المحتوى الرئيسى

حصيرة وحلة كشرى أمام ماسبيرو

06/17 08:07

شعرت بالفخر مع كل مصرى، عندما كان العالم يتابع أسلوبنا الحضارى فى التظاهر السلمى، وأشاد العالم كله بشبابنا وهم يكنسون ميدان التحرير، ويرفعون القمامة ويلونون الأرصفة، وكأنهم يربتون على كتف مصر ويسترضونها بعد عقود من الإهمال والمهانة، لكننى الآن عندما أمر على الميدان أشعر بالأسى، فقد صار مهملا إلى حد اليتم، والمظاهرات الصغيرة التى تقحم نفسها عليه صارت هزيلة وفئوية ومشبوهة أحيانا، الميدان الذى جمع مصر فى صورة أبهرت العالم، صار نهباً لأصحاب المصالح الصغيرة، حتى لو كانت على حساب الوطن واستقراره، وعندما مررت قبل أيام أمام مبنى التليفزيون، صدمنى المشهد المفجع لعائلات كاملة تفترش الأرصفة أو حصائر بلاستيكية، وتحتمى بملاءات وخيام بدائية وحولها كميات من القمامة وروائح العطن، وكعادتى حاولت النظر للجانب المضىء من الصورة، وقلت لا بأس إنها الديمقراطية، ويجب أن تتمتع بها كل الطبقات، ولابد أن نشجع الفقراء قبل الأغنياء على المسلك الديمقراطى إذا كنا حقا نريد انتقالا سلميا لمجتمع مدنى بحد أدنى من العنف والإرهاب، فليس هناك أسهل من تحول فقير مظلوم إلى الإرهاب.

خاصة إذا ظل يعانى من تجاهل الدولة، وشعر باليأس من وصول ندائه وحصوله على حقوقه، وتمنيت لو أن نشطاء الديمقراطية سعوا للمشاركة العضوية فى مثل هذه الاحتجاجات، وتعمدوا نقل خبراتهم ومساعدة هؤلاء البسطاء على المطالبة بحقوقهم من دون اعتداء على حقوق الآخرين من أبناء المجتمع، فكلنا ضحايا بصورة أو بأخرى، لكن الحياة يجب أن تستمر بلا تعطل، والحقوق يجب أن تعود بلا تنطع، وبلا محاولة للاحتيال من أجل مكاسب غير مستحقة، تحت مبرر تعويض ما فات، ففساد المظلوم يكون أحيانا أخطر من فساد الظالم، لأنه قد يجد تعاطفا من البعض، فيستمر الفساد بصورة معكوسة، وهو أسوأ ما يمكن أن نتعرض له فى ظل هذا التشوش والارتباك الذى نمر به، فنحن نتحدث عن الديمقراطية ثم نصنع مناخا عدائيا يروج للإقصاء والعزل السياسى، ونتحدث عن العدل ثم يبرر كل منا لنفسه الحصول على المغانم كتعويض عما فات، ومنا من ينام «جان فالجان» فيصحو «روبن هود»، وأنتم تعرفون أن جان فالجان هو نموذج الفقر فى رواية «البؤساء» لفيكتور هوجو، و«روبن هود» مثل أدهم الشرقاوى عندنا استحل سرقة الأغنياء لصالح الفقراء.

وهذا ما حدث مع موظف محترم بكى بغزارة وهو يقول لى: عندى إحساس بالعار لأنى بعت ضميرى الأسبوع الماضى بعد أن حافظت على شرفى طوال سنوات السقوط فى عصر مبارك، واعترف لى «جان فالجان» بأنه سقط فى فخ تنظيم يقوده محام تقمص دور «روبن هود»، وتخصص فى «تستيف» مستندات مزورة لتمكين زبائنه من الحصول على تعويضات من مغارة الحكومة، وفى الأسبوع المقبل نتعرف على تفاصيل هذه التجارة المشينة.

tamahi@hotmail.com

 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل