6 في المائة فقط من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، وبنهاية عقد الثمانينيات قفز الدين العام الأمريكي لأكثر من ثلاثة أضعاف مستوياته في عام 1980 (3.2 تريلون دولار). خلال التسعينيات تباطأت معدلات النمو في الدين العام الأمريكي، حيث شهدت تلك الفترة تحسنا واضحا في المالية العامة للولايات المتحدة، حتى أنه بنهاية حكم بيل كلينتون كانت الميزانية الأمريكية تحقق فائضا، وقد كانت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي عند مستويات معقولة بصورة كبيرة (57.5 في المائة)، وبحلول عام 2000 بلغ حجم الدين العام 5.7 تريليون دولار.

عندما وقعت أحداث 11 من أيلول (سبتمبر) كان الدين العام الأمريكي نحو 5.8 تريليون دولار، غير أن التحركات الطائشة للولايات المتحدة لاستعادة الهيبة الأمريكية عالميا والقضاء على ما يسمى بقواعد الإرهاب كانت لها آثار مدمرة على مالية الولايات المتحدة ومستويات دينها العام. حيث أخذ الدين العام الأمريكي يتصاعد حتى بلغ نحو (9) تسعة تريليونات دولار في عام 2007 قبل انطلاق الأزمة المالية العالمية أي ما يعادل نحو 65 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وقد تسبب نشوب الأزمة المالية العالمية وانهيار قطاع المساكن في الولايات المتحدة إلى حدوث أكبر زيادة تحققها الولايات المتحدة في دينها العام بسبب برامج الإنقاذ الضخمة التي تبنتها الحكومة لاستعادة مستويات النشاط الاقتصادي والخروج من الأزمة، حتى بلغ 14.3 تريليون دولار هذا الشهر كما سبقت الإشارة، ونتيجة لذلك اضطرت الولايات المتحدة إلى رفع سقف دينها العام عدة مرات لكي تتمكن من اقتراض المزيد من الدولارات اللازمة لاستيفاء احتياجات الإنفاق لاقتصاد ضخم مثل الولايات المتحدة، بما في ذلك خدمة الدين نفسه.

يتسم الدين العام الأمريكي أيضا اليوم بارتفاع نسبة مساهمة المستثمرين الأجانب فيه بصورة واضحة. ففي عام 2000 كان المكون الخارجي من الدين العام الأمريكي في حدود تريليون دولار فقط تمتلك معظمه اليابان. أما اليوم فقد ارتفع هذا الرقم إلى نحو 4.5 تريليون دولار، الجانب الأكبر منه يعود إلى الصين، التي تعد أكبر حامل للسندات الأمريكية في العالم. وتشير الإحصاءات المتاحة إلى أن الصين تمتلك 1.2 تريليون دولار من السندات الأمريكية تليها اليابان التي تحمل نحو 900 مليار دولار من السندات الأمريكية، أما بالنسبة لما تمتلكه الدول النفطية فتنبغي الإشارة إلى أن إجمالي ما تحمله الدول المصدرة للنفط وهي 15 دولة، منها السعودية بالطبع، لا يزيد على 212 مليار دولار فقط.

باختصار فإنه ومنذ بداية الألفية الثالثة والولايات المتحدة تعاني من اضطراب واضح في ماليتها العامة، حيث تواجه عجزا خطيرا، في الوقت الذي تتضاءل فيه الخيارات المتاحة أمامها للتعامل مع هذه المشكلة، والنتيجة الطبيعية لذلك هي فقدانها القدرة على السيطرة على معدلات نمو الدين العام. مؤسسات التصنيف الائتماني أصبحت أكثر قلقا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، حول احتمالات تعمق أزمة الدين الأمريكي، ربما لضعف قيادة الديمقراطيين للكونجرس وغياب الحديث اليوم عن حلول مناسبة لتصاعد حجم الدين، الأمر الذي دفع مؤسسة ستاندرد آند بورز في نيسان (أبريل) الماضي إلى تخفيض تصنيفها الائتماني للدين الأمريكي من مستقر إلى سالب، وقد أشارت ستاندرد آند بورز إلى أن السبب الأساسي في ذلك يعود إلى عدم وضوح الرؤية حول كيفية التعامل مع الاختلالات المالية في الميزانية الأمريكية.

من ناحية أخرى، هددت مؤسسة موديز بأنها ربما تقوم بتخفيض تصنيفها للدين الأمريكي إذا لم يتم رفع سقف الدين بحلول منتصف تموز (يوليو) المقبل، أو إذا توقفت الولايات المتحدة عن خدمة ديونها ولم تقم باحتساب فوائد إضافية عن المبالغ التي لم تتم خدمتها. أكثر من ذلك فقد صدر الشهر الماضي تقرير مؤسسة CMA حول تصنيف الديون السيادية في العالم عن الربع الأول من هذا العام، والذي تراجع فيه تصنيف الدين الأمريكي من المركز الخامس بين أفضل الديون السيادية في العالم إلى المركز الثامن، غير أن الدين السيادي الأمريكي ظل بين قائمة أفضل عشر ديون سيادية في العالم وفقا لتقرير المؤسسة.

لا شك أن التصنيف الائتماني للدولة يعطي دلالة مهمة حول احتمالات توقف الدولة عن خدمة ديونها أو احتمالات إعلانها الإفلاس، غير أن أداء مؤسسات التصنيف الائتماني في مرحلة ما قبل الأزمة المالية العالمية أصبح يلقي بشكوك كبيرة حول درجة مصداقية وقدرة هذه المؤسسات على تقديم تصنيف ائتماني سليم يمكن الركون إليه باطمئنان، وذلك لأن هذه المؤسسات ترتكز على متغيرات قد تكون خاطئة في إعداد تصنيفاتها، ووفقا للمراقبين، فإن ما تعلن عنه هذه المؤسسات حاليا قد لا تكون له قيمة أو مصداقية، بسبب فقدان هذه المؤسسات لمصداقيتها أصلا، وبشكل عام كان أداء مؤسسات التصنيف سيئا في التنبؤ بحالات التوقف عن سداد الديون السيادية.

ردة الفعل الأمريكي على مثل هذه الاتجاهات في تصنيفات الدين العام الأمريكي جاءت أيضا بشكل لحظي، حيث حاول وزير الخزانة الأمريكي تيموثي جايثنر أكثر من مرة أن يطمئن المستثمرين الأجانب على سلامة دين الولايات المتحدة، مشيرا إلى أن المستوى المنخفض لمعدل الفائدة الذي على أساسه تقوم الولايات المتحدة بالاقتراض ينبغي أن يبعث الاطمئنان في نفوس المستثمرين، ويمكن أن يقدم دليلا قاطعا على انخفاض احتمالات التوقف عن خدمة الدين الأمريكي. غير أن مؤسسات التصنيف الائتماني لا تهضم هذا الكلام بسهولة، وتريد أن ترى على أرض الواقع ما يؤيد مثل هذه الحجج التي ساقها وزير الخزانة الأمريكي، ولكن ما هو سقف الدين الذي تتحدث عنه مؤسسات التصنيف الائتماني، ولماذا هو مهم إلى هذه الدرجة؟

ينص القانون الأمريكي على وضع سقف أعلى للدين الأمريكي، والذي بمقتضاه تستطيع الخزانة الأمريكية أن تصدر سندات دين في أي وقت والتي تتم في صورة مزادات لقبول عطاءات لقيم السندات ومعدل الفائدة الذي يرغب المستثمرون في إقراض الحكومة الأمريكية على أساسه، ومتى ما تم تحديد سقف محدد للدين العام أصبح لزاما على الخزانة الأمريكية ألا تتجاوز هذا السقف بإصدار أي سندات إضافية إلا بعد أن تقدم الحكومة طلبا لتحريك هذا السقف إلى أعلى وإصدار الكونجرس تشريعا بذلك، ومنذ عام 1946 تم تعديل سقف الدين الأمريكي 100 مرة، وهو ما يعني من الناحية الفعلية أنه يمكن تحريك سقف الدين أكثر من مرة خلال السنة، وتتمثل الفكرة الأساسية من السقف في عدم ترك الدين الأمريكي هكذا بلا حدود وفقا لما يقرره الحزب الحاكم، ذلك أن الدستور الأمريكي ينص على أن متانة الدين الأمريكي لا يجب أن تكون موضع شك في أي وقت من الأوقات.

آخر مرة تم فيها تحريك سقف الدين إلى أعلى كانت في 12 شباط (فبراير) 2010، حيث تم تحديد سقف الدين الأمريكي بـ 14.29 تريليون دولار. في منتصف الشهر الماضي بلغ الدين الأمريكي هذا السقف، وبالتالي لم يعد من صلاحية الخزانة الأمريكية إصدار أي سندات دين إضافية، ولكي تتجاوز الخزانة هذا السقف أصبح لزاما على الإدارة الحالية أن تتقدم بطلب إلى الكونجرس لإصدار تشريع برفع هذا السقف. تقدمت الإدارة الأمريكية الحالية أكثر من مرة بطلب لرفع سقف الدين بدءا من كانون الثاني (يناير) الماضي بنحو 2.4 تريليون دولار، وهو ما يعني أنه في حالة الموافقة على الرفع سيصبح السقف الجديد للدين الأمريكي 16.7 تريليون دولار.

المشكلة هي أن الحزب الحاكم حاليا لا يسيطر على الكونجرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون، وعلى الرغم من أن الجمهوريين قد قاموا في عهد الرئيس بوش برفع سقف الدين العام سبع مرات، يرفض الجمهوريون حاليا رفع سقف الدين الأمريكي ما لم يكن ذلك مصحوبا ببرنامج محدد لخفض الإنفاق الحكومي للإدارة الحالية والسيطرة على النمو في الدين العام، ولكن ماذا يعني رفض الكونجرس رفع سقف الدين؟

الإجابة هي أنه يعني أن الخزانة الأمريكية لن تكون قادرة من الآن فصاعدا على إصدار سندات خزانة جديدة لتتجاوز السقف الحالي، وبالتالي، على الأقل لن تتمكن الإدارة الأمريكية من الاستدانة لكي تخدم ديونها الحالية، أو ببساطة شديدة لقد تم وقف الأداة التي تمكن الحكومة الأمريكية من أن تقترض من الصين لكي تسدد مستحقات اليابان.

الوضع الحالي يضع الإدارة الأمريكية في حرج كبير بالنسبة لوضعها المالي، حيث قد تضطر إلى التوقف عن خدمة دينها العام، وهو إجراء خطير جدا. بالطبع يمكن للإدارة الأمريكية أن تلجأ إلى إجراءات محددة لإعادة ترتيب أولويات إنفاقها العام بحيث تتمكن من الوفاء بالتزاماتها نحو خدمة الدين، على سبيل المثال يمكن إلا تدفع أجور موظفيها أو تؤخر إصدار مدفوعات الضمان الاجتماعي أو مدفوعات الرفاهية الاجتماعية مثل مدفوعات المعاقين... إلخ، ولكن إلى متى يمكن أن تفعل الحكومة الأمريكية ذلك؟ وهل يمكن أن تجرؤ الحكومة على القيام بذلك أصلا؟ لقد أعلن جايثنر أنه سيتخذ إجراءات إضافية للاستمرار في سداد الالتزامات حتى الثاني من آب (أغسطس) القادم، فإذا لم يقم الكونجرس برفع سقف الدين الأمريكي حتى ذلك التاريخ فإن الإدارة الأمريكية ستكون مضطرة إلى أن تتوقف عن خدمة دينها العام.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل